علمت مجلة فورين بوليسي أن قادة المعارضة السورية على اختلاف فصائلها تجتمع في قطر الأسبوع المقبل، لتشكيل هيئة قيادية جديدة تحلّ محلّ المجلس الوطني السوري الذي تحول إطارًا غير فاعل، تستهلكه الصراعات الداخلية.


إعداد عبد الاله مجيد: تساهم وزارة الخارجية الأميركية بدور نشيط في تشكيل المجلس الجديد امتدادًا لجهودها من أجل إسقاط الرئيس بشار الأسد وبناء معارضة أشد فاعلية وأمتن وحدة.

في هذا السياق يأتي، على سبيل المثال، لقاء وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون مع ناشطين سوريين نُقلوا جوًا الى نيويورك لعقد اجتماع على مستوى عال، لم تتحدث عنه وسائل الإعلام حتى الآن.

وكان المرشح الجمهوري ميت رومني انتقد سياسة الرئيس باراك اوباما تجاه سوريا خلال المناظرة الثالثة والأخيرة، قائلا إنها أخفقت في تصدر العمل على تمهيد الأرض لمرحلة ما بعد الأسد، ودعا الى بديل يقود هذا التحرك.

ونقلت مجلة فورين بولسي عن مسؤولين اميركيين وشخصيات سورية معارضة ان وزارة الخارجية الاميركية عملت خلال الأشهر الماضية على توسيع اتصالاتها داخل سوريا بالاجتماع مع قادة ميدانيين وممثلين عن المجالس التي شكلتها المعارضة المسلحة لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، في محاولة لتجاوز المجلس الوطني السوري المثقل بالانقسامات.

وفي مواجهة هذا الموقف، يشعر كثيرون في المجلس الوطني السوري بالإحباط إزاء مستوى الدعم الذي يلقاه المجلس من واشنطن. وقال قيادي في المجلس الوطني السوري لمجلة فورين بولسي quot;ان ادارة اوباما تحاول إضعاف المجلس بصورة منهجية. وهذا أمر مؤسف جداquot;.

لكن المسؤولين الاميركيين يشعرون بالقدر نفسه من الإحباط في تعاملهم مع المجلس الوطني السوري، الذي يقولون إنه أخفق في نيل تأييد واسع، وخاصة بين الأقلية العلوية والأقلية الكردية. ويعتبر المجلس الجديد محاولة لتغيير هذا الوضع. إذ سيجتمع عشرات من قادة المعارضة السورية في الدوحة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر بأمل الاعلان عن المجلس الجديد ممثلا شرعيًا لكل فصائل المعارضة في 7 تشرين الثاني/نوفمبر، بعد يوم على الانتخابات الرئاسية الاميركية.

وتنظر ادارة اوباما الى المجلس الجديد بوصفه نواة حكومة انتقالية يمكن ان تتفاوض مع المجتمع الدولي، وفي مرحلة لاحقة قد تتفاوض مع النظام السوري ايضًا، بحسب مجلة فورين بولسي، مشيرة الى ان المجلس الوطني السوري سيكون أقلية في الإطار الجديد، ولكن بعض قادة المعارضة ما زالوا يشكُّون في نجاح التحرك الجديد.

وستنضم الى اجتماع قطر عشرات من قادة المعارضة في الداخل، بينهم ممثلون عن المجالس الثورية في المحافظات ولجان التنسيق المحلية وعناصر مختارة من المجالس الادارية المحلية حديثة التأسيس.

وقال مسؤول رفيع في الادارة الاميركية quot;نحن نسميه برلمانًا اوليًا، ويمكن ان يعتبر مؤتمرا قاريا ايضاquot;، على حد تعبيره. ويطلق مسؤولون اميركيون وقياديون في المعارضة على المبادرة الجديدة اسم quot;خطة رياض سيفquot; نسبة إلى البرلماني والمعارض السوري الذي سُجن بعد توقيعه quot;اعلان دمشقquot; عام 2005. وأُفرج عن سيف في عام 2011. واعتدت عليه بالضرب عصابة من شبيحة النظام في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ثم سمح له بالسفر ليغادر سوريا في حزيران/يونيو 2012.

