قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

طريف هو ذلك السؤال الأوروبي، كيف أصبحنا مصدرين للإرهاب، ولماذا؟، إنها نبوءة الكاتب الإيراني حميد دباشي حين تساءل: "هل يستطيع غير الأوروبي التفكير"، تحققت، لكنها صيغت على النقيض، في سؤال مفاده - بعد دمجنا السؤالين الأولين- : هل سيعيد الأوروبي التفكير في وضعه اليوم؟.&
ما يمنح الأمر طرافته، أن الأحداث الإرهابية الأخيرة في بلجيكا، أكدت جدية سؤال الأوروبيين حول أسباب تصديرهم للإرهاب، وهو ما يعني أن الخارطة الجغرافية الكلاسيكية للديانات قد بدأت في الاختلاف فعليا، فبلجيكا اليوم رقم صعب في مشاتل الإرهاب عالميا، كذلك الأخت الكبرى فرنسا. فلم يعد النظر للإرهاب محصورا في نقط ولادة محددة، مرتبطة بنقاط تواجد الإسلام كلاسيكيا، لقد تحررت الديانة من الجغرافية، وهذه الفكرة لا يزال الأوروبيون متعنتين في الإيمان بها. إلا أن الأخطر في المسألة هو تحرر الإرهاب جغرافيا، لقد حررته العولمة هذه المرة، وليس للأديان دخل في ذلك.&
حين نسمع تلك التعليقات الساذجة، حول عدم قدرة &الدول الأوروبية على إدماج هؤلاء، بالأخص فرنسا وبلجيكا. أجدها سذاجة كوميدية تحاول تسطيح الأمر، وربطه بأبناء الضواحي، أي ربطه بعرق ما، ودين ما، ولون ما، وطبقة اجتماعية، ربطه بالدخيل والغريب والمختلف.&
كما نعلم فهي تحاليل، تنبني على آراء محللين لم تفلح بعد الساحة الفرنكوفونية على تجاوزهم، رغم النباهة التي تميزهم في تحليل بعض المواضيع، ورغم محاولاتهم في مقاربة الموضوعية في نقاش الجماعات الإسلامية والدين إجمالا، من أمثال الفرنسي جيل كيبل وأوليفير روي، فشل هؤلاء في مقاربة المسألة الدينية، والجماعات الإسلامية، ليس قدحا في شخوصهم المعرفية، ولكن في إصرارهم على المراوغة دائما، وتبرير وجهات نظرهم المتجاوزة بعد كل مستجد واقعي يكسر نظرياتهم المحدودة، ليبقى بذلك نظر الأوروبي للمسألة على ما هو عليه، والأخطر ثبات وتكلس نظر الفاعل السياسي الأوروبي، والفرنسي على وجه التحديد. لهذا فالاختلاف واضح بين إنجلترا والدول سابقة الذكر، هذه الأخيرة التي واضح من سياساتها أنها على الأقل تحاول استباق الكثير مما يمكن توقعه، وما يمكن تفاديه من أضرار، لهذا كانت السباقة في نسج علاقات إيجابية مع الكثير من الفاعلين الإسلاميين في المنطقة، عكس فرنسا التي تحالفت وبن علي ضد الثورة، في غباء سياسي طافح، سيستمر على ما يبدو &- بعد تجدد الأحداث الإرهابية وتجدد التهديدات - كعلامة مميزة للتفكير السياسي الفرنسي إلى حين.
