عقب انتهاء الحرب بين العالميتين الأولى والثانية، تشكلت لجان من ذوي الاختصاص من الأساتذة والأكاديميين لتسجيل تاريخ كل واردة وشاردة في الحربين، على لسان من كانوا في صلب الأحداث، وخرجت فيما بعد تلك البحوث والدراسات المستقاة من منابعها بمجلدات أصبحت هي المرجع لمن يريد الوقوف على كوارث الحرب وأسبابها.
لكن السيد علي الدباغ استسهل المهمة بنية حسنة دون إلمام بعِظم المهمة من الناحية التاريخية، لدرجة أنه سأل طارق عزيز عن طباخ صدام الذي قتله عُدي معتقداً أنه يمت له بصلة القرابة، في حين كان يجب أن يسأله عن منير روفة الذي يمت له بصلة القرابة جداً، وكان منير هذا طياراً في الجيش العراقي، وفرَّ في السبعينات بطائرته الى اسرائيل، وبذل طارق عزيز جهداً أن يدخله الى العراق لكن مساعيه قد فشلت!!.. وكان على الدباغ أن يسأل طارق عزيز عن تصفية الشيخ البدري، والسيد الصدر، وموقف حكم صدام من العقائد الروحانية وكيف تعامل مع مرجعياتها، لكنه لم يفعل.. وهناك الكثير من الأمور كان من الممكن أن يُستفاد منها لو أن السيد علي الدباغ قد استعان بذوي الاختصاص لاستخراج ملفات تاريخ طارق عزيز بدلاً من تلك السذاجة التي ظهر بها، ويظنها حدثاً عظيماً، بينما هي أقل ما يقال عنها: أنها لا تليق بتجربته السياسية على قصرها.
وكارثة الكوارث أن يتطفل عديمي الاختصاص والموهبة للخوض في أمور لا يمتون للتعامل معها بأدنى صلة!!.. وهذا ما فعله السيد علي الدباغ حينما ظن أنه سوف يصحح مسارات تدوين التاريخ!!.. ليعيد صياغته هو بشكل جديد، فاختار طارق عزيز الذي رأيناه بأشد حالات الضعف والخور بعدما كان يتمختر كالطاووس ببذته العسكرية، ويدلي بتصريحات نارية، وهو ينفخ دخان السجار بوجهٍ منتفخ الأوداج، ويتحدث بذاتٍ شديدة التورم!!..
وقد طرح الدباغ قبل بث اللقاء مع عزيز بعض المسلمات البديهية كقوله: أن التاريخ كان يكتبه الأقوياء.. ولذا فإنه ndash; أي الدباغ ndash; شمَّر عن ساعديه ليؤرخ للعراق أثناء مرحلة حكم صدام حسين من خلال طارق عزيز!!.. ولست أريد الخوض في ظروف تسجيل اللقاء، واستغلال قوة مركز مجريه ndash; حين ذاك ndash; وحالات الضعف والتشبث بأي بارقة أمل تخفف مما يعانيه عزيز!!.. فهذا الأمر لا يقدم ولا يأخر فيما أنا بصدده.. ولكنني سوف أستخلص النتيجة التي خرج بها مشاهدي ذلك اللقاء!!..
* * *
bull; طارق عزيز، عضو قيادة قومية في حزب البعث العربي الاشتراكي، وعضو قيادة قطرية، وعضو مجلس قيادة الثورة، ووزيراً للاعلام، ثم وزيراً للخارجية، فنائباً لرئيس الوزراء، ونائباً لرئيس الجمهورية، وكاد أن يصبح رئيساً للوزراء لولا أنه مسيحي ndash; كما قال ndash; وبالطبع هناك الكثير من المناصب والمهام التي تولاها، العلنية منها والسرية!!..
هذا الرجل أتاح له الدباغ أن يُظهر نفسه وهو يعيد صياغة تاريخ العراق الحديث، وكأنه الملاك الطاهر!!.. الذي لم يساهم بكل ما حل بالعراق من كوارث رغم كل تلك المناصب التي جئنا عليها!!.. وعزيز يرى في صدام من الصفات التي لا يمكن أن يقبل بها عقل من خلال ذلك اللقاء!!.. وعلى سبيل المثال لا الحصر:
-: معظم من كانوا يحيطون بصدام من وزراء وأعضاء مجلس قيادة الثورة وكبار المسؤولين الحزبيين، كلهم جُهال تافهون لا قيمة لهم حسبما جاء على لسان طارق عزيز!!..
