تتحول دولة صغيرة مثل الكويت إلى محكمة كبيرة، تشيع حالة من الحذر والخوف لنجد كل مواطن مرشح أن يكون متهما، أو ينتظر دوره أو يجد نفسه متورطا بالتردد أمام المشاركة في الحراك الشعبي أو التصريح برأيه الحر، المحكمة شيدتها رغبة السلطة في أن تكسر جناح المعارضة، لتحلق بجناح واحد لا يتوافق مع الدستور والديمقراطية كمشروع حضاري يفقد مناعته بسبب الخطأ في تشخيص القوة و الهيبة التي تحفظهما الحكمة لا المحكمة، وتحفظهما مسؤوليات أخلاقية وتاريخية وإنسانية باتت رؤيتها صعبة في الأفق الكويتي بعد أن تبنت السلطة شعارquot; فرق تسدquot; التي أصابت النسيج الاجتماعي المتين بالشقوق فأتقسم المجتمع بين ثلاث فرق، فريق محب لايقبل بالسكوت عن الخلل والفساد ولديه أجندة عامرة ببنود الإصلاح السياسي وفريق يتصدى للتبرير وتلميع الحكومة ويتفه مطالبات المعارضة وفرق ثالث غير راض عن الاثنين ويراقب بصمت ويرى أن الحكومة والمعارضة في فشل مشترك، إلى هنا والأمر محمود والاختلاف طبيعي، لكن الامعان الحكومي في الفهم السطحي لمتغيرات الديمقراطية برفضها مشروع التعدد السياسي واعتماد الصوت الواحد والتمركز الفردي (الأنوي)، وتكتيم الإعلام عن ما وراء الأحداث وأبعاد الخلافات، وصفقات الفساد المشبوهة والثقيلة، التي تتعارض مع حقوق المواطن في المكاشفة والترويج للسلطة على إنها ضحية ترى أن حرية التعبير ليست كلمات بل لكمات فتحولها للقضاء، كل هذا وغيره كثير، خلق حالة الفرقاء حتى في البيت الواحد فالأب مشارك والابن مقاطع والأخ حكومي والأخت معارضة، وعمم الحالة على مجتمع بأكمله صار يقتات على السياسة لكن النهج التعسفي والخيار الأمني السلطوي حرم الاختلاف أن ينمو طبيعيا في رحم صحي، فكثرت التشوهات الأخلاقية وتنامي النفس العنصري والطائفي والقبلي والطبقي فضربت الهوية المجتمعية فصار البعض يتهم المعارض إنه من سيضيع بوصلة البلد ويضيع الجغرافيا والتاريخ معا، والمعارض يري أن الساكت عن الفساد واغتيال الدستور شيطان أخرس، وفي هذه الفوضى الممولة من أطراف عدة والمتعمدة سنكون جميعا أمام المحكمة الكبيرة للسلطة جار ومجرور.

فلا أحد يحترف التوصيف السياسي واحترامه لكل مظاهر الاختلاف بين الكويتيين لأنها صحية، ومصاحبة إيجابية لكل حراك شعبي بحيث نترفع عن معايير شخصية بعيدا عن ثقافة quot;النكايةquot; ببعض، وتخوين الآخر، وحتى زلة اللسان أن وقعت لا تغتفر ويتم التعامل معها بسوء نية، وهو quot;فيروسquot; أصاب الجميع بالعدوى بعد أن نجحت السلطة في زرعه بيننا.

لكن من يقرأ التاريخ جيدا ويتأمل ظروف المنطقة، يعرف تماما أن سقف النظام حين ينهار سيسقط على رؤوس الجميع وهذا ما يتوافق مع الحكوميين ممن يحتفظ بالمفهوم التقليدي التاريخي للدولة، وهو الأمر الذي تؤكد عليه المعارضة أيضا وإنها حريصة على الاحتفاظ بهذا الإطار.

إذن على السلطة أن تقرأ مايجري حولها جيدا والتعامل مع حكم الدستورية بما يوقف عملية زرع الألغام بين أطياف شعبها والالتفات إلى أهمية تناغم التعايش بين الرفض والقبول وتعزيز ثقافة التكامل وليس التآكل والخروج بالبلد من ثقافة التخويف بالمحكمة التي لا تجدي نفعا مع الكويتيين كما اتضح من مجريات الصراع، وإيقاف المحاكمات السياسية التي تشوه الوجه الحضاري للكويت أمام العالم وأن تعيد الأمور إلى نصابها ليس بما تقتضيه مصالحها ولكن بما يرضي الأمة وتتوافق عليه ليعود الكويتيين على قلب رجل واحد وإن اختلفوا كما كنا دوما في كل المنعطفات...على أمل فجر كويتي جديد وديمقراطي بحق فإذا ساءت هذه الحقبة من الخلاف وإذا هذا الزمن نتمنى أن تسرنا أزمان مقبلة.

@MonaAlShammari