غالبا ما كان الاستقلال الوطني في البلدان العربية ضربا من الانتصار على الاستعمار والهزيمة امام التخلف. كان الاستقلال اشبه بتسديد ضريبة الحاضر لضمان اسلاب الماضي. شكل حديث للحفاظ على جوهر قديم. تذهب القدم الاجنبية وتخلفها غيلان محلية. تنتهي قيود خارجية وتبدأ سجون وطنية. ننهض من كبوة ونتدحرج في هاوية. تكاد تكون هذه هي سيرة جمهوريات التحرر الوطني العربية من الجزائر غربا الى العراق شرقا.
تونس وحدها تفردت بسيرة مخالفة. فقد اهتمت بعصرنة نفسها بالقدر نفسه الذي اهتمت فيه بالاستقلال. ويعود الفضل في ذلك لشخصية الحبيب بورقيبة مؤسس الجمهورية التونسية واول رؤسائها. وهو رجل لا يوجد فيه الا القليل جدا من الشبه بنظرائه العرب. وكانتquot; علمانيتهquot; الصريحة ابرز وجوه تميزه: quot; يظن البعض ان العلمانية هي التنكر للدين. ولكنها بالنسبة الي هي ان يصبح القانون التونسي من وضع الرجال وليس من وحي الأديانquot;. هذا ما قاله في فجر الاستقلال عام 1956 .
وعلى ما يبدو فان هذه الرؤية ليست هي اعمق وجوه نظرته الى الدين و دوره في المجتمع. قال بورقيبة يوما لوزير خارجيته محمد المصمودي ان لديه مع الباري عز وجل شيئا يشبه رهان باسكال. وخلاصة هذا الرهان ان المؤمن سيكون رابحا اذا ثبت وجود الله وانه لن يكون خاسرا اذا ثبت العكس. اما رهان بورقيبة فهو انه quot; اذا كان الله موجودا فلابد ان يكون راضيا عني، واذا لم يكن موجودا فأنا راض عن نفسيquot;!
في quot;مذكرات الأملquot; كتب شارل ديغول quot; ان بورقيبة رجل عرف دائما كيف يكون في المواعيد التي ضربها له التاريخquot;. ولأن الرجل كان بطريقة او اخرى تونس نفسها فقد وصلت بلاده الى مواعيدها مع quot; الحداثةquot; في جوانب مهمة مثل: تحرر المرأة، التعليم، الاستقلال. عام 1956 وعندما لم يكن الاستقلال الوطني قد انجز، وعندما لم يكن خروج القوات الفرنسية من تونس قد اكتملnbsp; بعد، اصدر مجلة الاحوال الشخصية، التي حظرت تعدد الزوجات ومنعت الطلاق خارج المحكمة. كان ذلك بمثابة ثورة اجتماعية نلمس نتائجها الى اليوم في حجم المرأة بين القوى العاملة في البلاد. وهي مشاركة تزيد على الربع.
حدث امر مشابه لذلك في التعليم الذي عمل على توحيده وعلى عصرنته. ولسنوات طويلة خصص ثلث ميزانية البلد للتعليم، وكان هذا ومازال امرا فريدا من نوعه. وبسبب ذلك تتمتع تونس بارقى مستويات التعليم في العالم العربي.
خارج اطاره المحلي ضرب بورقيبة للعالم العربي موعدا مع التاريخ، عام 1965، في خطاب اريحا الشهير الذي دعا فيه الى قبول القرار الدولي 181 ، وهو القاضي بحل الدولتين، وكانت مساحة الأرض الفلسطينية الموجودة بعهدة الدول العربية، وهي القدس والضفة الغربية وغزة، اكبر من مساحة اسرائيل ذلك الوقت. يومها، وبدل الاستجابة الى الموعد، هاجت عليهquot; الأمةquot;، وعدوة الأمة معا: غولدا مائير قالت فيه بعد خطابه ذاكquot; انه الأكبر خطورة من جميع اعدائناquot;.
