لعلّ أخطر ما تفعله اسرائيل حاليا يتمثّل في التصعيد في القدس وفي المجسد الأقًصى تحديدا، كي يكون هناك تعتيم على القضية الأكبر المتمثلة في وضع نهاية لإحتلالها للضفة الغربية، بما في ذلك المدينة المقدسة...ومتابعة الإستيطان.
هذا ما تنبّه له الأردن الذي استطاع بفضل جهود الملك عبدالله الثاني وموقفه الحازم من الإعتداء على المسجد الأقصى من اعادة الهدوء إلى المدينة. استضاف عبدالله الثاني في عمّان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير الخارجية الأميركي جون كيري لتحقيق هذا الغرض.
استقبل قبل ذلك رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيّد محمود عبّاس (ابو مازن) الذي& بدا واضحا أنّ لا حول ولا قوة لديه في مواجهة الحملة الإسرائيلية الهادفة إلى تهويد القدس.
&نجح العاهل الأردني، أقلّه موقتا، في اخماد حريق كان يمكن للقدس أن تتسبّب به. وضع حدّا للإستفزازات الإسرائيلية في المسجد الأقصى وذلك بعد ممارسة ضغوط على اسرائيل شملت استدعاء السفير الأردني في تلّ ابيب.
ما يقلق في الحملة الإسرائيلية على القدس أنّها تترافق مع& مشاريع استيطانية تصبّ في تغيير طبيعة المدينة نهائيا وتقطيع اوصال الضفّة الغربية. الهدف من تقطيع اوصال الضفّة القضاء نهائيا على خيار الدولتين. دفنت اسرائيل خيار الدولتين. لم يعد يهمّها سوى فرض امر واقع في الضفّة الغربية في وقت يواجه "ابو مازن" مشكلة كبيرة تتمثّل في الخطوات التي تقدم عليها "حماس" بشكل يومي من اجل تأكيد أنّ لا وجود لشيء اسمه مصالحة وطنية فلسطينية.
تؤكّد "حماس" عبر كلّ تصرفاتها أنّ قطاع غزّة سيبقى "امارة اسلامية" تحكم على الطريق الطالبانية. يُستخدم القطاع قاعدة لشن عمليات في مصر تستهدف زعزعة الإستقرار فيها من جهة وتأكيد أنّ الإخوان المسلمين يرفضون الإعتراف بثورة الثلاثين من يونيو التي اطاحت النظام الذي اقاموه في مصر ووجدوا في محمد مرسي غطاء له، من جهة أخرى.
من حسن الحظ أن هناك الإردن الذي يذكّر كلّ من يهمه الأمر بأنّ ما يجري حاليا عائد إلى غياب الرغبة الإسرائيلية في السلام لا اكثر ولا أقلّ. لم يحد الأردن عن الخط الذي رسمه منذ فترة طويلة، أي منذ ما قبل قرار فك الإرتباط مع الضفّة الغربية الذي اتخذه الملك الحسين، رحمه الله. رسم القرار الذي اعلنه الحسين صيف العام١٩٨٨، حدود الدولة الفلسطينية.&
يتلخّص الخط الذي ينتهجه الأردن بأن قيام دولة فلسطينية مستقلة "قابلة للحياة" مصلحة اردنية. هذا ما قاله عبدالله الثاني في خطابه امام مجلسي الكونغرس الأميركي في آذار ـ مارس ٢٠٠٧، وهذا ما كرّره في خطاب العرش امام أعضاء مجلسي الأعيان والنوّاب قبل ايّام. قال العاهل الأردني في خطاب العرش: "القضية الفلسطينية هي قضيتنا الأولى وهي مصلحة وطنية عليا. والقدس التي روت دماء شهدائنا ترابها هي امانة في عمق ضميرنا. سيستمرّ الأردن بالتصدي بشتى الوسائل للمارسات والسياسات الإسرائيلية الأحادية في القدس الشريف والمحافظة على مقدساتها الإسلامية والمسيحية حتّى يعود السلام إلى ارض السلام".
ما مكّن الأردن من النجاح في القدس يعود إلى الوضوح والأستمرارية في الوقت ذاته.
