دخلت الثورة السورية متاهات الرعب، والدمار المخطط، الثوار يدافعون عن الوطن، وجوده، وكرامته، يواجهون الخطط التي ترسم في الاروقة السياسية العالمية، والتي تتداول وتناقش بشكل مستمر، فالخطوط الساخنة المهتمة بشؤون الثورة السورية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين لا تبرد. كما لا يبخلون بعرض فتات من نتائج المباحثات على الدول العربية، كثيرا ما يطلبون مقابل ذلك عقد مؤتمرات مستعجلة، على الهامش من القضايا، ودون أن تكون هناك نتائج مفيدة، تحفز هذه الطلبات عند ملاحظة خمود في الإعلام وغياب خبر ساخن على الساحة، ولاظهار نوع من الحراك السياسي الداخلي في الشرق الأوسط، وهي في حقيقتها الهاء للرأي العام الداخلي والعالمي، كتلك الفترات التي أرسل فيها مراقبي الجامعة العربية، ومن بعدهم مراقبي هيئة الأمم المتحدة، والرحلات المكوكية المتأخرة للسيد كوفي عنان بين الدول المعنية بالقضية، حاملاً معه ست بنود خيالية بالنسبة للصراع الدائر على ارض سوريا، كل ذلك لخلق مادة دسمة لأقلام الاعلاميين المهتمين بقضية الثورة السورية، ومن ثم إلهاء الشعب والثوار.

بعد أن تخلى العالمين الاعلامي والسياسي من الحديث عن نقاط كوفي عنان الستة، وتأكدت للأغلبية منهم باستحالة تطبيقهم، لعدم منطقيتهم، وعلى الأغلب عرضت كنقاط إعجازية من حيث التطبيق الفعلي على الأرض. غيرت الدول الكبرى طريقة ادخال مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والجامعة العربية في الصراع الدائر، غيروا في الاسم والمسمى والهيئة التشكيلية، أما الهدف هو نفسه، الهاء الاعلام والمعارضة السورية، وخلق حراك ما على الساحتين الاعلامية والسياسية كمادة للنقاش عليه والكتابة حوله، وتمديد عمر السلطة إلى ان تختمر الأجندات الكبرى والمتداولة بين أمريكا وروسيا والإتحاد الأوروبي المساند، وهذا ما تفعله الدول الكبرى عادة، تحريك الهيئات الدولية العاجزة عن إيجاد أي حل على ارض الواقع العملي، في فترات البحث عن الحل الملائم لغاياتهم.

السيد الإبراهيمي يعلم تماماً ولا نستبعد على أنه أُعلم بشكل شفهي ومباشر، مدى هشاشة الأمل في خلق تحقيق نتيجة إيجابية، وضعف القدرة على تمرير خطوة لوضع حل ما، ومن المتوقع أنه قد نوقش معه هذه القضية، إلا أنه قبلها من منطقين: طلب سياسي دولي، وإنساني نفسي اتجاه الوضع السوري، وهو يعلم تماما أنه داخل إلى الحلبة لملئ الفراغ الدبلوماسي العلني على الساحة السياسية والإعلامية، لفترة ما، لاكتمال الخطط الاشمل في الافاق البعيدة.

الثورة ستستمر إلى أن تغرق إيران بكليتها مع الأحزاب المساندة لها في مستنقع الثورة السورية، روسيا تحاول جاهدة أنقاذها، خاصة وهي مقتنعة أن نهاية السلطة السورية اصبحت حتمية، تنهار يوما بعد آخر أمام عينيها، وهي مطلعة على كل التفاصيل الدقيقة في الثورة السورية، وعلى أرض الواقع، وتعرف كل الخفايا السياسية، والدبلوماسية، والعسكرية للسلطة والثوار، التصريحات الدبلوماسية المشددة حول الدفاع عن السلطة والوقوف في وجه كل خطة موجهة لضرب النظام أو جيشه، ليس إلا صرخات لإثبات الوجود السياسي والدبلوماسي في المنطقة وكقوة اساسية في العالم، والتنبيه على أن هناك قوى اخرى يجب التعامل معها، وقضايا يجب أن تدار الحوارات السياسية عليها، دون إعارة كثير انتباه إلى الدمار وسيول الدماء التي تسيل في شوارع سوريا الجريحة.

