وأخيرا.... ربما عودا على بدء؟! بعد شهور ثمانية، تمخضت المناورات والمداولات عن quot;اتفاقquot; غير متفق عليه! لأنه منذ البداية صار موضع اجتهادات متباينة واختلافات في التفسير، وعراقيل راحت توضع واحدة بعد أخرى.يقول بعض المحللين العرب إن إيران ليست اللاعب الرئيس والأول في العراق بدليل استمرار الأزمة ثمانية شهور، وهذه نظرة سطحية كما نراها. لماذا؟ هذه المرة لم يكن التحايل سهلا بسبب فوز quot; العراقيةquot; فوزا انتخابيا واضحا لا ينكر، فهرع زعماء الأحزاب الشيعية إلى إيران، متعاقبين، للبحث عن مخرج للتجاوز على النتائج بطريقة ماهرة والتفافية، فكان أن اخترعوا ما سموه quot;التحالف الوطنيquot; من القائمتين المذهبيتين، واستخدموا القضاء لإساءة تفسير الدستور، زاعمين أنهم هم القائمة الفائزة، أي مجموع نواب القائمتين، مع أن كل الأعراف الانتخابية في الدول الديمقراطية تقول إن القائمة الفائزة هي التي دخلت الانتخابات وليست تلك التي تتكون من مجموع قوائم بعد الانتخابات. واستشهد كتاب موالون للمالكي بهولندا، متناسين أن الملكة كلفت القائمة التي فازت بمقعد واحد لا غير مع أنها لم تستطع فيما بعد تشكيل حكومة.لقد وقعت القائمة العراقية في سلسلة متواصلة من الأخطاء، وانجرت -تحت ضغوط خارجية- وراء مناورات المالكي وحلفائه الجدد ndash; القدامى. انجر علاوي وكتلته غير المتجانسة وراء حسن الظن بالوعود والتعهدات، دون اتعاظ بأن شخصا كالمالكي قادر على لحس كل تعهداته حين يكون في موضع قوة، وهذا ما يجب أن تنتبه له أيضا الأطراف الكردستانية، التي قالت إن المالكي وافق على كل مطالبهم تقريبا ما عدا مطلب استقالة الحكومة في حالة استقالة الوزراء الكرد. فهل حقا سيوافق المالكي، من موقع القوة، على انضمام كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها لفيدرالية كردستان؟! أو يقبل بالتصرف المستقل للإقليم بالثروة الطبيعية، والنفط خاصة؟!وتورطت العراقية حين تنازلت عن استحقاقها الانتخابي ووافقت على رئاسة مجلس جديد باسم مجلس الإستراتيجيات السياسية، الذي يتضح اليوم أنه مجرد مخلوق مجهول الهوية والصلاحيات، فالأحزاب الدينية راحت تكثر، بعد انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، من التصريحات عن أن المجلس العتيد المرتقب يجب أن يتخذ قراراته بغالبية 80 بالمائة، ثم قيل بل بإجماع 100 بالمائة، وبأنه لن يكون مجلسا ذا صلاحيات ملزمة بل هو مجرد مجلس استشاري.وأخطأت العراقية حين لم تصر على نشر وثيقة الاتفاق على الرأي العام وعلى البرلمانيين، والإصرار على وجوب التزام الكتل البرلمانية به لكيلا يفسح المجال لتعدد التفسيرات وللتراجع، كما يحدث اليوم.والغريب أيضا أن العراقية اطمأنت للتعهد برفع الحظر عن عدد من أعضائها، وإلغاء هيئة المساءلة التي يديرها من كان معتقلا بتهمة الإرهاب والمقرب من فيلق القدس الإيراني. ووصلت السذاجة السياسية للاطمئنان للوعد بأن يتبوأ البعض من هؤلاء المحظورين مناصب سيادية مهمة كمنصب وزير خارجية. وها تجري تحركات ومظاهرات تنظمها الأحزاب الشيعية تحت شعارات تقول إن إلغاء هيئة المساءلة إدانة لدماء الشهداء. أما موضوع الحظر على المرشحين للمناصب، فتحتاج، كما يقولون، إلى سلسلة إجراءات قانونية!!