ويعتبر سيف شخصية مركزية في تشكيل المجلس الجديد، حيث يعد شخصية ذات مصداقية واسعة بين اوساط المعارضة السورية في الداخل والخارج.

وشدد المسؤول الاميركي على ضرورة كسب تأييد معارضة الداخل للقيادة السياسية الجديدة quot;وليس تأييد الإطار الجديد فحسب، بل المشاركة فيه باسماء ايضاquot;. وقال ان هيكل المجلس سيُحدد على وجه الدقة في قطر، وليس قبل ذلك.

وتابع المسؤول الاميركي quot;انه من الضروري ان نكون واضحين. فان هذا ما يدعمه الاميركيون، ومن يريد ان يعمل معنا، عليه ان يعمل بهذه الخطة، وان يعمل بها الآن. فنحن لن نهدر مزيدًا من الوقت. الوضع يزداد تفاقمًا، وعلينا ان نتحرك الآنquot;.

ودخلت كلينتون شخصيًا على الخط عندما التقت عددًا محدودًا من اعضاء مجموعة اصدقاء سوريا، التي تضم 80 عضوا في نيويورك، بينهم شخصيات من معارضة الداخل، ووزراء خارجية دول اعضاء في المجموعة الأساسية التي تضم 22 دولة.

وقال المسؤول الاميركي quot;ان الهدف من اجتماع نيويورك كان بلورة الفكرة القائلة بضرورة إيجاد اطار سياسي جديد، وليس المجلس الوطني وحدهquot;.

حضر الاجتماع اثنان من قادة المجلس الوطني السوري مع اربعة من ممثلي معارضة الداخل، رغم ان واحدا فقط منهم جاء فعلا من داخل سوريا. وحضر احد الثلاثة الآخرين من السويد، وآخر من الاردن، والثالث من الكويت. والقى جميعهم كلمات قصيرة، ثم غادروا قاعة الاجتماع، فيما بقي وزراء الخارجية لبحث الخطوات التالية.

وقال المسؤول الاميركي quot;كنا نريد عددا اكبر من معارضة الداخل، ولكننا لم نتمكن من إخراجهم، والذين حضروا اختارهم معارضون في الداخلquot;.

ولكن حتى إخراج الوحيد الذي حضر من الداخل لم يكن مهمة سهلة، لأنه لم يكن يحمل جواز سفر. وتطلب إخراجه تدخلاً على مستوى عال بين وزارة الخارجية ووزارة الأمن الوطني. وركب المعارض القادم من سوريا الطائرة المتوجهة الى نيويورك، ولكن في اللحظة الأخيرة.

وستكون الولايات المتحدة ممثلة في اجتماع قطر بالسفير الاميركي في سوريا روبرت فورد، الذي يتعامل مع فصائل مختلفة من المعارضة، ويشارك في بحث قوام المجلس الجديد، كما افاد مسؤول رفيع في الادارة. وعلى سبيل المثال فإن فورد ضغط ليكون عدد اعضاء المجلس الجديد 50 عضوًا، بحيث يضم 20 ممثلا عن معارضة الداخل، الى جانب 15 من اعضاء المجلس الوطني السوري، و15 عضوا آخر يمثلون فصائل مختلفة من المعارضة السورية.

كما تشتمل الخطة على تشكيل مكتب تنفيذي يضم 8 الى 10 اعضاء من التكنوقراط غير الأعضاء في المجلس الجديد ليتمكنوا من التعامل مباشرة مع الحكومات الأجنبية على أساس يومي بشأن قضايا عملية، مثل إيصال المساعدات الانسانية وتوجيهها.

وقال المسؤول الاميركي quot;ان من شأن صيغة كهذه ان تتيح القول اخيرًا ان حاجات هذا المكان أكبر من حاجات الناس في ذلك المكان، لذا نرجوكم ان توجهوا المساعدات الى هنا أو هناكquot;.

واضاف المسؤول ان الحكومة الاميركية تنسق مع حكومات في اوروبا والمنطقة للتوصل الى توافق على الخطوات التالية مع المعارضة السياسية في الداخل والخارج.

