كل شخص وكل فعل يمت الى القسوة ألاحظه في العراق بعد 2003 اعتدت نسبته الى العهد السابق له. فأقول انه من مخلوقات صدام او هذا عالم صدام. وسيان في ذلك ان كان المقصود شخصا من اعدى أعداء صدام او مؤسسة مخصصة لما يفترض انه ازالة آثار صدام.
هذا ما قلته يوما على سبيل المثال عن احد مقرات quot; هيئة اجتثاث البعثquot;. على جدران ممرات وغرف ذلك المقر كانت هناك صور فوتوغرافية معلقة لمقابر جماعية، قتلى حروب، ضحايا تعذيب. وكان الموظفون في المقر يعملون، يتناولون الشاي والقهوة، يدخنون، ويأكلون اذا جاعوا. وكل شيء يبدو لهم طبيعيا وهم يفعلون ذلك تحت ظلال صور الرعب.
هم يظنون انهم بذلك يفضحون صدام ويدينون عالم صدام. ولكنهم في الواقع لا يفعلون شيئا غير احياء عالم صدام. فالذي يستطيع العمل والأكل والشرب في ظل تلك الصور هو من ألف تلك البشاعة وتكيف معها حتى فقد الحس الانساني الطبيعي وتوحش من دون ان يدري. انهم للأسف من مخلوقات صدام حسين دون وعي منهم ورغم مقتهم له.
وهذا امر مفهوم. ان الماضي يصنع الحاضر. الماضي لا يموت الا عندما يصبح تاريخا. وهذا يعني دورة تغيير كاملة بين ما كان واصبح تاريخا وبين ما انقطع عما كان واصبح حاضرا ومستقبلا. ومثل هذه الانعطافة لا يجود بها الزمن بمجرد سقوط سلطة ونهوض اخرى.
نقول في العراق ان عبد الكريم قاسم أرحم من خلفائه. وهذا صحيح فقط بالنسبة الى خلفائه. ولكنه ليس صحيحا تماما بالقياس الى أسلافه في العهد الملكي. وقاسم تربى وتعلم وتنفس في فضاء العهد الملكي. والى ذلك الزمن تعود رحمته. انه من مخلوقات المرحلة الملكية.
والواقع ان الرؤساء الثلاثة الذين خلفوا قاسم كانوا مثله من حيث التربي في المرحلة الملكية. أما آخرهم، صدام، فقد تربى في العراق الجمهوري، وهو من اوصل القسوة في هذا العراق الجمهوري الى درجة الكمال.
ولحسن الحظ فأنني لم أعرف quot; عراق صدامquot;، فقد هاجرت من البلد بعد شهرين من قيامه. لكن القسوة لم تكن قليلة ولا محدودة في العراق منذ تولي حزب البعث عام 1968 . لقد كان حكم البعث على الدوام فظيعا. غير ان الذي ميز رعب البعث في ظل رئاسة البكر عنه في ظل رئاسة صدام هو خروجه من طور السرية مع الاول الى العلنية مع الثاني. كانت اعمال القسوة ترتكب غالبا بين جدران المباني. صدام نقل بعضا منها الى الفضاء الطلق. كان الرجل قد فقد الحياء تماما فأرسى نظامه على قاعدة الخوف كليا.
وهكذا فانني حين غادرت العراق عام 1979 لم اكن قد شاهدت عملا سافرا من اعمال الرعب. كان البعثيون يومذاك يقودون من يعتبرونهمquot; مشبوهينquot; أمام الملأ بأدب ثم يتعاملون معهم في الأقبية بكل سوء أدب.
لكن بعد تولي صدام اصبح ذلك quot; الأدب الخارجيquot; تاريخا، وصرنا نسمع باعمال الترويع العلني، من قطع الآذان الى الشنق في الساحات. لقد تحول الترويع العلني الى منهج بعد اعتماد الحكم كليا على أمثولة الخوف.
وما لم اشاهده بأم عيني، من أعمال الترويع العلني، خلال عهدي بالعقد الأول من حكم البعث، شاهدته لسوء الحظ في quot; العراق الديمقراطيquot; قبل ان يكمل عقده الأول. كان ذلك يوم تظاهرة 25 شباط في بغداد.
كنت بين كهول عديدين ممن تشرفوا بالاستجابة لدعوة الشباب للمشاركة في تلك التظاهرة ، رغم اعتلال صحتي بانفلونزا عراقية حقا، وهذه لشدتها لا تشبه اخواتها في اي مكان اخر في العالم.
وفي نحو الرابعة عصرا غادرت تظاهرة ساحة التحرير برفقة الأديب زهير الجزائري. ومشينا مضطرين بسبب حظر تجوال المركبات نحو ثلاثة اميال حتى وصلنا الى مطعم في الكرادة. والتحق بنا المخرج والشاعر رعد مشتت. وبدأنا الأكل بشهية كان سيحسدنا عليها فعلا فاضل عباس هادي، وهو شاعر ومصور فوتغرافي لم يعرف عنه بتاتا اي مودة للطعام.
وأثناء هذه البداية الهنيئة دخل الى المطعم اربعة فنانين واعلاميين شبان هم علي السومري وهادي المهدي وحسام السراي وعلي عبد السادة. وكانوا بدورهم قد quot; حلواquot; من تظاهرة ساحة التحرير. وجلسوا الى طاولة قريبة منا وطلبوا الطعام. وبينما كنا قد انتقلنا الى متن الطعام كان الشباب مازالوا بعد في طور المقبلات.
