من المؤسف عند الحديث حول الشأن السياسي في العراق.. لامفر من إستعمال لغة طائفية وقومية لتوصيف الواقع المأساوي الراهن، فالكلام عن العراق الموحد والمواطنة والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرصة... يبدو أشبه بالأحلام والخيال السياسي في هذا البلد الذي خربه أبناؤه بأيديهم!

الإنسحاب الأميركي هو مؤشر على إدراك الإدارة الأميركية عدم أهمية العراق الإستراتيجية، وعملية رفع الغطاء السياسي والعسكري الأميركي عن العراق.. لابد ان ينتج عنها أضرارا باهضة على مستقبل العراق، وتأثيرات متفاوتة على كل من: الشيعة والسنة والكورد، وسنحاول مزج التحليل بالتوقع بشأن كل طرف:

الشيعة:

حسب الظاهر يبدو شيعة العراق أكثر الأطراف لديهم مستقبل واعد ومبشر بالخير في حالة إنفصالهم وإنشاء دولتهم، أو حتى إقليمهم - بفضل الثروات النفطية الهائلة في مدن: البصرة والعمارة والحقول غير المستغلة في بقية مدنهم، والزراعة والمعادن، والسياحة الدينية، وكذلك لديهم ميناء بحري في البصرة، وميليشيات عسكرية، وأجهزة أمنية، وتربطهم علاقة تحالف بإيران.

لكن هذه الصورة الجميلة البراقة للشيعة.. ستكون سببا لمأساتهم القادمة، فالمؤشرات المستقبلية تؤكد تصميم المجتمع الدولي على عزل وإضعاف إيران، وربما توجيه ضربة قاضية لها ستفككها الى دويلات قومية وطائفية، ومن الناحية السياسية شيعة العراق ليس لديهم حليف من دول الجوار غير إيران، وبإضعافها أو ضربها سينهار كيان الشيعة السياسي، وسيشعرون بالخوف والذعر من خصومهم السنة في الداخل، ومن دول المنطقة الرافضة لصعودهم السياسي، وستتحرك شهية السنة للإنتقام منهم ومحاولة السيطرة على ثروات نفط البصرة والعمارة، وربما ستنشب معارك طائفية دامية بين الشيعة والسنة بمساعدة الدول العربية الرافضة للنفوذ الإيراني في العراق، وسيشارك مع السنة بعض الشيعة من ذوي التوجهات البعثية وايضا المتضررين من الأحزاب الشيعية وسيكونون هؤلاء غطاءا للحرب، وإحتمالات هزيمة الأحزاب الشيعة في تلك المعركة كبيرة جدا، واستحواذ السنة على عموم العراق العربي - ماعدا إقليم كوردستان - بمساعدة قسم من الشيعة الذين سيكونون دمى لتمرير مخطط الهيمنة على المدن والثروات الشيعية!

وبتفريط الشيعة بفرصة إقامة علاقة تحالف مع أميركا.. أثبتوا انهم مازال يعانون من المشكلة المزمنة المتمثلة في غياب الرؤية السياسية السليمة التي تؤمن لهم تحقيق مصالحهم، فقد طعنوا أميركا وخانوها وإرتموا في أحضان إيران وسلموها كل شيء، وسيدفعون الثمن لاحقا وستتكرر عذاباتهم مرة أخرى!

الكورد:

إسراع الساسة الكورد لزيارة إيران وتركيا، وتقديم تعهدات علنية وسرية بمنع نشاطات كورد تركيا وإيران، وخرق الثوابت المبدئية القومية في النضال من اجل حق تقرير المصير وإستقلال الأمة الكوردية.. يعد تنازلا كبيرا نتج عن الإنسحاب الأميركي من العراق، وشعور الكورد بالضعف أمام دول الجوار، ومؤكد سيشعرون بالضعف داخليا أمام الشيعة والسنة.

منذ البدء كان الإداء السياسي للكورد - وخصوصا بعد سقوط نظام صدام - كان هذا الإداء إمتدادا للعقلية الميليشياوية و ليس له علاقة بالسياسة ومرونتها وتفريقها بين الوسائل والغايات و التكتيك والإستراتيجية، فقد إندفع الكورد بعقلية الميليشياوي وحاولوا إستغلال ضعف الدولة العراقية وإنهيار الحياة السياسية، ومارسوا الإبتزاز الذي إستفز مشاعر العراقيين وأدى الى تدهور العلاقة معهم وخصوصا مع حلفائهم الشيعة، وتوهم العقل الميليشياوي ان الحماية الأميركية ستكون دائمية للكورد، بينما أبسط مباديء طبيعة العلاقات الدولية تقول: لاتوجد علاقة ثابتة، وكل العلاقات تقوم على أساس المصالح وموازين القوى.