وتنظر الحكومة التركية بحذر الى التحرك الجديد بسبب ما وظفته من جهود كبيرة في المجلس الوطني السوري، ولأن المجلس الجديد يتعمد وضع المجلس الوطني السوري في موقع الأقلية داخله. ولكن علاقة واشنطن مع المجلس الوطني السوري تتردى منذ اشهر، بحسب مسؤولين اميركيين، والإدارة ترى ان الاتراك سيقبلون في نهاية المطاف بصيغة المجلس الجديد.

وكانت الاتهامات المتبادلة بين ادارة اوباما والمجلس الوطني السوري بلغت نقطة حرجة في اواخر الربيع وخلال الصيف عندما أُلغيت زيارتان رسميتان كان من المقرر ان يقوم بهما المجلس الوطني السوري الى واشنطن، الأولى في ايار/مايو والثانية في تموز/يوليو. وألغى الجانب الاميركي الزيارة الأولى، لأن الإدارة كانت تريد من المجلس ان يزور موسكو اولاً، وهي زيارة كانت فاشلة، بحسب المسؤول الاميركي. أما الزيارة الثانية في تموز/يوليو فان المجلس الوطني نفسه قرر إلغاءها.

ولكن المجلس الوطني لن يختفي تمامًا، بل سيعقد اجتماعا خاصًا به في قطر في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، لتشكيل مكتب تنفيذي جديد من 15 عضوًا وانتخاب رئيس جديد.

وحذر ناشطون سوريون آخرون من ان تشكيل المجلس الجديد ليس مؤكدا مئة بالمئة. وقال ناشط من معارضة الخارج على اتصال وثيق بقادة عسكريين ميدانيين في الداخل لمجلة فورين بولسي ان الخطر الذي يهدد اجتماع الدوحة يتمثل في انه quot;قد لا يكون إلا أحدث مثال على فشل المعارضة في الالتفاف حول رؤية مشتركة ومشروع مشترك لسوريا ما بعد الأسدquot;.

وقال هذا الناشط ان فصائل المعارضة في وضع شديد الالتباس حاليًا، quot;وليس هناك اتفاق على مَنْ يمثل مَنْ وماذا وأين. وهناك خطر كبير في ان تكون هذه معالجة فاشلة أخرى لن تحقق شيئاquot;. ولكن مساعي ادارة اوباما تذهب إلى أبعد من تشكيل المجلس الجديد وإطلاقه.

ورغم ان العاملين في مكتب السفير فورد على اتصال مع ممثلي الجيش السوري الحر منذ فترة فإن فورد نفسه اجرى في تموز/يوليو أول اتصال مباشر مع الجيش الحر خلال زيارة للقاهرة. وأكد مسؤول اميركي ان لقاء خاصًا عبر دائرة الفيديو نُظم هذا الشهر بين فورد وعدد من قادة الجيش السوري الحر.

وتدرك ادارة اوباما النفوذ المتزايد للقادة الميدانيين من جهة والمتطرفين الاسلاميين من الجهة الأخرى، بما في ذلك جماعات لها ارتباطات بتنظيم القاعدة تخوض صراعًا مع الأطراف الأخرى لتحديد وجهة الحرب الأهلية المستعرة في سوريا.

وقال المسؤول الاميركي quot;هناك وجود متزايد للمتطرفين الاسلاميين، لذا علينا ان نساعد قادة المجالس العسكرية الذين غالبيتهم علمانيون ومعتدلون نسبيًا، ولا ينفذون اجندة تتسم بالغلوquot;.

ولكن ادارة اوباما ما زالت تمتنع عن تسليح الجيش السوري الحر بصورة مباشرة، واستبعدت زجّ قوات اميركية في النزاع، رغم رهان العديد من رموز المعارضة على تغير هذا الموقف بعد 6 تشرين الثاني/نوفمبر.

وقال المسؤول الاميركي quot;نحن نقدم إلى المعارضة مساعدة من كل صنف، وسنزيد هذه المساعدات، كما قالت الوزيرة. ولا أعتقد ان تغييرًا كبيرًا سيحدث بعد الانتخاباتquot;.