ايران تحاول بكليتها الإنضمام إلى حلقة الصراع، وحزب الله حشرت وتتمنى أن تلقي بكل ثقلها إلى الداخل السوري، وذلك من خلال نقطتين : الأولى، الوجود وعدمه، الكل أصبح يدرك أن معظم الصراع الثوري في سوريا أنحرف إلى صراع بين التيار السني السياسي، والهلال الشيعي الذي يصرف المليارات لخلق وجود بؤرة ما في أي منطقة من العالم. زوال السلطة السورية ستخلق النهاية المؤكدة لوجود حزب الله أن لم يكن بزواله فسيكون بضعفه على الساحة، وهكذا بالنسبة لسلطة ولاية الفقيه، والثانية، هي الحفاظ على العلاقات الاقتصادية بين الدول التي لهم مصالح سياسية وفكرية مشتركة، وامكانية الوقوف أو حتى الاتفاق على مشاركة الشركات الرأسمالية العالمية أمام توسع نفوذ الشركات الصينية والروسية والتي تحاول السلطة الأيرانية اثبات وجود لها ولبضائعها بينهم أكثر مما هو مع الشركات الامريكية والاوروبية.

الولايات المتحدة الأمريكية تبقي الأبواب الدبلوماسية مفتوحة للحوار على مصراعيها لطرح الحلول المتنوعة للثورة السورية، والكل يدرك أنه لم يعد هناك من حل إلا بزوال السلطة، لكن هناك مجموعات تحسب نفسها على المعارضة، يتحركون ضمن هذه الضبابية المفتعلة من قبل الدول الكبرى، يعرضون خططهم ويقبلون بانصاف الحلول، المشابهة للحل اليمني، يتغاضون عن مآسي الشعب السوري والذي ضحى بأكثر من 22 عشرين الف شهيد ومئات الألاف من الجرحى، للخلاص من سلطة شمولية، وهم لا زالوا يجاهدون لوضع نهاية لنظام أفسد الوطن من كل أوجهه، لكن المنادون بالحل الوسطي يطرحون فكرتهم للخلاص من دمار اشمل! وهؤلاء هم البعثيين والأحزاب الذين كانوا مع السلطة في الجبهة التقدمية، و الأحزاب والقوى الذين اسسوا هيئة التنسيق الوطنية بمعية أطراف من السلطة والبعث، وشعارهم اسقاط النظام الأمني وليس السياسي! السؤال المرعب والذي يجب أن لا يغيب عن الساحة أبداً، والذي يطرح نفسه وبقوة على هذه الأطراف، من سيدفع ثمن هذه المجازر في حال تحقيق ما يطالبون به!؟