لايريد الكورد الإقتناع ان ليس لديهم مايثير شهية مصالح أميركا حتى تستمر في حمايتها لهم مثلما تفعل مع دول المنطقة الحليفة، فإقليم كوردستان لايشكل عنصر جذب على الصعيد الإقتصادي والعسكري لأميركا، والنفط يمكنها الحصول عليه بسهولة من دول الخليج وغيرها وبطرق نقل أسهل، وتوجد لديها قواعد عسكرية كافية في المنطقة، وبالتالي لاتوجد أهمية إستراتيجية لإقليم كوردستان، ومن الطبيعي ان تتخلى أميركا عن حمايته.

وقد كان إهتمام أميركا بإقليم كوردستان، وإيجاد منطقة الحضر الجوي له.. جزء من عملية الضغط على نظام صدام، لكن الساسة الكورد توهموا ان تحالفهم مع الولايات المتحدة الأميركية أبديا، ونسوا انهم من منظور التكتيك والإستراتيجيا كانوا مجرد أداة لإسقاط نظام صدام الإجرامي، والآن إنتهى دورهم وعليهم ان يواجهوا مصيرهم وحدهم مع الشيعة والسنة، ودول الجوار.

على صعيد التحالفات.. لدى شيعة العراق حليف هو إيران يوفر الدعم لهم لغاية ماستسفر عنه نوايا المجتمع الدولي في كيفية التعامل مع إيران، ولدى السنة حلفائهم من الدول العربية، وحدهم الكورد ليس لديهم حلفاء حاليا بعد الإنسحاب الأميركي وتغيير موازين القوى.

تجاهل العامل الجغرافي من قبل الكورد.. كان الخطأ السياسي القاتل، فهم حتى لو أرادوا الإنفصال والإستقلال بحاجة الى علاقة طيبة مع جيرانهم السنة والشيعة، ودول الجوار، لقد نسيّ الكورد ان أميركا راحلة عن العراق والعلاقات الخارجية قابلة للتبدل والتغيير، لكن الجغرافية باقية ولايمكن الرحيل عن الجيران ومن الخطأ الكبير تخريب العلاقات معهم وإستفزازهم عن طريق إبتزازهم بتحقيق مكاسب غير مشروعة، والتعامل مع الشيعة والسنة والتركمان والمسيحيين بعدوانية.

ومع شعور المجتمع الدولي بالصداع والملل من مشاكل العراق منذ الحرب مع إيران ولغاية الآن.. أصبح هذا البلد مهملا، وامام الصعود السياسي للسنة لايُستبعد نشوب حرب طاحنة معهم حول كوركوك وغيرها وحتما سيكون الطرف المنتصر السنة بفضل الدعم العربي والتركي لهم، وبفضل حنكتهم السياسية والعسكرية، فالسنة يحملون معهم أرث الدولة العراقية وخبراتها منذ تأسيسها ولحد الآن.

ولايُستبعد حصول صراعات داخلية كوردية وحروب دامية على السلطة والمال كالتي حدثت في منتصف عقد التسعينات، وبعد غياب المظلة الأميركية أصبحت كل التجربة الكوردية مهددة كلها بالخطر.

الغريب عدم وجود أصوات كوردية عقلانية تمارس عملية النقد الذاتي وتدعوا الى التصحيح، فما نسمعه من النخب المثقفة من كلام هجومي يردد معزوفة الشتائم المكررة التي تتهم كل من لايصفق للكورد وينتقد إدائهم السياسي بأنه: شوفيني قومجي بعثي، فالعقل الميليشياوي حاضر دائما حتى في النقاشات الفكرية ووسائل الاعلام!

السنة:

صحيح سيكونون الطرف الرابح من الإنسحاب الأميركي، وسقوط نظام بشار الأسد، وتبدل موازين القوى لصالهم، وربما سيعودون الى الإستيلاء على الثروات النفطية الشيعية في البصرة والعمارة... لكن السنة سيدفعون الثمن غاليا، فالإنتصارات التي سيحققونها على الشيعة والكورد لن تكون من دون تسديد فواتير مكلفة.. اذ سيفقدون إستقلال إرادتهم السياسية، وسيصبحون أداة بيد الدول الإقليمية التي ستدفعهم لشن الحروب على الشيعة والكورد والمصالح الإيرانية، وسيفتقدون الإستقرار في مدنهم وسيتحولون الى أحزاب وجماعات جاهزة لتقديم الخدمات تحت الطلب لدول المنطقة!

خلاصة هذا المزيج من التحليل والتوقعات.. هي انه بعد الإنسحاب الاميركي العراق مقبل على أيام صعبة وربما كارثية دامية، وقد أثبت جميع الساسة والأحزاب بلا إستثناء إنهم بارعون جدا للقيام بأي عمل تخريبي مدمر للبلد يؤدي الى مجازر دموية بين أبناء الشعب!


[email protected]