كتبت من هذا المنبر الاعلامي الحر إن النخب السياسية في الشرق تشتغل في مجال الأسلمة أو الاسلاموية وتستخدمها كأجندات سياسية لكسب نفوذ ومناصب وأموال وأوراق رابحة. دفعت الاسلاوموية بكل قواها التنظيمية مثل (الاخوان في مصر) والتظيمات السلفية ( القاعدة والنصرة وداعش) للتنسيق مع قيادات سياسية والتفاوض على أراضي وموارد طبيعية إنتزعتها من دول مر عليها الربيع العربي بفوضويته. وبعد إزاحة الغبار من فوضى الربيع العربي الموجهة تبين أن هناك مصادر لتمويل وتسهيل جيوبوليتيكي ولوجستي ومالي لتيار الاسلاموية يمتد بخيوط واضحة ومخفية أحياناً حسب سياسة الدولة التي يمر فيها من دول اوروبا الى دول المشرق وإنتهاءاً بمناطق الصراع الساخنة.

تراجع العلمانية

ألعلمانيون والتكنوقراط في دول المشرق تراجعوا وتخلوا عن مشاريعهم وإنشغلو للبحث عن مكان امن نتيجة لتحول الشارع الشرقي الى الاسلاموية بشقيها الشيعي والسني, ومن ثم إنشطار الاسلاموية الى فئات متقاتلة تمسح وجود بعض وتكفر بعض وتبيح كل الطرق للتقاتل الممنوعة دولياً ودينياً وإنسانياً وبيئياً، طرق لم تخطر على بال الشيطان من قبل، اخرها شاحنة دنيس التي دعست الابرياء في احتفال فرنسا الوطني. المشروع السياسي في الشرق أصبح بحاجة الى كوادر تتمتع بكاريزما تحشيدية منافقة تستخدم فكرة الاسلام للتعبئة والتاييد، هنا أصبحت الحكومات المشرقية لا تقوى على التناقض مع التيارات الاسلاموية، في الوقت ذاته وكي تبقى في المنصب استخدمت سياسة الطاعة والرضوخ وركوب موجة الأسلامية بشكل معلن. فالعلمانية في إيران على سبيل المثال فقدت الوعي منذ إطلاق الخميني طلقة الرحمة على أخر نظام علماني في إيران وكانت الفترة مبكرة جداً للثورات الاسلاموية القادمة في المنطقة ‘ وكان العالم يعتقد ان الثورة الايرانية تحمل أجندة متخلفة لاتقوئ على مواجهة العصر بافكاره التحررية والتكنوقراطية، لكن الأيرانيون المتأسلمون بلعوا الدولة والمجتمع معاً ‘ وتركو الطريق مفتوح لموجة عارمة من التشدد إجتاحت المنطقة فيما بعد. أما المنطقة العربية فلم يقدر للتيار العلماني أن يرى النور، فمنذ انسلاخ الأقاليم العربية من السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى كانت تجارب التيار العلماني في العالم العربي خجولة وفردانية لم ترق لمستوى المشروع السياسي كما حصل في تركيا بعد حل السلطنة العثمانية وتاسيس الجمهورية التركية بمنهج علماني قومي، اقتبس العرب القومية ولكن لم يقتبسوا العلمانية كمشروع سياسي لبناء دولهم الوليدة. وقع التيار العلماني انذاك فريسة للعسكرتارية التي اجتاحت المنطقة العربية وإقامة أنظمة دكتاتورية تديرها أجهزة المخابرات وتختصر الدولة بحزب الرئيس القائد الذي استمر حتى حرق تلك الاقاليم بمشروع الربيع الاسود.

علمانية الأتراك

ـاسست الجمهورية التركية من قبل ضابط من أسرة متواضعة هو مصطفى كمال أتاتورك عام 1922 على أنقاض السلطنة العثمانية التي كانت تنتهج الاسلام منذ عام 1299 ميلادية، اي ان أتاتورك الغى منهج الدولة الاسلامي والذي استمر لفترة قاربت ال 600 عام واستبدله بنظام علماني مسخدماً طريقة فضة راديكالية تركت الدولة والحكومة والشعب بعدم إتزان الى يومنا هذا. مقارنة بايران التي تتشابه كثيراً مع الدولة العثمانية بدولتها الفارسية وحضارتها القديمة لكن جميع القادة الذين تناوبوا على إيران لم يخرجوها من إطارها وتقاليدها الشرقية القديمة, ولكون الفرس شركاء في تاريخ الدولة الاسلامية على العكس من الاتراك تبنوا النظام الاسلامي المتشدد بنسخته الشيعية.

