قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مصر المحروسة من قبل الحزب الوطني الديموقراطي، الذي هو الوريث الأحدث لنظام مغامري يوليو 1952، صارت الآن كما لو جثة تسرح وتمرح فيها الديدان، وتنهش فيها الغربان والضباع، الديدان تعيث فساداً في الداخل، والغربان والضباع منظمات إرهابية على حدودنا، وأذرعها وأذيالها ممتدة عبر ذلك التنظيم اللعين المتمكن من الجسد المصري.. ليس ما نقول من قبيل استعراض بلاغة التشبيهات والاستعارات في لغتنا التي نتصورها جميلة، ولكن محاولة لقرع أجراس خطر ربما قد فات أوانها بالفعل، وقد تمكن فيروس الفاشية من الفتك بالشعب المصري، بعد أن تم حقنه به طوال الستة عقود الماضية.
كانت الجريمة الكبرى التي ارتكبها عبد الناصر في حق الشعب المصري والإنسانية.. في حق ثقافة وسيكولوجية الإنسان المصري الطيب والمسالم بطبعه، هو تحويله لتوجهات وخلافات دولة مع دول أخرى، إلى عداوات للشعب المصري تجاه شعوب تلك الدول.. هذه هي الجريمة الأولى والخطيرة، والتي أقدم عليها أولاً بوحي من التكوين النفسي والفكري للعصابة التي اجتمعت حوله، والتي انتمى بعض أفرادها إلى جماعة الإخوان المسلمين فاشية وعنصرية الفكر، وانتمى البعض كخليفته السادات إلى النازية، والبعض إلى الأيديولوجية الشيوعية المؤسسة على قاعدة العداء للآخر، بوصفه عدواً للشعب وطبقته العاملة.. هو إذن خليط من الفاشيات المحلية والعالمية، اجتمعت وتجسدت في مجموعة من الشباب المتهوس بطموح في السلطة والثروة، وقد تمكنوا من القفز على ظهر شعب مستكين وخنوع!!
ليس موضوعنا هنا إذن التوجهات الحمقاء للدولة المصرية خلال نصف القرن المنصرم ضد القوى العالمية، والتي أدت بمصر إلى السقوط من ركب التطور والتحضر، وتحطم قاطرة ما سمي ثورة بهزيمة 1967 الوبيلة، فسياسات الدول وصداقاتها وعداواتها تتغير وتتبدل بالسهولة التي يبدل بها الإنسان ملابسه.. الخطير هو أن النظام اليولوي الانقلابي، في معرض محاولته الحصول على شعبية وجماهيرية تعوض افتقاده للشرعية، أخذ في حقن الجماهير بالكراهية للشعوب، وليس للإدارات السياسية للدول التي ناصبها النظام العداء.. فلقد تحاربت الدول الأوروبية خلال النصف الأول من القرن العشرين في حربين عالميتين، ومع ذلك استطاعت تلك الشعوب أن تتحد فيما نعرفه الآن بالاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة، حدث ذلك وبسهولة مطلقة، لأن الحلفاء خلال الحربين لم يشحنوا شعوبهم بالعداء للشعب الألماني والإيطالي، وإنما فقط العداء لقيادات وسياسات هذه الدول النازية والفاشية.. لم تكره الشعوب إذن بعضها البعض، لذا كان من السهل عليها بعد سقوط المغامرين أن تتكاتف جميعاً لإعادة بنيان ما تهدم من حضارتها.
أما في مصر، ونتيجة لخليط الفاشيات الدينية والعنصرية والإيديولوجية، التي تحكمت في توجهات عصابة يوليو، فلقد تم حقن الشعب المصري بالعداء للشعوب التي وصف الخطاب الناصري حكوماتها بالإمبريالية، وبالعداء لليهود الذين تم وصف دولتهم بالصهيونية، كما لم ينج الشعب المصري ذاته من تحريضات الكراهية بين مكوناته، حين أراد المغامرون انتهاب الثروات المصرية واستباحتها، فوصم أصحابها بالرجعية الإقطاع والرأسمالية المستغلة، فكان أصحاب الأراضي وملاك العمارات السكنية في مقدمة أعداء الشعب.. هكذا ارتبط نمو الشعور الوطني لدى الجماهير فيما سمي بعهد الثورة، بتفشي الكراهية في عقول وقلوب الجماهير، وتدفقها في كل الاتجاهات، فكان الأكثر وطنية هو الأكثر عداء لليهود والانجليز والفرنسيين، قبل أن يحتل الشعب الأمريكي صدارة كراهيتنا.. وهكذا تم إخراج أو طرد اليهود والأجانب من مختلف الجنسيات من مصر، تحت دعوة التمصير وغيرها من دعاوى عنصرية.. أيضاً في ذلك الزمن المبكر من مسيرة التدمير الناصرية، سمعنا بقيادة كمال الدين حسين أحد أعمدة الانقلاب هتافاً جديداً غير مسبوق يقول: quot;إلى الحبشة يا أقباطquot;!!
