الكردي نَسَباً، متجرداً منها ذاتاً، مبتعداً عنها تصريحاً وبياناتاً، والمسلم بمطلقه، جبريٌ بمفاهيمه. قُتِل، كرجل نظام، بيد النظام في أغلبه، أو كمفكر ضد الثورة، بيد تيارات تكفيرية كانت قد اعلنت عن هذه الرغبة سابقاً. إما بسبب قناعة دينية حرفته عن خدمة السلطان في بعضه، أو لسفاهة من بعض التيارات الإسلامية المتطرفة. فقد كان الرجل يتبع مفهوم الجبريين في الحكم والأحكام، على الاقل من المنطق الثوري أو حتى من خلال الصراع المذهبي، فالبوطي كان في البعد الخاطئ من الثورة، وانحاز عن المجتمع الذي كان يجب أن يكون معهم. لا شك أنه كعالم ومفكر، اختار مبدأ علماء خلفاء الأمويين، الذين أفتوا لاتّباع الخليفة بدون اعتراض على سيئاتهم، لأن الله اختاره، والثورة تناهض المبدأ على مذهب المعتزلة أو غيلان الدمشقي وغيره الذين تبنوا مبدأ القدريين.

كان البوطي عليما وعميق الإدراك بهذين المبدأين، وكان موقفه صارم في هذا، اختار الجانب الملائم لفكره أو لذاته الدنيوية، رغم الأخطار، كان بين نارين، اسهلهما الذي اتبعه، ودافع عنه بمفاهيمه وتشريعاته الذاتية، وتأويلاته، والذي سخّر مداركه لتبرير شرور سلطة جائرة، أعتمد على آيات قرأنية وعلى سيرة الرسول و غزواته، لضحد الثورة أو على الأقل في مجابهة الثوار لسلطانه الطاغي، هاجم التيارات التكفيرية بقوة، وبدون هوادة معظمها من منطق الإسلام كما كان يعتنقه، مثلما هاجم قوميته الكردية تحت حجج واهنة، وتبرأ منها، في الوقت الذي لم يربطه بها حقيقة، ومنذ عهود، كانت أمته هي الإسلام في كله، مواقفه الفكرية هذه هي التي أدت إلى ما آل إليه مصيره الآن.

قد يفكر البعض بأنه كان مرغماً، بسبب قساوة السلطة الشمولية وإجرامها، هناك شيء من ذاك، لكنه في النهاية قتل، انها الثورة وإنحرافاتها، السلطة و جلاوزته، والطرفان يجرمان، لكن المدافع عن الذات ليس كالذي يهدم الوطن والأمة للحفاظ على سيطرة سلطة فاجرة أبدية، تفسد وتعبث بالوطن منذ اكثر من نصف قرن من الزمن. قتل المفكرين والعلماء جريمة بحق الأمة قبل أن تكون بحق الفرد ذاته، فالبعض يجرد البوطي من سوية العالم، أو أنه جرد ذاته من سوية العلامة، يوم سخر علومه لسلطان فاجر فاسد، فالعلامة هو الذي يتمكن من الفصل بين الحق والباطل، بين الشر والصلاح، بين طاغية يجرم وبين شعب يطالب بالحق والحرية، والبوطي فشل في الفصل هذه، على الاقل من منطق الثوار والشعب السوري، لكن يبقى المنطق الإنساني هشاً أمام العدالة الإلهية وأحكامها، فقتل على أحكام كلامية ساند بها جلاوزة سلطة مجرمة، حدث مثل هذا في معظم ثورات التاريخ، ولنا أمثلة فظيعة من الثورة الفرنسية والروسية وغيرهما، عظماء في الفكر والأدب تاهوا في الأحكام، قتلوا بيد الرعاع أو بيد اتباع الملك، ومن الطرفين.

مع ذلك، وأي كانت الأحكام، فقد ضاع عن الوطن عالم نادر، المنطق الإنساني الفكري، والثوري الصادق، يرفض قتل المفكر والعالم مهما كانت اختلافاته. فكما ذكرنا كان البوطي يدعم سلطة المجرم بشار الأسد في الكلام، ويسندها بالحجج والتأويلات المتتالية معتمداً على منطق علم الكلام الغائب في دهاليز الجبريين، ويشوّه الثورة، اخترق بأحاديثه وتفسيراته الحدود الحضارية الإنسانية، دعم السلطة وجلاوزتها، ساند هؤلاء الذين هتكوا الأعراض بدون رادع اخلاقي، والذين قتلوا الطفل مع العالم، واغتالوا المشايخ مع الكاهن، واغتصبوا المرأة في حجر عائلتها، قتلوا الوطن في حضن ذاته، وجروا البعض من الثوار الى اتباع نفس منهجها للرد عليها. لكن مهما تفاقمت الفظائع فإن هؤلاء المفكرون، مهما تاهوا في الأفاق، روح الأمة وبنيان الوطن، وهناك سلطة تشتهي ذلك وتتلذذ بتجريدهم من ذاتهم، وتدميرهم مع الوطن، بكل ما تمتلكه من قوة الكفر والإجرام. والافظع هو أنه لم يدر بخلد أي من الناس أن معظم الذين قتلوا في الجامع مع محمد سعيد رمضان البوطي كانوا من الناس الأبرياء أو ربما كانوا سيخرجون منها ليشكلوا أو يشاركوا في مظاهرة ضد الطاغية، ولم ينتبه احد إلى أن المكان الذي فجر أو قتلوا هؤلاء فيه هو منبع المسيرات والمعارضة السورية، والسلطة تريد تدمير كل منابع الثورة، وهل بإمكان جهة غير النظام السوري القيام بمثل هذه الفظاعات؟!