-: أقارب صدام وأزلامه ممن كانوا يتحكمون بالعراق وثرواته، لا يتدخل طارق عزيز في شؤونهم رغم تجاوزاتهم الكبيرة، فهذا الموضوع يُزعج صدام.. إضافةً الى ذلك أن هذا الأمر ليس من اختصاصه فهو وزير للخارجية!!..
-: حسين كامل كان جاهلاً وتافهاً، وعديم الخبرة في الشؤون العسكرية!!.. فأصبح يتحكم بالمؤسسة العسكرية وبشؤون التسليح وتصنيع السلاح، بل كان يطمح أن يكون رجل العراق الأول!!.. لكن صدام كان يتجاوز عنه لأنه يحبه!!..
-: عُدي بكل تجاوزاته اللاأخلاقية، وعبثه بالملايين من الدولارات من أموال العراقيين، لم يكن طارق عزيز يتدخل بين صدام وأولاده وأفراد عائلته كما قال!!.. لأن هذه أمور خاصة، وهو وزير للخارجية!!..
-: وطبان أخو صدام، كان وزيراً للداخلية.. كان تافهاً، كما قال عزيز!!..
-: الدوري نائب رئيس الجمهورية، كان ضعيفاً على حد قول عزيز!!..
-: صدام ظلم الشيعة، وأراد أن يُصلح هذا الأمر معهم، كيف؟!.. لا أحد يدري!!..
-: صدام أراد أن يُصلح أمور العلاقات مع الأكراد، وكان مخلصاً في ذلك، ومحاولات اغتيال المُلا مصطفى البرزاني قام بها ناظم كزاز بدون علم صدام!!.. الخ.. الخ.. الخ..
ولست أريد الاطالة بما قاله طارق عزيز عن الشأن الداخلي، لأنه في النهاية لم يكن يعرف عنه شيئاً ndash; حسب قوله ndash; فهو وزير خارجية!!.. والشأن الداخلي رغم كل ما فيه من كوارث لا يعنيه، رغم أن الشأن الخارجي للعراق لم يكن منفصلاً عما كان يجري في الداخل من حكم ديكتاتوري فاشي، كان عزيز يضع له مكياج التجميل في المحافل الدولية!!.. إلا أنه أشار في ذلك اللقاء مع الدباغ الى جملة أمور جعلت المشاهد يستغرب أن يكون مثل هذا الطارق العزيز صانعاً لسياسة العراق الخارجية لعدة عقود!!.. ولم الاستغراب؟!.. أليست النتيجة قد ظهرت وها هو يدفع ثمنها بهذا الوضع المزري الذي هو أقل بكثير مما يليق به وأمثاله؟!!..
bull; في الشأن الخارجي طارق عزيز يرى!!..
-: أن العالم العربي كله، يكره الشعب الكويتي!!..
-: أنه شخصياً لا يحترم الكويت!!.. وهي ndash; أي الكويت ndash; عراقية!!..
-: السعودية تكره ايران!!..
-: الملك حسين انتهازي يسعى لجمع المال!!..
-: ايران ndash; الخميني ndash; يريد احتلال العراق!!..
-: العرب رحبوا باحتلال العراق للكويت!!..
-: حسني مبارك كان في موقف محرج، وأراد حل قضية احتلال الكويت سياسياً!!..
-: سعود الفيصل لم يكن جاداً في وساطته من قضية احتلال الكويت!!..
* * *
bull; وهناك الكثير من هذا الهراء الذي كان يرهف به هذا الرجل المعتل، وهو ما لا يدخل في نطاق التاريخ الذي كان يسعى إليه السيد علي الدباغ، إنما هو أقرب ما يكون الى حوار صحفي ركيك يدخل ضمن دائرة المراهقة الصحفية!!.. ولا يمكن لصحفي محترف يحترم مهنته أن يرضى به بالشكل الذي شاهدناه، لا من الناحية الموضوعية ولا من الناحية الفنية.
ثم إن الوضع الراهن في العراق غير مؤهل لتسجيل تاريخ العراق لافتقاده الى الموضوعية العلمية في كتابة التاريخ من ناحية، ومن الناحية الأخرى لأن حُكام العراق الحاليين كانوا خصوماً لمرحلة عهد حكم صدام للعراق.. وإذاً فإن مقولة الدباغ: أن التاريخ يكتبه دائماً الأقوياء.. فهل يكتبه هو أو يؤرخ له من موقع الضعيف؟!!.. هذا هو السؤال!!..