الدكتور علاوي، كما كتبت في مكان آخر، ليس منقذ العراق، وكتلته غير متجانسة، وبينهم من سهل إغراؤهم بالمناصب. ولكن، لو استعرضنا، بأمانة وموضوعية، أداء كل من علاوي والجعفري والمالكي في رئاسة الوزراء، لوجدناه هو الأقرب لمبدأ المواطنة والحيادية الوطنية، وهو الذي سلم السلطة للفائزين في الانتخابات بلا مماطلة ومناورة. كما لم يعد النظام البعثي في عهده كما روجوا، بل هو من ضرب فتنة الفلوجة، كما ضرب فتنة مقتدى الصدر في النجف، ولكن الأحزاب الدينية المهيمنة هي التي أنقذت جيش المهدي. وعدنا وقد أصبح الصدريون قوة سياسية كبرى لهم 40 نائبا، بحيث اضطر المالكي للتحالف معهم ضد العراقية، وراح يطلق سراح عناصرهم الإرهابية المجرمة، الملطخة أيديهم بالدماء العراقية والأميركية. وهنا نلفت النظر إلى حديث المالكي دوما عن الدماء العراقية وحدها، متناسيا دماء الجنود الأميركيين والبريطانيين وغيرهم، ممن بفضل تضحياتهم وصل وحزبه وحلفاؤه للسلطة، فأساءوا استخدامها لصالح أنصارهم من الطائفة، [ لا لصالح كل الطائفة]، وبالضد من مبدأ المواطنة. وفي الوقت الذي يكثرون فيه الحديث عن الدستور والتمسك به، فإنهم يواصلون التأكيد على أن منصب رئيس الوزراء هو للشيعة حصرا، [ قاصدين أحزاب الإسلام السياسي الشيعي وليس الشيعة العلمانيين والديمقراطيين]، مع أنه ليس في الدستور نص على ذلك. هذا ليس دفاعا عن الدكتور علاوي؛ فللرجل أخطاؤه، ولكن الحقيقة يجب أن تقال وإن لم تعجب ربما كثيرين ممن اعتادوا منطق المغالطة وقلب الحقائق والتشهير والاتهام. إن مبدأ quot; المشاركةquot; عند هؤلاء يعني مجرد الاشتراك بوزراء في الحكومة المقبلة. وهذا بحد ذاته لا يعني مشاركة فعلية في اتخاذ القرارات، لأن صلاحيات رئيس الوزراء مبالغ فيها وتجعله، وكما تصرف حتى اليوم، يحصر كل شيء في شخصه وفي مكتبه الموسع، المؤلف من أنصاره ومن حزبه حصرا- بمعنى آخر، معنى المشاركة عنده هو الاشتراك الديكوري الذي يمكن الانقلاب عليه بلا عائق كبير.الوضع العراقي لا يزال ملغوما، وقد يزداد خطورة وتعقيدا، والتدخل الإيراني هو الفاعل السياسي الأول في البلاد، ولا أرى بصيص ضوء، فيما الدم العراقي يواصل النزف، وعملية انقراض المسيحيين تجري بلا حماية حكومية جدية، والفساد المستشري يستمر في نهب العراقيين دون أن نرى مسئولا كبيرا واحدا في قفص القضاء، وهو فساد طال حتى القطع الأثرية التي أعيدت للعراق وسلمت لمكتب رئيس الوزراء.الخروج من المأزق العراقي يتطلب سيادة مبدأ المواطنة أولا، وإنهاء المحاصصة الطائفية التي تضع غير الكفء في المنصب المهم، ووقف الهيمنة الإيرانية. والحل الأمثل يمكن تصوره، ولكنه غير عملي مع الأسف، ونعني تشكيل حكومة تكنوقراط وطنية نزيهة ومقتدرة ومصغرة، ولفترة مناسبة، للانكباب على مشاكل الأمن والخدمات والبطالة والفقر- حل أمثل، ولكنه مثالي بمعنى غير عملي في وضعنا الراهن؛ فكل الأحزاب والكتل الفاعلة سوف ترفض حلا كهذا بعد أن انفتحت شهية المناصب والمال والرواتب الضخمة. خبر آخر من العراق: سأل المدرس تلميذا quot;ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟quot;، فأجاب: quot; quot;أن أكون نائباquot;!!