قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كتبت الكاتبة الأمريكية مرجريت ميتشل روايتها الرائعة quot;ذهب مع الريحquot; وتم تمثيلها فيلما يحمل نفس العنوان وكان من أعظم ما أنتجته السينما حتى اليوم، وفى الرواية كانت هناك شخصية محورية هى شخصية quot;ريت بتلرquot; لعب دوره فى الفيلم الممثل كلارك جيبل وهو أعظم أدواره على الإطلاق، وهو دور تاجر أمريكى جنوبى يكره الحرب وتنبأ بهزيمة الجنوب (الكونفدرالية) فى الحرب الأهلية الأمريكية فى ستينييات القرن التاسع عشر وتدور أحداث الرواية حول مدينة أطلانتا والتى مثل سقوطها فى أيدى الشماليين (اليانكيين) نهاية الحرب. وفى حفل جمع تبرعات لصالح (الكونفدرالية) بالقرب من أطلانتا، دار بينه وبين أحد المدعويين الجنوبيين الحوار التالى:
- هل تقول ياسيدى أن القضية التى يموت من أجلها أبطالنا ليست مقدسة؟
أجاب ريت بتلر بصوت ملول وكسول: quot;كل الحروب مقدسة بالنسبة إلى أولئك الذين عليهم أن يحاربوا فيها. إذا لم يتظاهر الناس الذين بدأوا الحروب بأنها مقدسة، فمن هذا الأبله الذى سيحارب إن لم يكن من أجل الحرب المقدسة؟!!quot;
وأعتقد أن هذا المقطع من الرواية هو من أروع أجزائها، وبالطبع تمت هزيمة الجنوب حسب توقعات (ريت بتلر) بعد أن كان يتهم بالخيانة عندما كان يعارض الحرب قبل بدايتها، ولكنه من الغريب أنه قرر الإنضمام للجيش الكونفدرالى بعد أن تحقق من الهزيمة لكى يساعد الجنود المهزومين والمنسحبين الجنوبيين من جبهة القتال.
...
وعندما كنت مجندا فى الجيش المصرى كنا نهتف كل صباح أثناء فترة التدريب هتافا حماسيا بالولاء لمصر وفى نهايته كنا نقول أن هدفنا هو:quot; النصر أو الشهادةquot; . فبعد تقديس الحروب لا بد من تقديس الموت فى سبيل الحرب المقدسة، فالجندى المصرى الذى يفقد حياته فى الحرب شهيد وعدوه الجندى الإسرائيلى الذى يموت فى نفس الحرب يعتبر أيضا شهيدا فى نظر أهله ومجتمعه، فكما ترون: أنت تذهب إلى الحرب المقدسة والتى يقدسها كل المجتمع والدولة، وإذا فقدت حياتك فأنت أيضا تصبح مقدسا وتصبح شهيدا وهل هناك تقديسا ومنزلة أرفع من منزلة الشهيد؟؟ ففى تلك الحالة يصبح فقد الحياة محل ترحيب كبير من معظم الجنود الذين يلقى بهم فى أتون الحرب، ولم لا فالهدف مقدس والنهاية مقدسة.
أما الحياة نفسها وهى أسمى الأهداف حقيقة تصبح رخيصة لا تساوى جناح بعوضة، فكيف تقارن بين الشهادة والقدسية والحياة الزائفة، وتلك هى اللعبة الكبرى عبر التاريخ فالحرب مقدسة والأرض مقدسة وسماؤنا مقدسة، quot;ولا نفرط فى أى شبر من أرضنا حتى لو راح ضحيته الملايينquot;، ولكن الحياة نفسها وهى الغاية التى من أجلها خلقنا الله فتصبح quot;طظquot; أمام القداسة، ورغم أن الله خلقنا لإعمار الأرض، فإن تدمير الأرض وما عليها وقتل الإنسان quot;الآخرquot; يصبح أكثر قداسة من تلك الحياة ومن إعمار الأرض.
