قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تقدر الخسائر المالية الناجمة عن الانتخابات النقابية الفرنسية بحدود 3 مليارات يوروا لحد اليوم- علما بأن النقابات مصممة على المواصلة. ومن جهة أخرى، وإضافة إلى مصاعب المواطنين اليومية بسبب إضرابات عمال النقل، فإن بضع مئات من عمال مصافي النفط يواصلون خنق الملايين من أصحاب السيارات بسبب حصار العمال للمصافي وتطويقها رغم أن الشرطة تمكنت من فك حصار عدد منها. ومن أمثلة الخسارة الفادحة أن الصناعة الكيميائية تخسر يوميا 33 مليون يوروا وأن quot;أير فرانسquot; تخسر 5 ملايين، وهناك القلق التجاري، وخسائر بين أصحاب الفنادق والمطاعم، ألخ. ألخ..معروفة هي quot;الخصوصيات quot; الفرنسية في ثقافة وممارسة الإضرابات العامة للنقابات العمالية والطلابية، فما أن يضرب عمال قطاع ما، حتى تنبري بقية النقابات للإضراب، وسرعان ما يشارك التلاميذ والطلبة وإن كانت القضية لا تخصهم. كما نعرف أعمال العنف والشغب التي ترافق كل حركة إضرابية، لاسيما حركات التلاميذ والطلبة، وظاهرة جموع quot; الكاسرينquot; لممارسة المألوف عندهم من أعمال حرق السيارات ونهب المخازن والاعتداء على البوليس، ومعظم هؤلاء الكاسرين يفدون من الضواحي ذات الأغلبية السوداء والمغاربية.إن موضوع رفع سن التقاعد كان ضمن البرنامج الانتخابي لسركوزي، والذي انتخب على أساسه. وسبق أن جرت، منذ 20عاما، محاولات عديدة لإصلاح نظام التقاعد، الذي صار يثقل خزانة الدولة. والإصلاح يرمي لزيادة المدة التي يشارك فيها العامل والموظف في ميزانية التقاعد بعامين لتقليل العجز الضخم في ميزانية التقاعد. ومعلوم أن فرنسا تعاني من عجز مالي هائل وديون ضخمة جدا، وقد زادت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية من أعباء الاقتصاد والخزانة الفرنسيين. ومع أن سركوزي أبدى شطارة في معالجة الأزمة عند وقوعها، وكانت التجربة الفرنسية مثالا للاتحاد الأوروبي، فإن الأزمة لا تزال تلقي بكل ثقلها على الاقتصاد الفرنسي. ونقول، على الهامش، إن بريطانيا تقوم اليوم بعمليات تقشف كبرى، وحتى في النفقات الدفاعية، في مسعى لتقليص العجز المالي الخطير، وما يجري في فرنسا من إجراءات حكومية لا يعد أخطر ولا أكبر.إن فرنسا تكاد تكون الدولة الأوروبية الوحيدة في بقاء سن التقاعد عند 60 عاما. ففي إسبانيا، التي يحكمها الاشتراكيون، تبلغ سن التقاعد62، وفي إيطاليا 64، وقد ارتفعت من 62 إلى 64 دون احتجاجات مدوية، وقد ترتفع إلى 67 عاما. وفي بعض الدول الشمالية يبلغ السن 67، وهكذا. لكن المشكلة في فرنسا هي جمود أصحاب الامتيازات المتراكمة من العمال، لاسيما عمل السكك والنقل العام على امتيازات قديمة، ورفض كل إصلاح يبرره الوضعان الاقتصادي والاجتماعي. وسبق أن توقفنا لدى كتب ودراسات مفكرين وباحثين، من أمثال جاك مارسيّ ونيقولا فافيريه، حول جمود المجتمع الفرنسي وتشبث أصحاب الامتيازات بامتيازاتهم ورفض الإصلاحات. وذكر مارسيّ أن الإصلاح هو أصعب من الثورة لأن كل إصلاح يصطدم بهياج من يمسهم ذلك الإصلاح فيعملون بكل الأساليب لإفشاله. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الحركات الإضرابية للعمال والطلبة ومظاهراتهم هي مسيسة دوما، وقد تمسك أحزاب اليسار بالخيوط منذ البداية، أو تتدخل، فيما بعد، للهيمنة عليها وتوجيهها لأهداف سياسية، هي اليوم ضد الرئيس الفرنسي وللتمهيد للانتخابات الرئاسية القادمة بعد عامين. وكانت الزعيمة الاشتراكية رويال هي التي حرضت التلاميذ على التظاهر رغم محاولتها، فيما بعد، التنصل، ولكن حديثها التحريضي مسجل من شاشة التلفزيون. واليسار الفرنسي يحاول باستمرار التنصل أمام الشباب من مسئوليته في تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، الذي لم يأت مع سركوزي، بل جاء حصيلة تراكم متواصل منذ عهد الاشتراكيين وبعدهم، وعلى مدى عقود سنين. وإذ يتظاهر التلاميذ والطلبة، ويعتصمون، ويحاصرون، فإنهم قد لا يعرفون أن عليهم في المستقبل تحمل أعباء دفع مليارات أسطورية من عجز وديون متجمعة على الدولة، وعلى مر السنين، فهم سيدفعون ثمن امتيازات منحت للجيل السابق، الذي ينام على امتيازاته.