قلنا ولن نمل من تكرار قول أنك إذا نشأت أولادك على كراهية جارك واستخدام كل ما يملكون من إمكانيات العنف معه، فلا تتعجب إذا دخلت بيتك يوماً فوجدت أولادك قد حولوه إلى ساحة صراع دموي فيما بينهم، ورأيت أحدهم طريح الأرض، والآخر ينزف دماء.. فالكراهية والعنصرية تتفشى وتتمدد، ولا يمكن لك عندها محاصرتها في اتجاه واحد تختاره!!
هكذا وبرعاية نظام حكم لا يهتم إلا بحماية الجالسين على الكراسي، ويسعده أن تتطاحن مكونات شعبه مع بعضها البعض، وأن تتفرغ للعداء لشياطين عالمية صنعها النظام لهم، كشياطين الصهيونية والإمبريالية وما شابه من خرافات وتخريفات، تتضاءل بجانبها حكايات quot;أُمِّنا الغولةquot; التي نشأتنا عليها جدتي.. كان من المتوقع أن نشهد بمصر العجب العجاب من الفاشية وأحوالها:
- القتل المتبادل بين الفرق المتأسلمة في باكستان وأفغانستان وحتى في الصومال المهلهلة، تقوم به عصابات إرهابية، أما في مصر، فإن الجماهير العادية تخرج بعد صلاة الجمعة في قرى مصر ونجوعها، لتقتل أقباطاً وتهدم كنائس وتحرق بيوت ومتاجر مواطنيهم الأقباط المسالمين، ويتم هذا والجماهير تهتف quot;الله أكبرquot;.
- نعرف الشغب في مباريات كرة القدم بين مشجعي الفرق المتنافسة، ويحدث هذا في أرقى دول العالم، لكن في مصر المحروسة تحولت المنافسة الرياضية في كأس العالم بين مصر والجزائر إلى حرب بين الشعبين، وقام الإعلام المصري بقيادة الجماهير في حملة كراهية شعبية غير مسبوقة في العالم أجمع، اللهم إلا حالة القتال في القرن الماضي، بين السلفادور والهندوراس إثر مباراة لكرة القدم.. بالطبع لم يترك نجلي السيد الرئيس هذه الموجة الديماجوجية تمر، دون تسلق ظهرها، لتزداد النار اشتعالاً، وتزداد شعبية المرشح أحدهما لوراثة عرش مصر الجمهوملكانية!!
- مع تفاقم هوس الفاشية الدينية وتغلغلها في شرايين المجتمع المصري، فتم تديين الأرض والماء والهواء، صار الفريق الوطني لكرة القدم هو فريق الساجدين، الذين ينتصرون بالتقوى وبالدعاء الذي طالبت وسائل الإعلام الشعب المصري بمداومته قبل المباراة وأثنائها، وليس بإجادة فنون كرة القدم وبذل العرق على أرض الملعب، وصار تنافسه مع فرق الأمم الأخرى ليس مباراة في المهارات الرياضية، إنما هو صراع بين الأتقياء الساجدين، وبين الكفار والعياذ بالله، فصار انتصار فريق الساجدين مدعاة لرفع المصاحف.. لكن هل تتوقف الفاشية في سريانها عند هذا الحد؟.. أبداً، فما دامت مباريات الكرة تحولت إلى مباريات تقوى دينية، فلابد وأن يمتد الخط الذي بدأه الكابتن حسن شحاتة المدير الفني للفريق الوطني على استقامته، لتتحول مباريات الدوري المصري أيضاً إلى مباريات بين فاشيات تتصارع، وليست فرقاً تتنافس بشرف في مجال رياضي.. هكذا كان ما رفعته جماهير الأهلي من رايات في مباراة الكأس الأخيرة مع الزمالك، واتهمت فيه الزمالك وجماهيرة بأنهم انجليز، ووضعوا رمز الصليب على علم الزمالك، في تعريض مبتذل بأخوة الوطن من الأقباط!!
- هل لنا أن نتعجب والحالة هذه، من تغلغل للروح الفاشية المدمرة، إذا كان جراح قلب ووزير سابق، ورئيس دائم لنقابة الأطباء، لا يكل ولا يمل من المناداة بعدم التبرع لنقل الأعضاء بين المسلمين والمسيحيين من أبناء الوطن الوطن الواحد؟.. هل حالة هذا الرجل تعتبر غريبة أو مدعاة للدهشة، في بيئة مثل البيئة المصرية، أم أن هذا هو الطبيعي والمتوقع؟!!
مسرحية الفاشية المصرية مازالت مستمرة، بل وربما مازلنا في بدايتها، وربما ما خفي وسيأتي به المستقبل سيكون أشد وبالاً، أو ربما كما يقول المثل الشعبي: quot;... جاي وراquot;!!
مصر- الإسكندرية
[email protected]