لماذا لا يطرح السؤال، بهذه الصيغة : لماذا يلجأ الأوروبي للإرهاب؟ ما الذي يغري الأوروبيين كغيرهم في فكرة تنظيم داعش؟.&
طبيعة السؤال هنا، تفترض أولا: حديثا لا يستبطن التمييز، أو فكرة الأصل والهجين. كأن الأوروبيين يحدثوننا عن طحالب ضارة، التصقت بمجتمعاتهم دون أن يكون لهم دخل في ذلك. وهنا محل السخرية والطرافة بعينها، السخرية من عقل أوروبي جبار، يمرغ أنفه اليوم في ترهات الاستعلاء والنقاء – المستخفي - الذي اعتقدنا انقضاء عهوده مع هتلر.&
يحزنني كثيرا، أن لا تناقش المسألة في علاقتها بالأوربي عموما، فالإرهابي المُغرر به، أوروبي أولا وأخيرا، ولد في أوروبا، وتشرب مزيج كونه ابن البحر الأبيض المتوسط، وليس ابن بلده الأصلي الذي يُعيّر بتهمة الانتساب إليه دوما. وللأسف عاجلتنا فرنسا كعادتها مجددا في اتخاذ الخطوات الساذجة عينها، فقبلت فكرة نزع الجنسية، بل وشرعتها بمنطق القانون، ليحفظ لها التاريخ - في مكره - &ذلك، ولتضرب بذلك فكرة الأوروبي ابن الحداثة ومجتمع العولمة. لقد تحولت "الجنسية" لهبة تزكي قيم التعالي، قيم المانح المجيد والكريم، والممنوح الذي ينبغي عليه دوما التخوف من فكرة فقدان احترام مانحه له. ولعلها فهمت هذه الفكرة الواضحة، وزيرة العدل الفرنسية كريستيان توبيرا، فقررت الانسحاب لتحفظ ما تبقى من كرامة هذا الذي يسمونه "مهاجرا"، هي الأفريقية التي منحت هبة ثقيلة تمثلت في حقيبة وزارة العدل الفرنسية.&
ما يحزن في الأمر أكثر، أن أوروبا الأنوار، بين مفترق طرق لا ثالث لها فيه، إما أن تعيد التفكير في وضعها والعالم، وإما أن تتحسس استئناف الأنوار في غير أرضها، وإن كان الميل غالبا للطرح الثاني، بمبرر سؤال دباشي السابق، الذي يكتنف حقيقة: أن غير الأوروبي يفكر اليوم، نعم لقد بدأ في التفكير فعليا، وهنا موضع طرافة آخر، فهذا الأوروبي/الغرب الذي ينتحر أمامه اليوم، ويحاول أن يجر العالم للانتحار الجماعي، تحت وقع تحاليله السوسيولجية التميزية، البعيدة عن المعرفة وعلوم الإنسان. ينبغي لغير الأوروبي التفكير فيه كشاغل مواز لهموم التنمية والديمقراطية على أرضه، فهو مواطن عالمي كغيره. وهذا هو الخيار الثالث، أن يفكر غير الأوروبيين في مصير أوروبا، كل شيئ ممكن !!.
العالم اليوم أيها الأفاضل الأوروبيون، يتحرر من ربقة السلط الإيديولوجية القديمة، ويحاول التحرر من تقسيمات حضارية، وتلاوين تنموية بائسة، تقسيمات تشربناها في مقررات دروسنا "عالم ثالث" "شعوب متخلفة" "دول نامية" و "دول سائرة في طريق النمو" ..الخ. العالم اليوم يريد الامتلاء في كل رقعة منه بما يتساوى فيه الجميع، مشبعا بالحرية والكرامة، والحق في تقرير مصير كوكبنا.&
لهذا فالتفكير في الإرهاب اليوم، بعيد كل البعد عن فكرة التهميش، أو انعدام الإدماج، أو الفقر، الأمر أكبر من ذلك، يكمن في إعطاء الفرصة للجميع ودون تمييز في اختيار مصير العالم، وتوجيهه نحو ما يخدم مصالح الجميع. لذلك فنظرة الأوروبي "البلجيكي" أو "الفرنسي" الذي ينعت بـ "المهاجر" إلى ما يحصل في سوريا والعراق وليبيا، هي غير نظرة الأوروبي التقليدية، إننا أمام أوروبي سيتحتم عليه أن يثبت وجهة نظره غير المتعالية والبعيدة عن تاريخ الاستعمار. إنه يفكر في العالم الذي ينتمي لرقع كثيرة منه، دون أن يحس بتفوقه على أهلها، وضرورة تصريفه قرارته الحكيمة لبناء مستقبلها.&
ختاما، كل ما قيل لا يتعارض ومشاكل هذه الدول الاقتصادية، ودورها الأكيد في فقدان الأمل، لكنه أمل مسدود أمام الجميع، وبطالة يعانيها الجميع، وليس أبناء الضواحي فحسب.
&