في اساس الدور الأردني الوضوح والإستمرارية. في الماضي القريب، مطلع تسعينات القرن الماضي، باع الملك حسين منزلا كان يملكه في أفخم احياء لندن من أجل ترميم قبة المسجد الأقصى. عندما يقول الأردن أنّه ملتزم الدفاع عن القدس، فهو يعني كلّ كلمة يقولها. استطاع عبدالله الثاني التأثير في اسرائيل وفي واشنطن في الوقت ذاته. لا يترك حاليا فرصة إلّا ويردّد أن حلّ القضية الفلسطينية مساهمة في تعزيز الإستقرار في الشرق الأوسط. لذلك، لا وجود لأوهام اردنية في ما يتعلّق بسياسة حكومة بنيامين نتانياهو المصرّة على تكريس الإحتلال. لكنّ غياب الأوهام لا يعني التخلي عن الوضوح والإستمرارية.
على العكس من ذلك، هناك اصرار على الوضوح وهناك مثابرة يومية في المواجهة مع حكومة نتنياهو بكلّ ما تمثّله من فكر متحجّر. هناك معركة معها من أجل اقناعها بأنّ لا بديل من السلام ولا بديل من خيار الدولتين، اللهمّ إلّا اذا كان في اسرائيل من يريد المراهنة على الإستفادة من عملية التفتيت التي تشهدها المنطقة، كي ينسى الشعب الفلسطيني أن من حقّه العيش مثله مثل بقية شعوب المنطقة.
كلّ ما في الأمر، أن عبدالله الثاني حاول اعادة نتانياهو إلى جادة الصواب. نجح في القدس. لا شكّ أنّه سيظّل يحاول جاهدا اقناعه بأنّ لا مفرّ من اعطاء الفلسطينيين حقوقهم بدل السعي إلى الإستفادة من الحلف غير المقدّس الذي يقيمه مع "حماس".
قام الأردن بما يفترض أن يقوم به. المنطقة لا تحتاج إلى حريق آخر في القدس. لدى الأردن امكانات متواضعة، لكنّه يعرف كيف يوظّفها في المكان الصحيح. لولا ذلك، لما كان استطاع تجاوز الهجمة التي تعرّض لها في العامين ٢٠١١ و٢٠١٢ والتي كان خلفها الإخوان المسلمون واطراف اقليمية، معروفة أكثر من اللزوم، تدعم نظام بشّار الأسد. كانت هذه الأطراف، ولا تزال، تراهن على نقل الأزمة السورية، التي هي ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته، إلى الأردن.
بعد خطاب العرش الذي أكّد فيه عبدالله الثاني أنّ "الحرب على التنظيمات الإرهابية& وعلى هذا الفكر المتطرف هي حربنا"، كان لا بدّ متابعة الحرب، ولكن بالوسائل السياسية، مع حكومة اسرائيلية لا تأبه بما يمكن أن يؤدي اليه الإعتداء على المسجد الأقصى من نتائج. أقلّ ما يمكن قوله أن الإعتداء الإسرائيلي على المسجد الأقصى مساهمة في تغذية التطرّف والحروب المذهبية والطائفية في المنطقة.
نعم، عمل الأردن ما& عليه عمله. مرّة أكّد التزامه تجاه القدس. حمى القدس في مواجهة حكومة اسرائيلية تعتبر أنّ الوقت يعمل لمصلحتها من جهة وتستثمر في كلّ ما من شأنه تفتيت المنطقة من جهة أخرى.
من الواضح أن عبدالله الثاني يسعى إلى أن يتمكّن من أن يقول للعرب يوما وللفلسطينيين، على وجه التحديد، ما قاله للأردنيين في خطاب العرش :" اتوجّه بتحية الفخر والإعتزاز إلى جميع الأردنيين الذين اثبتوا على مر السنين قدرتهم على الصمود في مواجهة التحديات التي فرضتها التحولات التاريخية في المنطقة".
الأردن صمد في وجه "التحولات التاريخية" التي تشهدها المنطقة. هل يصمد الآخرون الذين راهنوا طويلا على الإستثمار في التطرف والإرهاب واثارة الغرائز المذهبية؟
&