هناك صمت بل ارتياح عالمي واضح إزاء توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التدخل عسكريا في شمال سورية، برغم منع الأكراد من بناء دولة خاصة بهم هناك. وفي كلمة له ألقاها يوم الجمعة الماضي، تعهد أردوغان بأن تركيا لن تقبل أي تحرك من جانب الأكراد السوريين لإقامة دولة خاصة بهم في سورية في أعقاب المكاسب التي أحرزها المقاتلون الأكراد على تنظيم داعش خلال الأسابيع الأخيرة، واتهم الأكراد السوريين بالتطهير العرقي في المناطق السورية الخاضعة لسيطرتهم. وفيما بعد تحدثت تقارير إعلامية تركية عن قرار رسمي بإرسال الجيش التركي إلى سورية، وهي خطوة ذات أهمية كبرى من قبل ثاني أكبر قوة مقاتلة في حلف شمال الأطلسي بعد الجيش الأمريكي.
التوجه التركي هو شبه إعلان ببدء تقاسم النفوذ والمصالح وتقسيم سورية، وواشنطن تغض الطرف عن التحرك التركي الذي يتماشى مع المصالح الأمريكية ورغبة واشنطن في عدم التدخل المباشر في الأزمة السورية، فأنقرة تخشى محاولات الأكراد ربط المناطق الكردية في سورية الواقعة على امتداد الحدود مع تركيا، وبناء دولة خاصة بهم، وتجدد المطالب الانفصالية لدى أكراد تركيا، الذين حملوا السلاح منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين من أجل دولة مستقلة لهم في جنوب شرق تركيا، حيث يعيش نحو 15 مليون تركي كردي.
قرار أردوجان يسعى إلى المزاوجة بين الأهدف الأمريكية والتركية، فأنقرة تريد منع حزب الاتحاد الديمقراطي مع السيطرة على الحدود التركية السورية، وهي خطوة تستلزم من الجيش التركي إبعاد داعش والأكراد معا من المنطقة الحدودية، وهو أمر يحظى بموافقة أمريكية كونه يصب في سلة تحجيم نفوذ داعش. كما لا يخلو هذا القرار من حسابات تخص الداخل التركي الذي يعاني أزمة سياسية طاحنة بسبب تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية وقلق أردوجان من إجراء انتخابات جديدة تبدو مفتوحة على مصراعيها أمام الاحتمالات كافة، والقرار بشأن الانتخابات يترجم واقعيا تحذيرات أردوجان للناخبين والأحزاب التركية من الفوضى في حال فشل جهود تشكيل الحكومة التركية، ومن ثم فإن فتح صراع خارجي يبدو طوق انقاذ مهم لأردوجان وحزبه في المرحلة الراهنة، لاسيما أن قادة الجيش التركي يستشعرون خطراً خارجياً حقيقياً جراء تنامي نفوذ أكراد سورية على الحدود التركية.
من الواضح أن الديموجرافيا هي المحرك وراء سياسات القوى الاقليمية في المرحلة الراهنة، فإيران تتحرك في العراق من أجل خلخلة التركيبة الديموجرافية لمصلحة الشيعة، وتركيا تخشي حدوث تغيرات على التركيبة الديموجرافية السورية بشكل يسمح للأكراد ببناء دولة مستقلة تهدد تماسك ووحدة الأراضي التركية.
الحسابات تقول أن موقف طهران إزاء التحرك التركي معقد ومتشابك، فالتحرك التركي يصب عسكريا في مصلحة تعزيز موقف القوى المعارضة للنظام السوري، وهو أمر على خلاف هوى طهران، ولكن مخاوف الإيرانيين من قيام دولة كردية كبرى تجمع أكراد سورية والعراق وتركيا وإيران ربما تفوق الخوف على مصير نظام الأسد، فالدولة الكردية في هذه الحالة تمثل تهديد مباشر للوحدة الترابية للدولة الإيرانية ذاتها، وبالتالي يصبح دعم إيران للموقف التركي مفهوماً.
الأمور تتجه ـ في ظل الشواهد الراهنة ـ إلى تعليق مصير سورية بيد القوى الدولية والقوى الاقليمية غير العربية، حيث يتوقع أن يصبح لتركيا وإيران اليد الطولى في تحديد مصير سورية، وهناك تفاهمات محتملة في هذا الإطار لن يكون فيها مراعاة لمصالح الدول العربية، وهذا أمر بديهي في ظل مايحدث الآن.
هناك أزمات ثلاث متفجرة على الأطراف العربية، ويبدو أن تفجرها مسألة مدروسة جيداً، فهناك ليبيا تشد انتباه مصر وتثير قلقها، وهناك اليمن تثير مخاوف السعوديين من حرب استنزاف طويلة الأمد، وهناك سورية والعراق دولتان عربيتان كبيرتان تواجهان مصيراً مفتوحاً على سيناريوهات شتى.
ربما يعتبر بعض المحللين أن تركيا لم تتحرك للتدخل العسكري المباشر في الداخل السوري سوى بعد تنامي نفوذ كل من داعش والأكراد على الحدود التركية، وهذا الأمر فيه قدر من الصحة، ولكن تركيا التي تراقب وجود نحو ثلاثين ألف مقاتل شيعي يعملون لمصلحة إيران في الداخل السوري تريد هي الأخرى ضمان مصالحها في سورية، التي تبدو على وشك تقسيم محتمل للنفوذ والأدوار.
ولاشك أن وجود تنظيم داعش ودوره الخبيث هو السبب المباشر في كثير مما يحدث حاليا بمنطقة الشرق الأوسط، فهذا التنظيم الارهابي وفر الغطاء لكل القوى الاقليمية والدولية لتنفيذ مخططاتها التوسعية، كما فتح الباب أمام إضعاف الدول العربية وتفتيها وتفككها وتحويل بعضها إلى دول فاشلة مستباحة للآخرين، وسواء كان هذا التنظيم مجرد أداة استخباراتية أم تنظيم أيديولوجي يترجم التطور البديهي للفكر الارهابي، فإن الخدمات المجانية التي يقدمها لأعداء العرب تجعله العدو الأخطر في المرحلة الراهنة.
التاريخ يكرر نفسه، والعرب يدفعون الثمن، هذه هي خلاصة مايحدث من حولنا، ولا يبدو أن هناك أي محاولة للفكاك بعيداً عن هذا السيناريو البشع لعصر التقسيم العربي الحديث، أو مايعرف بسايكس ـ بيكو الجديد.