والآن وقد أصبحت الحرب مقدسة فلا بد من أن نوجد عدوا لأننا لا نستطيع أن نحارب أنفسنا تلك الحرب المقدسة (اللهم إن لم نجد عدوا نحاربه ndash; وهذا بالطبع يحدث أيضا طوال الوقت)، ولكى يوجد هذا العدو لا بد من نشر ثقافة الكراهية وثقافة العداء، وبعدها لن نعدم إختلاق الأسباب لقيام الحروب المقدسة، فيمكنك أن تحارب على أرض أو عرض أو دين أو الحرية وكلها كما ترون مقدسات. وحتى أقذر الحروب على الإطلاق وهى الحروب الأهلية تصبح بقدرة قادر أيضا حربا مقدسة رغم أنها حرب بين أبناء الشعب الواحد أو الوطن الواحد.
...
وبمناسبة الحديث عن الحرب تعالوا نتكلم عن السلام وأعرفكم على من فاز هذا العام بجائزة نوبل للسلام وهو ناشط صينى مسجون، وقد تكلم عن سياسة العداء وعن نشر الكراهية وكيف يمكن التحكم فيهما:
وهو المنشق الصينى السجين (ليو شياباو) والفائز بجائزة نوبل للسلام لعام 2010 ومن يريد أن يقرأ خطاب تسلم الجائزة (والذى قرأ نيابة عنه)، فعليه أن يضغط على الرابط التالى:
http://nobelprize.org/nobel_prizes/peace/laureates/2010/xiaobo-lecture.html
وما لفت نظرى فى الخطاب هو تلك الفقرة والتى سأحاول ترجمتها (ليس من الصينية بالطبع، وإن بدا لى أننى سأعلم بناتى اللغة الصينية!!)
Hatred can rot away at a person's intelligence and conscience. Enemy mentality will poison the spirit of a nation, incite cruel mortal struggles, destroy a society's tolerance and humanity, and hinder a nation's progress toward freedom and democracy. That is why I hope to be able to transcend my personal experiences as i look upon our nation's development and social change, to counter the regime's hostility with utmost goodwill, and to dispel hatred with love

quot;الكراهية تستطيع أن تفسد ذكاء أو ضمير شخص ما، ولكن عقلية (العداء) سوف تسمم روح أى أمة، وتحرض على القتال المميت والقاسى، وتدمر سماحة المجتمع وإنسانيته، وتعطل من تقدم الأمة تجاه الحرية والديموقراطية، ولهذا فأنا آمل أن أكون قادرا على أن أتجاوز تجربتى الشخصية حين أنظرإلى تطور أمتى والتغيير الإجتماعى لكى نوازن العداء بالنوايا والحسنة ونزيل الكراهية بالحبquot;.
...
الحقيقة أن الخطبة رائعة وقد إستمعت إليها كاملة أثناء حفل نوبل فى 10 ديسمبر الماضى، وأنصح الجميع بقراءتها.
فكما ترون هو يحاول أن ينسى كراهيته لنظام الحكم الصينى (نتيجة إبداء أراء لم يوافق عليها النظام)، وهو يحاول أن ينظر إلى الجانب الإيجابى من التطور المادى والإجتماعي للصين وذلك حتى يزيل الكراهية بالحب كما قال.
.. وهكذا بإجتماع قدسية الحرب وبتصاعد ثقافة الكراهية والعداء فى أى مجتمع وبقدسية الموت والشهادة، يجئ كل هذا على حساب الحياة والخير والحب، ويصبح لا صوت يعلو فوق صوت المعركة المقدسة!!
وبالطبع المستفيدون من الحروب المقدسة لا يحاربون ولا يرسلون أولادهم لتلك الحروب رغم قدسيتها ولكنهم يرسلون فى معظم الأحيان أولاد الناس الغلابة!
...
وبمناسبة الحرب المقدسة أحكى لكم يمكن أول نكتة سمعتها فى حياتى:
أثناء العدوان الثلاثى على مصر فى حرب 1956 كان هناك فى بورسعيد شخص متحمس لا يحارب ولا يحمل أى سلاح يدور فى أنحاء البلد ينادى بأعلى صوته:
-موتوا فى سبيل الوطن .. موتوا فى سبيل مصر ... موتوا فى سبيل الله
فإقترب منه شخص وسأله: الأخ بيشتغل إيه؟
- حانوتي!!

[email protected]