أخذت حركة الاحتجاج في المحافظات ذات الغالبية السنية في العراق، والمنحى الخطير الذي اتخذته بوقوع أعمال عنف وضحايا، تعيد إلى الأذهان المواجهات الطائفية الدامية في 2006 و2007 وتطرح أوجه شبه مقلقة بالحرب الأهلية المستعرة في سوريا.


سلطت الاحتجاجات ضوءًا على حقيقة لا تسرّ الدبلوماسيين الأميركيين في بغداد، وهي أن من الأسباب الرئيسة لشعور السنة بالحيف والمظلومية والاستهداف، جملة قوانين وممارسات فرضتها الولايات المتحدة في السنوات الأولى من احتلال العراق.

ستار الإرهاب
تتبدى نتائج هذه السياسات، لا سيما قوانين مكافحة الإرهاب، في عموم العراق اليوم. فالمخبر السرّي، الذي استعان به الجيش الأميركي أيام الاحتلال، ما زال يؤدّي مهمته البغيضة لحساب حكومة رئيس الوزراء نوري الملكي، متسببًا في وضع أبرياء وراء القضبان. ويرزح مئات الموقوفين في السجن منذ سنوات من دون تهمة بعد اعتقالهم في حملات باسم مكافحة الإرهاب.

وما زال التهميش والحرمان مصير ضباط سابقين في الجيش العراقي، أقصاهم الأميركيون، بموجب قانون اجتثاث البعث وقانون حلّ الجيش، رغم وعود حكومة المالكي بإعادتهم ودفع رواتبهم ورد اعتبارهم اجتماعيًا.

وعندما بدأت المحافظات السنية احتجاجاتها في كانون الأول/ديسمبر، قدم المتظاهرون قائمة بمطالبهم إلى الحكومة، بما في ذلك الإفراج عن الموقوفين من دون تهمة، وإلغاء العمل بنظام المخبر السري، وإنهاء التطبيق الانتقائي لقوانين مكافحة الإرهاب واجتثاث البعث، التي لا تطال إلا السنة، وما يترتب على ذلك من مصادرة حقهم في العمل والتقاعد.

تكمن في صلب مشاعر السخط والاستياء بين السنة تكتيكات مكافحة الإرهاب، التي تواصلها حكومة نوري المالكي، بحملات كاسحة في المناطق السنية، وكثيرًا ما توقع البريء والمذنب على السواء في شباكها. ويقول ناشطون سنة إن الاعتقالات تجري في الغالب بناء على معلومات كاذبة يقدمها مخبرون مغرضون.

تقارير ملفقة للتربّح
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مخبر سرّي في مدينة بعقوبة شمال بغداد، قدم نفسه باسم غالب، قوله quot;إن الأجهزة الأمنية لا تطلب مني التلفيق، ولكنني أعرف مخبرين يلفقون تقارير، لأنهم يريدون مزيدًا من المالquot;. وأضاف إنه كان يتقاضى من الأميركيين 600 دولار عن معلومات تؤدي إلى الاعتقال، ويتقاضى من الحكومة الحالية 100 دولار عن كل شخص يُعتقل.

في حين قال مخبر آخر في بعقوبة، عمل هو أيضًا مع الأميركيين، قدم نفسه باسم أبو باسم، إنه كثيرًا ما يشي بأشخاص يعتقد أنهم quot;متعاطفون مع المتطرفينquot;. وأضاف quot;إن العديد من الأبرياءquot; أُدينوا استنادًا إلى معلوماته، وأن المسؤولين الحكوميين يشجّعونه أحيانًا على تقديم معلومات كاذبة للقيام باعتقالات.

السنة ناقمون
تعتمل مشاعر النقمة بين السنة في العراق منذ عام 2003 عندما وصل الأميركيون ليقلبوا حياة ملايين منهم رأسًا على عقب، لاسيما من كانوا يتولون مراكز مسؤولة في جهاز الدولة الإداري والمؤسسات الرسمية والتعليمية والجيش.

من هؤلاء خالد العبيدي، الذي كان والده قائدًا عسكريًا في جيش النظام السابق، وأصبح هو نفسه ضابطًا. وقال العبيدي إنه كان لديه سائق وطاهٍ quot;وكانا يعاملان أبناء الضباط معاملة خاصة. كان لدينا بيت خاص ونادٍ اجتماعي خاص بناquot;.