لكن وما يتبدى في الأفق حتى ولو انشق بشار الاسد نفسه خلف رئيس وزرائه البعثي، أو نائبه إذا صح الخبر، فالسلطتين العسكرية والأمنية سيستمرون بتدمير المدن وحرق الوطن وقتل الشعب، وسوف يستمر الإجرام، والانتظار هو متى ستغرق إيران وحزب الله بكليتهما في المستنقع، يرافقه حراك في الأروقة الدبلوماسية والإتفاقات السياسية والاقتصادية بين الدول الكبرى وتوزيع المصالح في المنطقة، يفضلون في كثيره اشراك الدول المجاورة لسوريا في القضية مباشرة، وهذه الدول في الواقع لا يملكون قدرة على تجاوز ما يملى عليهم، ومن بينهم الدولة التركية، التي غيرت بشكل فظيع وتيرة حراكها السياسي والدبلوماسي والعسكري في الفترة الأخيرة وإثارتها بشكل مفاجئ وصارخ للقضية الكردية، مابين الساحة العملية في المناطق الكردية إن كانت في تركيا نفسها أو على الحدود السورية المجاورة للمنطقة الكردية، فإثارتها للقضية تجاوزت في بعضه الصراعات المحتدمة على الثورة السورية ما بين السعودية وأيران، علماً أن جميعهم يتحركون حسب الإملاءات الخارجية، وإذا كنا نلاحظ تجاوزات أو أعمال ذاتية، ذلك لأن المصالح السياسية والاقتصادية والإثنية تتداخل مع مصالح الدول الكبرى في المنطقة، لكن حراكهم يبقى ضمن الإطار العام، والذي يبقي المنطقة في دوامة الصراعات الكلية والجانبية معاً. الحنكة السياسية والدبلوماسية هنا تتبدى على مدى الإستفادة من خلق عامل الترابط المشترك بينهم وبين الدول الكبرى، والقدرة على دمج مصالحهم مع مصالح الدول الكبرى المسيطرة.

من ضمن القضايا الساخنة التي احتضنتها الثورة السورية، وجود ايران وحزب الله كقوى عسكرية ومذهبية سياسية مهددة للدولة الإسرائيلية، وهي الآن تدرس بشكل واسع في الأروقة الدبلوماسية، مقابلها تطالب تركيا بعرض القضية الكردية على طاولة المباحثات حسب غاياتها القومية، لدراستها كقضية من القضايا الكبرى في المنطقة، بعد أن عتمت عليها على مدى عقود ماضية، والآن وبعد قيام الثورة السورية تحاول وضع حلول لها، ومع كل عرض تحاول الدولة التركية فرض أجنداتها، وهنا يتأكد على أن الصراع والمباحثات بين الدول الكبرى لم يبقى سائداً فقط على الثورة السورية والنظام الأسدي، بل أنه أصبح صراعاً على وضع حلول مشتركة لعدة قضايا تجاوزت أطراف الثورة السورية وخرجت من نطاق جغرافيتها كمركز للحل أو كقضية وحيدة في الصراع، لهذا نرى أنه حتى ولو أنشق بشار الأسد نفسه عن النظام! فالحلول سوف تبقى عصية في الوقت الحاضر على الظهور، بل والحل ستفرض متى ما أتفقت الدول الكبرى المتصارعة على مصالحها.

رغم هذا الواقع المأزوم، والصراعات الدولية المتداخلة في واقع الثورة السورية، تبقى هناك كلمة الفصل في العديد من الأمور بيد الثورة الفعلية والموجودة على الساحة الوطنية، والتي تواجه السلطة والقوى الخارجية التي تساندها وتدافع عن وجودها عن طريق المحافظة على بقاء نوع من النظام. الثورة السورية التي كانت موجهة في بداياتها وبشكل سلمي لإسقاط نظام الأسد الشمولي، تمكنت حينها من انهاض قوى عربية وعالمية لمساندتها اعلامياً على الأقل، والآن وبعد أن جرفت إلى أعماق صراع مسلح، اصبحت تملك أدوات أقوى لإرضاخ العالم، إما مساندتها أو التخلي عن السلطة السورية.

خرجت الثورة السورية من إطارها الجغرافي وهي الآن تتجه كثورة عامة ستشمل الشرق الأوسط وستؤدي إلى خلق قوى جديدة في المنطقة، ستغير مفاهيم ومسارات عديدة في ثقافات شعوبها، رغم كل القوى الإنتهازية المذهبية كتيارات الاسلام السياسي أو القومية المتكالبة لاستلام السلطة فقط، تتجه الثورة لخلق اشمل ستدخل في العمق الحضاري لمنطقة الشرق الأوسط بكليته، اسقاط النظام السوري والحد من توسع الهلال الشيعي وعزل القوى الإنتهازية والاحزاب الكلاسيكية ستكون بداية لنجاح الثورة الحقيقية.

الولايات المتحدة الأمريكية
[email protected]