اليوم، يزور قداسة البابا لبنان. يأتي الى منطقة ملتهبة. ثورات لم تنته على ما كان، وغضب جديد على ما هو كائن.
ما يحدث الآن ليس سوى امتداد لما حدث. فاقتحام السفارات الأمريكية جاء من نصيب بلدان الربيع العربي. أي تلك التي صنعت ثورتها. لقد تحول الربيع بعد هذه الهجمات الى شتاء قبل أوانه.
الدول الاسلامية استنكرت على لسان السياسيين، والمفكرين، والباعة المتجولين، ما جاء في الفيلم الأميركي. لكن هل رأى أي من هؤلاء الفيلم؟ كيف نحكم انه مسيء الى لنبينا الكريم ونحن لم نره بعد؟ الاساءة درجات، فهل كل الدرجات تبرر هذا الصخب، وان بررته فهل تبرر العنف؟
حاولنا ان نكون محايدين، فنستنكر الفيلم، ونستنكر العنف. كنت أفضل لو اخذنا موقفا واحدا، فإما ان ندين الفيلم او نصمت على العنف. لأن مجرد استنكار فيلم لم يره أي منا يعني انه خطير الى الدرجة التي تعطي رخصة غير مرئية لرجل الشارع البسيط كي يثور. وقد كان جاهزا لأي شيء.
فرجل الربيع العربي تسكنه خيبة عظيمة لكل ما ثار من أجله. إنه يحس بأحلامه تختفي. ثورته لم تشف غليله بعد، لأن ما ثار من أجله ما يزال موجودا. فالظلم موجود. والفقر موجود. والسحل موجود. وإهدار كرامته موجود. من أجل ماذا ثار إذا؟
لقد كان جاهزا لأي شيء، فثار عند أول مناسبة. ولو كان هناك شيء غير قصة الفيلم لثار ايضا.
مؤسساتنا الحاكمة استنكرت العنف، والفيلم. دون أن تقرأ اسباب العنف، ودون أن ترى الفيلم. واكتفت ببيان يدين الإثنين وصمتت.
اليوم، يزور قداسة البابا لبنان، وهو رمز المسيحيين في العالم. وتلك فرصة عظيمة ان يكون هذا الرمز الكبير بيننا في هذا الوقت الغاضب. اعلم أن قداسته يمثل الكنيسة الكاثوليكية، ومن انتج الفيلم اقباط ارثوذكس، لكن من يعرف الفرق في الشارع العربي؟
لتكن زيارة البابا شفيعا لخطأ افراد مسيحيين، وليكن وجوده في لبنان فرحة لكل العالم الاسلامي لا لبنان وحده.
تمنيت لو بارك بعض الدول الاسلامية زيارة الحبر الأعظم لجزء من الوطن العربي والاسلامي. لكان ذلك رسالة منا نحن ايضا الى العالم البعيد عنا، الذي غضب من غضبنا، دون ان يقرأ هو نفسه ما يعتمل في نفوسنا. كان لترحيبنا ان يكون رسالة عظيمة، بأننا نغفر الأخطاء بقدر ما نعاقب، وبأن الحب موجود في نفوسنا، وإن كان مدفونا تحت اطنان من مآس عتيقة. لتكن زيارة البابا رسالة مشتركة. فقد أتت في وقتها، ولو دون قصد. وليتنا جميعا، نشارك المسيحيين الترحيب بها. وسأبدأ بنفسي واقول: مرحبا بك بيننا أيها الحبر الأعظم.

[email protected]