الآن بعد طرد العبيدي من الجيش، يعمل سائق سيارة أجرة للعيش، وهو مهدد بإخلائه من شقته الصغيرة المؤجرة، ولا يعرف كيف يضمن لأطفاله تعليمًا جيدًا. والحي الذي يسكنه في بغداد، الذي كان ذات يوم حيًا نظيفًا، يحظى بعناية كبيرة، لأن غالبية سكانه من الضباط، مهمل الآن، تنتشر في شوارعه النفايات.

سمع العبيدي في العام الماضي من التلفزيون أن الحكومة تدعو الضباط السابقين إلى العودة. وقال خالد quot;طرتُ من الفرح، وكان ذلك أفضل خبر سمعته منذ زمن طويلquot;.

بانتظار العودة
ولكن العبيدي ما زال ينتظر تنفيذ الحكومة ما وعدت به. وراجع الدائرة العسكرية في منطقته خمس مرات على الأقل طالبًا إعادته إلى مهنته الأصلية. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن العبيدي قوله quot;ننتظر في الطابور ساعات، قبل أن يأتي أحد ما، ويقول quot;تعالوا في يوم آخرquot;.

كان العبيدي مستعدًا لتجريب الديمقراطية في انتخابات 2010 بعدما انضم إلى غالبية السنة في مقاطعة الانتخابات التي سبقتها. ولكنه يؤكد الآن quot;لن انتخب مرة أخرىquot;.

لعل الأخطر على استقرار العراق من خيبة أمل العبيدي بالحكومة ووعودها أنه وكثيرين من المواطنين السنة الاعتياديين مثله لم يكتفوا بنفض أياديهم من العملية السياسية، بل أخذوا يتعاطفون مع الذين رفعوا السلاح أخيرًا ضد السلطة.

حدث هذا التغيير بعد انقضاض قوات الجيش على المعتصمين في قضاء الحويجة قرب مدينة كركوك ومقتل نحو 50 متظاهرًا. وقال العبيدي إنه من حق المحتجين أن يدافعوا عن أنفسهم، وإن الحكومة quot;تدفعنا إلى القتال من أجل الحفاظ على حياتناquot;.

وكانت حكومة المالكي شكلت لجنة برئاسة نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني للنظر في مطالب المتظاهرين. وأعلنت اللجنة الإفراج عن موقوفين وإعداد إجراءات جديدة بشأن نظام المخبر السري وتعديل قانون اجتثاث البعث. لكنّ مراقبين أكدوا أن الكثير من الموقوفين المشمولين بالإفراج ما زالوا في المعتقلات، وأن ما تعهدت به اللجنة من إصلاحات ووعود فارغة. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش لحقوق الإنسان إن العملية كلها تفتقر إلى الشفافية quot;وليس معروفًا ما إذا نُفذ أي من الوعودquot;.

فرص التهدئة أهدرت
وقال الشهرستاني ردًا على هذه الانتقادات إن لجنته فعلت ما رأته ضروريًا، ولكنها لم تتمكن من إرضاء جميع المتظاهرين.

الآن يقول عراقيون من السنة والشيعة على السواء إن فرصة تهدئة الغضب السني بإعادة النظر في هذه السياسات والقوانين هُدرت على ما يبدو. وفي حركة رمزية أقدم محتجون سنة على حرق قائمة المطالب التي تقدموا بها.

وقال قياديون شيعة إن المصالحة متعذرة سياسيًا إزاء الاستقطاب الطائفي، الذي أحدثته أعمال العنف الأخيرة واستمرار الحرب الأهلية في سوريا. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن سامي العسكري، عضو البرلمان المقرب من المالكي، قوله quot;لنكن واقعيين، ليس هناك تأييد لذلك في البيئة الحالية. وهذا هو تأثير ما يجري في سوريا. فالمنطقة كلها تتحدث عن صدامات بين السنة والشيعةquot;.

ويقول عراقيون إن شيئًا أكبر فُقد في بلدهم هو حلم التعايش بين مكونات المجتمع العراقي وحل الخلافات بالطرق السياسية. ويبدو نشوء كتل سياسية تضم سنة وشيعة قبل انتخابات العام المقبل، كما حدث قبل الانتخابات السابقة عام 2010، احتمالًا بعيدًا.

وقال العسكري في هذا الشأن quot;إن الشيعة يشعرون بأنهم مهددون، والسنة يشعرون بأنهم مهمشون. وفي هذه البيئة من الجنون القول quot;لديّ قائمة من السنة والشيعة سيصوّت لها الناسquot;.