قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

nbsp;nbsp;يبدو ان العراقيين لم يعد يسألون عن استحقاقات العراق التاريخية، والتي كانت ملزمة اصلا باعادة اعمار العراق بعد الحرب القاسية التي سحقته منذ العام 1991 حتى 2003 ووصولا الى 2010. نعم، لم يعد يسألون عن استحقاقاتهم ومصائر بلدهم، اذ شغلتهم امور اخرى كالسلطة والقوة والامن والثروة والاحزاب والانتخابات والعملية السياسية بين من اسموهم بـ (المكوّنات العراقية).. هنا مقالي لا يهتم بالشأن السياسي بقدر ما يتساءل عن الدور الوطني! فالمسألة وطنية وليست سياسية بالضرورة، وهي لا يختص بها نفر من السياسيين الجدد او غير الجدد، بل يعتني بها كل مواطن يشعر ان بلده قد سحق ونهب ودّمر منذ سنوات، ولم يجازى باعادة اعماره، او منحه استحقاقاته التي وعد بها.. انها مسألة ليست ابنة الحاضر حسب، بل انها قضية مستقبلية اساسا، وستطالبنا الاجيال المقبلة بالوقوف صامتين ازائها منذ ان وجدنا وطننا محتلا.. أي بمعنى: انها مسألة تاريخية تهم ابناء الحاضر بقدر معين، ولكنها تهمّ ابناء المستقبل بقدر اكبر بكثير مما نتصّور!
ان الجهل بتواريخ العلاقات الدولية، يجعل اغلب المسؤولين العراقيين يتخبطون، ولا يعرفون من اين تمسك خيوط القضية، وكيف ندافع عن حقوقنا المهدورة، بل وكيف نطالب بما وعد بتحقيقه لنا! ان معاهدة امنية بين طرفين لا يمكن ان تنفع ابدا، بقدر ما ينفع أي مشروع يقود الى انتشال العراق من مشكلاته الصعبة، وتطوير بنيوياته التحتية، والاعتناء ببنيته الفوقية وارجاع الالاف المؤلفة من ذوي الاختصاص.. ليبدأوا ما تبقى من رحلتهم في الحياة على ترابهم.. ولكن؟
ما الذي لاحظناه؟ ثمة جنون بالتوقيع على معاهدة امنية من دون قيد او شرط، كونه مقتنع بان أمريكا ستبقى الاب الرحيم، او الام الرؤوم للعراق (كذا)، وانه سيكسب مصالح إقليمية أو فئوية او جزئية على حساب المصالح الوطنية العليا، وقسم آخر يتخبط بين القبول والرفض، ولا يدري ما الذي يمكنه ان يحكم عليه، فهو مشّبع بقيم ومبادئ معينة ولا يريد ان يفّرط بها من ناحية، وهو يرى واقعا متفسخا اليوم يقوم على الارض يتعامل معه يوميا من ناحية اخرى، وقسم أخير يرفض رفضا قاطعا اي اتفاقية مهما كان نوعها مع الامريكيين كونهم محتلين للبلاد التي دمروها وسمحوا ببرود اعصاب لمن يعيث فيها فسادا.. ويعترف الامريكيون بأنهم جاءوا من اجل المصالح المركزية الامريكية ووسائلهم في ذلك: الخلاص من اسلحة الدمار الشامل التي بدت كذبة كبيرة لا اساس لها من الصحة، وايضا القضاء على الارهاب الذي فتحت له الحدود واستقبل كي يكون العراق ميادين دموية شنعاء لتصفية لظاهرة خطيرة كان لاميركا ضلع كبير في صنعها، وايضا بحجة نشر الديمقراطية التي اختير العراق ليكون دائرة صراع من اجلها، من دون التحّرك لتسويق الديمقراطية في بلدان عربية اخرى.
