ذكر ابن خلدون في مقدمته في الفصل الخامس والعشرين ( ص 149) "أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعيث وينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب وأما البسائط فمتى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة فهي نهب لهم وطعم"&
وبدون تحامل أو عصبية، فابن ابن خلدون لم يجانب الصواب، فالعرب يتسمون بالعجز، ولا يتقنون أعمالهم في غياب الرقيب، ومن يعمل باجتهاد أو يكلف نفسه عناء الإخلاص في العمل، غالبا ما يوصف بأنه "ماكل مقلب بحاله"، ولا يوجد من يأخذ العمل على محمل الجد إلا قلة قليلة مغلوبة على أمرها.&
وقال ابن خلدون في الفصل السادس والعشرون ( 149 – 150) في باب "أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب" وأبرز ما يدل على صحة استنتاج ابن خلدون هو أنه ليس في الآثار القديمة والأحافير ما يدل على أن الصناع بالأصل كانوا عربا، بل لا بد وأن يكونوا من الشعوب البائدة التي سكنت المنطقة، ويشهد على ذلك الآثار الرومانية واليونانية القائمة إلى يومنا هذا وهي تخطف الأبصار بدقة صنعها ومتانة تركيبها، وليس هناك من العمران ما يرد أصله إلى العرب سوى البتراء وهناك اختلاف على أصل الأنباط هل هم عرب أم غير ذلك. وذكرت بعض السير أن العرب أخذوا على الرومان التحاق بيوت الخلاء ببيوتهم، ظنا منهم أن قضاء الحاجة يجب أن يكون في مكان بعيد عن المسكن.&
ويتابع ابن خلدون بالقول "أيضا طبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وان رزقهم في ظلال رماحهم وليس عندهم فياخذ أموال الناس حد ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال" أي أنهم يحبون جلب المال بأسهل الطرق كالاستيلاء على مجموعة ضعيفة من الناس، أو ينزعون إلى التجارة ويعزفون عن الصناعة، ويوجد الكثير جدا من الأدلة، حتى أن أصحاب الثروات منهم يستثمرون بالبيع والشراء دون الحرف المنتجة.
&ثم يقول ابن خلدون "فهم متنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم احد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أوأخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره." وقد أصاب ابن خلدون مرة أخرى، إذ أن العربي يتوق إلى الزعامة لأنه لا يعتبر الزعامة تكليفا بل تشريفا، وغالبا ما يكون الزعيم عندهم عبئا على الدولة بمتطلباته، ونظرا لأن هناك امتيازات كثيرة للزعيم فإن الكل يخضع لزعامته دون مساءلة لطريقة حوكمته.&
ويقول ابن خلدون في الفصل السابع والعشرون في باب أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية (ص. 151) ويرى ابن خلدون أن السبب في ذلك هو أن طبيعتهم متوحشة فلا يخضعون إلا بتهديد من قوة عظمى غيبية في حالة تمردهم، ولا يوجد وازع داخلي أو انقياد منطقي، ولو نظرنا إلى واقعنا الحالي لوجدنا أن رجل الدين هو الأعظم حظا بالتابعين له وهم مستعدون أن يموتوا في سبيله، خاصة وأن الزعيم يربط طاعته بطاعة الله.&
ثم يقول ابن خلدون في الفصل الرابع من الكتاب الأول (ص. 404) أن العرب أبعد الناس عن الصنائع،" وهذا صحيح مرة أخرى وذلك لأن الطابع الغالب لهم هو البداوة وخشونة الطبع، ويفتقرون إلى محاكمة الأمور عقلانيا، واستخدام مهارات متقدمة من التفكير الرياضي والتقني. وفي الفصل الخامس والثلاثين، يقول ابن خلدون أن العلم في بلاد العرب كان في الغالب نتاج المسلمين من العجم، (ص. 543) أما العرب فقد أبدعوا في العلوم الشرعية. ومن السهل جدا الوقوف على صحة هذا الادعاء من خلال إعداد قائمة بعلماء المسلمين وإيجاد نسبة العرب منهم.&
من كتاب مقدمة ابن خلدون، دار القلم، بيروت، 1986، الطبعة (6)
















التعليقات