أقول رغم نفوري وعدائي لمواقف البوطي، تجاه كرديته، والثورة السورية، سابقاً وسابقاً ndash; فقد قتل - ودونية تصريحاته حول توصيف الذين يساندون سلطة الأسد، ورفعه لشأن عائلة مجرمة وسلطة جائرة، أدعوا له بالرحمه من الله كعالم وليس كرجل نظام، وحكمي هو حكم الإنسان، والله هو القادر الأوحد في تمييز عبده. ما نعلمه كبشر، كان عالماً ومفكراً قل نظيره في العالم العربي والإسلامي، لم يكن يختلف في كثيره عن العلماء الذين يقفون مع الثورة لغايات ذاتية أنانية وبإنتهازية مماثلة ولو كانت بوجوه أخرى، ولا عن ابن تيميه الذي سمي بشيخ الإسلام تجاوزاً...

الثورة السورية الحقيقية، أنطلقت ضد طغيان سلطة شمولية دكتاتورية، سيكتب لها الزوال مهما صارع وأجرم ودمر، نهايتها، ونهاية من لطخت اياديهم بدماء الشعب السوري وعلمائهم، مزبلة التاريخ. الثورة منتصرة لامحال، لكنها في الوقت ذاته ضد دولة تبنى تحت عباءة الإسلام، وتناهض من يسخرها البعض لغاياتهم الذااتية، ضد هؤلاء الذين بنوا المدارس الفقهية التي اخرجت جحافل المتفجرين من الشباب الأبرياء، والذين غُررَ بهم باسم الدين. تيارات وأحزاب انتهازية تكفيرية لا يمكن أن تبني دولة الوطن والمواطنه. الثورة السورية ضد أن تعاد الوطن الى قرون عدمية في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ضد دولة تمنع فيها المرأة من سياقة السيارة، كالسعودية المتحجرة، أومماثلة لدولة أئمة ولاية الفقيه، الذين يفتون بمصاحبة القاصرة، ضد أغتيال رجال الفكر والعلم. تيارات الإسلام السياسي وقادتهم لا يمكن أن يقودوا دولة، ويبنوا وطنا حضاريا، مثلما لم يبنيها سلطة الأسدين وجلاوزتهما.

الإسلام السياسي منذ سقيفة بني ساعدة وحتى اليوم، سيطر عليها قادة بارزين، شكلوا تيارات متنوعة من أقسى التطرف الى الليبرالية البعيدة، تبعهم علماء وفقهاء عديدون، خدموا في سلطانهم، وافتوا لطغيانهم، استطاعوا من خلالها أن يسخرو الإسلام كدين لغاياتهم الذاتية أو القومية، بدأً من المذهب السني بكل اجزائه الى جميع المذاهب الشيعية، افسدوا في الدين، وأخرجوه من روحانياته، فاكرهوا البشرية بالكثير فيه، الى أن اصبح غسل مبادئ الإسلام منهم في حالة شبه مستحيلة، خاصة في حاضرنا الموبوء. تحتاج الأمة الى ثورة روحانية بنيوية شاملة.

وما يجري في سوريا الان صراع طائفي بأغلب ابعاده، فالسلطة بكليتها وبعض التيارات المتطفلة، يحاولون من خلالها تشويه ثورة الشعب، وإخراجها من ذاتها الحضارية كثورة من الشعب ضد طغيان هناك،، مثلما اخرجوها من الصراع السلمي إلى صراع دموي. الثورة موجودة حتى ولو تسلق عليها الانتهازيين والمارقين، وحاول البعض التنكيل بها وسلبها من مفاهيمها، وهؤلاء الذين يفجرون ذاتهم ليسوا سوى جهلة الاديان، كانوا موجودين في كل الاديان، تكاثروا اليوم بين التيارات الاسلامية، استخدمهم السلطة السورية طويلا، و لنا قناعة بأن العملية الحاضرة من أفعالها، إن كانت بأحد هؤلاء أو غيرها من الطرق. تاريخ هذه المجموعات حافلة بالفظائع، افظعها ظهرت من لدن ناشر المذهب الإسماعيلي حسن الصباغ، الذي أرهب المجتمع الإسلامي حينها بمجرميه الشباب المغرورين بهم.

لا اظن ان النوازع النفسية لهؤلاء الذين يدفعون بالشباب الغر والسهل الانقياد لتفجير انفسهم في المفهوم الديني الروحاني البعيد عن المنطق الإنساني الذاتي البليد، يختلفون في كثيره عن كلمة خالد بن الوليد يوم قال لقائد الفرس ( كما اظن ) جئتك بجيش يحبون الموت كما تحبون الحياة. المنطقين يتلاقيان في الأهداف النهائية، ويقتربان على نفس الغاية، وهي قتل النفس من اجل استغلال الآخر، أو استعباده المخالف لمفاهيمه. الله وغاياته براء من هذه، فكر الإنسان في العدم مقارنة بإدراك الفكر الإلهي. وهل استعباد الاخر هي غاية الدين الاسلامي وأمر من الله؟! أم انها دوافع انسانية، شاذة، تطفح بجنون السيطرة، والطغيان الشمولي.

البوطي كان أحد العلماء، الذين صارعوا الثورة بالكلام وبمنطقه الفكري، وتنازل عن قوميته الكردية، لمبدأ ديني، أو لغاية ذاتية، ساند الأسدين واصحابهما الذين جروا الوطن الى هذه المهالك، لكن مع ذلك فهو عالم ديني ومفكر خالف الآخر كلاماً وفكراً، فقتله وقتل أي عالم أو مفكر خسارة للأمة، والذين لا يهمهم أمور هذا الوطن هم وراء الفعلة النكراء هذه، والسلطة افظع الذين لا يبالون بالوطن وقيمه.

الولايات المتحدة الأميركية

[email protected]