ان العالم كله لا يعرف حتى الان الاسباب الحقيقية لغزو العراق عام 2003.. ويجهل كل الخفايا حتى اليوم، وسيبقى يجهل ما تتضمنه الاستراتيجية الامريكية لخمسين سنة قادمة.. انني اقول كمؤرخ يحترف كتابة التاريخ وتدريسه منذ ثلاثين سنة، وبكل وعي وادراك، ان كل الدول المهزومة توقّع على اتفاقيات بعد ان يصار الى هدنة.. كما ان العالم كله بات يتعامل مع الامريكيين من خلال اتفاقيات،ولكن تلك quot; الاتفاقيات quot; لا تمس لا بالسيادة ولا باستقلالية القرار ولا بالمصادر والثروات، بل ولا علاقة لها بالمصالح العليا لكل بلد.. ولكن العراق اليوم وسط غابة تعج بالمفترسين في الشرق الأوسط بحاجة ماسة الى ان يتفاهم مع الامريكيين على مبادئ اساسية. اولها اعلان مبادئ وطنية تقبل بها الولايات المتحدة وتنص على وحدة العراق وسيادته واستقلاله وقوته والحفاظ على ثرواته.. كما لا يمكن لأي عراقي له قدر من الوطنية ان يقبل اية اتفاقات من دون قيام الولايات المتحدة باعمار ما قامت بسحقه في العراق بدءا بالعام 1991 وانتقالا الى العام 1998 ووصولا الى العام 2003 وانتهاء حتى يومنا هذا.
على كل العالم اطفاء ديون العراقيين.. وان نشترط ايقاف ما يسمى بالتعويضات للدول الاخرى.. وان تقف الولايات المتحدة معنا في مقاضاة دول نالت من حقوق العراقيين واموالهم وطائراتهم وثرواتهم ومياههم وحرياتهم في التنقل والسفر وغيرها من الحقوق الانسانية.. ان نطالب الولايات المتحدة بتعويض العراق لكل ما قامت بسحقه من طائرات وادوات حرب ودبابات وسفن وعجلات.. وقبل هذا وذاك من يعّوض ارواح الالاف المؤلفة من العراقيين الذين راحوا وقودا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل! ان العراق ينبغي ان يطالب بكل مفقوداته النفطية على امتداد زمن طويل، وان يطالب بالتعويضات عن شعب برئ حوصر لسنوات طوال.. على العراقيين ان يكونوا اكثر جرأة وشجاعة بالمطالبة بحقوقهم الوطنية.. فهل هم مستعدون لذلك؟ هل هناك ارادة وطنية واحدة كي نتفاوض لنأخذ ثم نطالب، وضمن اجندة مصالح عراقية تضمن مستقبل كل من دولتنا ومجتمعنا.. ام ان العكس هو الحاصل اليوم؟
واخيرا، كيف تريدني قبول الامر الواقع وقد جعلوا حالتنا العراقية تختلف عن حالات دول مهزومة اخرى خرجت من حروب مؤلمة ونالت استحقاقاتها بمشروعات شهيرة.. ونال المواطنون فيها حقوقهم، وخصوصا في القرن العشرين؟ هل تمكّن القادة العراقيون الذين حكموا العراق ان يكونوا امثلة وطنية حية من العمل المضني للمطالبة باستحقاقاته؟ اذا ضمن وأمّن كل العالم لي حقوقي الوطنية والانسانية في مشروع حضاري متقدم اسوة بالامم المغلوبة المنطلقة بعيد الحرب العالمية الثانية، فان كل عراقي سينام مرتاحا، وقد أمّن على ماله وعرضه ومستقبل اولاده. ولكن عندما يجد نفسه ازاء عملية سياسية شائكة، وتكثر اجندات المتدخلين والطارئين عليها، وان لا يجد دستورا مدنيا يحقق له كل حقوقه وواجباته، ويصبح ويا للاسف الشديد طعما لكل الامراض السياسية والاوبئة الفكرية والاجتماعية، وان تحل معاهدة جائرة لا تؤمن مستقبل وطن وامن واعمار، فسوف يرفض ذلك، وستفتح ابواب الجحيم لا سمح الله. ان العراقيين اليوم يبذلون كل ما وسعهم من اجل ان يحيوا حياة كريمة وآمنة، وان يعود كل المهاجرين والفارين الى بيوتهم بعد معاناتهم التي لا توصف قصصها البشعة، وان يجدوا عند عودتهم فرص عمل لابنائهم.. عند ذلك سنصفّق طويلا.. ان العراقيين لم يعد تهمهم الايديولوجيات والزعامات والشعارات، بقدر ما تهمهم وحدة وطنهم، ورفاه شعبهم، واستقرار بلادهم، وبناء دولتهم، وتآلف مجتمعهم، ونزاهة رجالهم ونسوتهم.. فهل يتعلم العراقيون كيف يناضلون من اجل مستقبلهم.. ام ستبقى الاجندة المتخلفة البائسة من هنا او هناك تتحكم بهم وبمصيرهم القادم؟

www.sayyaraljamil.com

nbsp;

nbsp;