احدهم وهو الصحفي والشاعر حسام السراي كنت قد تعرفت عليه قبل ليلة. عرفت انه من الناشطين في الدعوة للتظاهر، وفرحت به. تعرفون ان quot; الجمال ضعيفquot; في بلدنا بعد ان تناوبت عليه المحن. وكنت آمل ان تسعد التظاهرة بوجوه شابة وسيمة. فللجمال وللوسامة جاذبية. وان تظاهرة تدعو الى جعل العراق افضل تستحق وجوها افضل. وكان حسام، الى ما عرفت عنه من موهبة واخلاق، وسيما. ولذلك فرحت به. ان اربعتهم بركة ونعمة فهم شبان ولكن حسام اوسمهم.
كان الوقت نحو الخامسة والنصف عندما وقفت اربعة quot; همراتquot; في الشارع امام المطعم ونزل منها عساكر وهم يتوجهون الى المطعم. لم يكن مشهدهم مريحا. كان بالأحرى مستفزا ومخيفا الى حد ما. ولذلك لم استطع رفع نظري عنهم. كانوا نحو 10 اشخاص بكامل تجهيزاتهم الحربية. دخلوا وكانوا يقتربون من طاولة الشبان الاربعة وسط باحة المطعم المفتوحة في الفضاء الطلق. منظرهم شد عشرات المارة في شارع quot; ارخيتهquot; الرئيسي في الكرادة داخل.
احاطوا بالأربعة وانهالوا عليهم بالضرب. الشباب يقولونquot; احنا صحفيينquot; والعساكر يمعنون بضربهم واهانتهم. زهير الجزائري اوشك على الحركة او على الكلام فأمسكت به. جروهم بالقوة الى quot; الهمراتquot; ثم مضوا بهم. كم استغرق المشهد؟ دقيقة اثنتين؟ كان المشهد خاطفا لكنه من اثقل ما وقعت عليه عيناي. وقد اصيبتا بالتهاب شديد مازلت اعالجهما منه بعد سبعة ايام من الحادث. هل للحادث صلة ام صدفة؟
قبل الحادث كانت معنوياتنا طيبة للغاية. وكنا نتناقش ونحاول ان نفهم أسرار هذه الموجة التحررية الشابة في العالم العربي. وبالنسبة لي كانت تظاهرة 25 شباط يوما مشهودا في تاريخ العراق الحديث عموما وتاريخ quot; العراق الديمقراطيquot; خصوصا. وهذا المقطع الأخير من تاريخ العراق، البادىء مع الغزو الاميركي عام 2003، مازال من دون توصيف او تسمية متفق عليها. سمي quot; العراق الأميركيquot;، كما سمي quot; المحتلquot;، وquot;الديمقراطيquot; وquot; الفوضويquot;. وهي كما ترون تسميات خلافية. الثابت ان هذه المرحلة شهدت تغييرا كبيرا، من نظام شمولي الى آخر مختلف تماما، ولكنه مازال عصيا على تسمية جامعة مانعة.
ولعل افضل توصيف وقعت عليه لهذه quot; العملية السياسيةquot; العراقية هو انها quot; ديمقراطية فالتة مجهولة المصيرquot;. ويبدو لي ان تظاهرة 25 شباط احد أخطر الاختبارات التي تعرضت لها هذه الديمقراطية الفالتة. وكان الشباب الحديث غير المسيس وراء التحشيد لهذه التظاهرة، كما هو الأمر الحادث في بلدان عربية عديدة هذه الأيام. وبالمقياس الليبرالي يعتبر أمرا كهذا تطورا مدهشا نظرا لهيمنة الطائفية على المشهد السياسي. فقد قاد الشباب عبر هذه التظاهرة حركة وطنية وانسانية عابرة للطائفية. ومن الملفت ان احد شعارات التظاهرة يقول، في تلميح ساخر لهيمنة الطائفية على الطبقة السياسية، quot; ولا واحد بيهم طائفي!quot;.
ولعل هذا الوجه المهم في التظاهرة هو احد اهم اسباب استفزازها للطبقة السياسية الحاكمة او نصف او ربع الحاكمة. ومن هنا جاءت سلسلة التدابير التي ادت الى محاصرة التظاهرة او التظاهرات، اعتبارا من اتهام ثلاثي البعث والارهاب والقاعدة بتنظيمها، وصولا الى فرض حظر التجوال في بغداد خصوصا. أما وقد انطلقت وعبرت هذا الحصار فقد جعلتنا نتنفس هواء جديدا، هواء التحدي، الحرية، الامتنان للشباب والفخر بهم.
لكن ذلك الترويع العلني آلمنا وكسرنا. ان وظيفة هذا النوع من ارهاب الدولة هي البطش بكرامة الشعب، تذكيره بعجزه، وضعفه الكامل. ان المواطن يقوى بدولة قانون يحميه. وان المواطن يصبح عبدا اسيرا في دولة تملي سلطانها عليه بالترهيب. والكارثة ان الذين تولوا المهمة من الجيش. وهذا جانب آخر محزن من القصة. واما الجانب المخزي من القصة فهو ان العرب يبدون اليوم راجعين من الاستبداد بينما quot; العراق الديمقراطيquot; عائد اليه!
دام اعتقال الصحفيين الاربعة بضع ساعات تضمنت فصولا مرعبة من التعذيب. وقد رووها في مؤتمر صحفي عقدوه في اليوم التالي. انا قبلت يد احدهم. ربما اعتذارا عن عجزي. واعترف انه كامل في الحالات الوحشية.
اقبلكم مجددا ايها الشبان الرائعون يا من تمنحوننا الثقة كاملة بأن مخلوقات صدام حسين الى زوال.