لكن بورقيبة تخلف عن الموعد الذي ضربه له التاريخ مع الديمقراطية. هذه خطيئته الكبرى. لقد تحققت لتونس في ظله شروط اجتماعية وتعليمية كافية للوصول الى الديمقراطية. بل ان شخص بورقيبة نفسه كان اهم هذه الشروط، فلو تزعم الحركة الديمقراطية وهو من هو في بلاده لنجحت بكل تأكيد. ولعل كل زائر quot; ذي نظرquot; الى تونس في اي عقد من العقود الاربعة الماضية يستشعر بطريقة او اخرى نضجها للديمقراطية.
والذي حدث ان الرجل عين نفسه عام 1975 رئيسا مدى الحياة. وقد وضع ذلكquot; نهاية رسميةquot; لمواعيد تونس مع التاريخ. والواقع ان سيرة النكوص هذه بدأت عام 1967 مع اول ذبحة قلبية اصابت بورقيبة. فمنذ ذلك الوقت اصبح quot; جوهرquot; السياسة وquot; كد quot; الساسة يتركز على موضوع الخلافة. لقد هرم رجل تونس الذي ولد مع مطلع القرن العشرين. وفقد القدرة على المبادرة ونام نومته التي لم يفق منها الا بعد اخراجه من السلطة عام 1987 بسبع شهادت طبية تؤكد فقدانه القدرة العقلية والصحية على ادارة البلد.
مع وريثه زين العابدين بن علي فقدت تونس طعم القائد والرمز وquot; الشخصيةquot;. وامسىquot; التاريخquot; فيها عاطلا عن العمل. المؤسس جاء من الفكرة. والخليفة جاء من الشرطة. كان فاصلا طويلا مملا ومخجلا. لقد ظل لسلفه طعم حتى خلال اقامته الجبرية وهو يقترب من عامه المائة الذي مات فيه. ذات يوم جاء الرئيس بن علي الى quot; اسيرهquot; الرئيس المخلوع بورقيبة، وقال له، بين الجد والهزل، ان زوجة السياسي المعروف صالح بن يوسف، عادت الى البلاد وهي تنوي رفع دعوى للقضاء ضد بورقيبة بتهمة قتل زوجها. ويبدو ان ذهن الزعيم كان لايزال قادرا على اجتراح لمعة، اذا ما وجد نفسه محصورا أمام ظلمة، فقال لبن علي: لابأس فلتشتكي وانا لدي سبع شهادات طبية بالجنون!
في المقابل ليس للتاريخ على ما يبدو حكاية تستهويه في الخلف. لحظة توليه عام 1987 كان عزل السلف المريض هو القصة، وكانت ناس تونس في تلك اللحظةquot; تبكي وتقول حمد الله مشىquot;. وفي لحظة خلعه كان البوعزيزي وكانت انتفاضة تونس هي القصة. وما ابرده وامسخه وهو يقول في كلمته الاخيرة quot; غلطونيquot;. كان بن علي فاصلا طويلا ومملا.
ان الكثير من مجد تونس بورقيبة يعود الى سباحتها ضد التيار. وكان في غير قليل من ذلك الكثير حكمة بينما كان التيار العربي الغالب من حولها تدافعا من حمقة وراء حمقة. كانت تونس quot; نهضةquot; وكانت الدول من حولها quot; ثورةquot;. وكانت لغزا حاصرتها الريب والشكوك من كل صوب. ولذلك لم تعبر انوارها الى محيطها كما فعلت كلمات شاعرها ابو القاسم الشابي. اليوم تفعل. اليوم هي في الموعد الذي ضربه التاريخ لها مع الأمل. والعرب جميعا مأخوذون بها. لقد جعل البوعزيزي حتفه جسرا الى الاحساس والروح والتاريخ، او الى ما يوجز بكلمة، ويا لها من كلمة: quot;الحريةّquot;!
هل ستعبر تونس جسر البوعزيزي؟ أنظار العالم العربي اليوم جميعا مسلطة على هذا الجسر. في هذه اللحظات يموج هذا الجزء الحزين من العالم بأشواق اللقاء مع التاريخ. السجناء متلهفون والسجانون مرتعبون. انه رهان تونس.