وأما الظاهرة الثالثة، فهي أعمال العنف المتعدد الأشكال التي ترافق كل حركة إضراب وتظاهر. فالإضراب هو حق شرعي ودستوري، ولكن محاصرة المصافي والمعامل والجامعات والمدارس هي عمل عنف، ولا تدخل ضمن الحق المشروع في الإضراب. وفي العام الماضي، وقبله، لجأ العمال إلى عمليات حجز أرباب العمل أو مدراء المعامل أو حتى بعض الكوادر. ومن هؤلاء من تم حجزهم لأيام. إن كل عمل من هذا النوع هو عدوان على حرية الآخر، و عنف يعاقب عليه القانون. ولكن 4 فقط من الضحايا تجرؤوا على تقديم شكاوى للقضاء، وأما الآخرون، فلم يفعلوا باسم التهدئة، بل إن الوزيرة المختصة جاءت لأحد المشاريع الصناعية بعد أن أطلق النقابيون سراح رب عمل حجزوه عدة أيام، ولكنها، بدل تحية الضحية والتعبير عن التضامن معه، حيت النقابيين لإطلاقهم سراحه! وقد كتبت صحيفة بريطانية عام 2009 : quot; إن نوم العامل جنبا لجنب مع رب العمل قد اتخذ فجأة منحى جديدا عند جيراننا!quot;إن الحركة الاحتجاجية الراهنة ليست جديدة، فقد سبقتها حركات مماثلة حتى في عهد ميتران، ثم في عهد رئاسة شيراك. ولكن حركة اليوم تتخذ بعدا آخر لكونها تنفجر وسط أزمة اقتصادية ومالية دولية تشمل فرنسا أيضا، وإن خسارة مليارات جديدة تهدد الاقتصاد الفرنسي وتضعفه أمام المزاحمة الدولية، فضلا عن أن استمرار حركات الإضراب والعنف لا تشجع المستثمرين الأجانب. ويجب أن نضيف، أن الحركة اندلعت وفرنسا كانت تتخذ تدابير أمنية صارمة جدا وقاية من مخاطر الإرهاب القاعدي، فإذا فأجهزة الشرطة اليوم معبأة بسبب الإضرابات والمظاهرات وأعمال العنف، مما قد يربك الخطط الأمنية. صحيح، أن هناك شعورا شعبيا عاما بالمرارة لقسوة الوضع الاقتصادي وعواقب الأزمة المالية وارتفاع الأسعار، ونسبة البطالة. ولكن العلاج ليس بالمزيد من إيذاء هذا الاقتصاد نفسه لهدف غير مبرر كالتشبث بسن الستين للتقاعد. ومع أن عناك تضاربا في تعداد المضربين والمتظاهرين، فإن الاستطلاعات المحايدة تبرهن على أن النقابات العمالية والطلابية تضرب العدد في اثنين أو حتى في 3. وتذكر صحيفة quot; دايركتquot; في 19 أكتوبر الجاري أن أرقام بعض محطات التلفزيون والمواقع الالكترونية الفرنسية هي أقل حتى من أرقام البوليس، المتهمة عند قادة النقابات. وتضرب الصحيفة أمثلة عملية على تضخيم النقابات للأعداد- [ ملاحظة: وسائل الإعلام العربية لا تنقل غير أرقام النقابات!!!]. ومهما يكن، فإنهم يبقون أقلية بين مجموع السكان، والأهم أن البرلمان ومجلس الشيوخ قد اعتمدا الإصلاح مع بعض التعديلات التي لا تمس السن. والمرجح اعتماد المشروع نهائيا بعد يومين أو ثلاثة. وفرنسا دولة ديمقراطية برلمانية، لا دولة دكتاتورية، وكل من البرلمان ومجلس الشيوخ قد كرس ساعات طويلة جدا لمناقشة المشروع، وحاول اليسار عرقلته بتقديم المئات من التعديلات. فإذا أقر الإصلاح نهائيا، فإن ذلك سيكون القول الفصل. ففي دولة ديمقراطية عريقة كفرنسا يجب أن تكون القرارات للمؤسسات الديمقراطية المنتخبة من الشعب كله، التشريعية والتنفيذية، وليس للشارع، كما يريد الاشتراكيون وحلفاؤهم. وليس صحيحا أن الحكومة هي المتصلبة، وأنها لم تشاور النقابات وتفاوضها، فقد تمت المشاورات منذ أبريل المنصرم، وظهر المتفاوضون أمام شاشات التلفزيون. ولكن النقابات تريد أن تنتهي المفاوضات بالعدول عن جوهر الإصلاح وليس بمجرد إدخال بعض التعديلات عليه، كما حدث فعلا بالنسبة لعمال المهن الشاقة أو حالات الأمهات من ذوات ثلاثة أطفال وأكثر. وكما سبق أن كتبنا، فالحركة النقابية في فرنسا لم تتمرس على سياسة الأخذ والعطاء مثلما الحال في الدول الغربية الأخرى، ورغم أن نسبة العمال المنتسبين للنقابات هنا هي أدنى بكثير من نسبتها في العديد من الدول الغربية الأخرى.إن إصلاح نظام التقاعد سوف يلقى، مع الزمن، استحسانا عاما، وحتى لو جاء الاشتراكيون للسلطة عام 2012، فلا نعتقد أنهم سوف يعيدون فيه النظر، كما لم يعيدوا النظر في إصلاحات قام بها خصومهم الديجوليون حين كانوا هم في المعارضة، ولكنهم لم يعيدوا فيها النظر عندما وصلوا الحكم. وقد قال أحد المسئولين الفرنسيين إن الإصلاح هو لصالح الجميع، وإن نجاحه، بإقراره نهائيا، لا يعني وجود غالب ومغلوب، لأن الصالح العام هو الذي يربح.