أتاتورك تأثر بأوربا التي خسر الحرب معها وغير أمته وأجبرها أن تقلد المنتصر حتى بزيه، فألغى الطربوش التركي وفرض القبعة الاوربية وغير الحرف العربي التي كانت تستخدمه الدولة لاكثر من 600 سنة الى الحرف الغربي وحول الجوامع الى متاحف. على الرغم من أن تصرفه ومنهجه وسلوكه سبب في عدم إتزان المجتمع التركي ولم يشكل مقبولية لدى الغرب لكي تعتبر تركيا دولة أوربية , نصب اتاتورك العسكر لكي يكونوا حارساً لهذا المنهج على مدى التاريخ التركي الى اخر تدخل عسكري في جمعة المنتصف من تموز الجاري بأنقلاب فاشل إستمر لليلة واحدة فقط. وبما أن سجل ألانقلابات العسكرية لم يكن مشرفاً ولايحمل في مضامينه غير القتل ومصادرة إنجازات النخبة السياسية المدنية، على الرغم من المنهج المعلن لدى الانقلابيين في إعادة مبادىء الدولة العلمانية كما أرادها اتاتورك الا ان ذلك النهج يصطدم بشكل تقليدي مع التطور السوسيولوجي الذي يحدث في اية امة. أتاتورك أعتقد بانه سيغير السلطنة العثمانية الاسلامية الى دولة تركية اوروبية علمانية بالغاء الطربوش وتغيير الحرف العربي الى لاتيني , وبهذا سوف تنسى الامة تاريخها ودينها لاكثر من ستة قرون. بعد اكثر من تسعين عام على تاسيس الدولة التركية ظهرت في مجتمعها أحزاب وقادة ومنظرين لحركة دينية اسلامية تتراوح بين التشدد الى الاسلام الاجتماعي(نظرية الداعية كولن) لن تستقتل لعضوية الاتحاد الاوربي وتحي فيها شرقيتها.

علمانية أردوكان ام تشدده الاسلاموي

أردوكان ذلك اللاعب السياسي المتمرس يدرك كل ذلك ويعرف حدوده وهو يلامس الخطوط الحمر للعسكر الا أنه يركب الموجة الاسلاموية بطموح لامحدود. تغيير أتاتورك للحرف العربي ورفضه الاسلام تقرباً لأوربا المسيحية التي لن تقبله في يوم من الايام على الرغم من إزدراء الاتراك الدائم للعرب وإتهامهم بالتخلف, وعلى الرغم من أن تخلفهم كان بسبب السلطة العثمانية المتخلفة التي حكمت الاقاليم العربية لسنوات طويلة من الظلم والقتل والاهانة والتبعية وسياسة الخازوق والسخرة وما الى ذلك من صفحات التاريخ العثماني الاسود الذي مر على العرب. يعود أردوكان برداء عثماني إسلاموي متشدد يراهن على الشارع التركي الذي ينفخ بتشدده وأستخدام الحركات الاسلاموية المتشدد الارهابية وعلى الدول الداعمة لهذا التيار والمسلك الارهابي، مشروعه الكبير مستفيداً من الاستقطاب الطائفي لكي يكون جزء من المعسكر السني الموازي لايران لأحكام التوازن القطبي المشرقي. هناك دول كثيرة ترى في إيران خطورة على وجودها ستجد تركيا عوناً لاحكام التمدد الشيعي. الا أن الانقلاب العسكري وإن باء بالفشل فإنه أعلن ممانعة ورفض لما يقوم به اردوكان من جهة , ومن جهة أخرى سوف تنعكس هذه الاحداث على الشارع التركي وتركز على البحث عن كواليس اردوكان وطموحه , ومن اللافت ا، التجربة العلمانية وإن تصطدم بالعسكرتارية التركية لكنها تعتبر الاقوى والاكثر أنتشاراً ومؤسسات ومشاريع إقتصادية وإعلامية في المنطقة من غيرها ولايمكن أن تفرط بهذا الأنجاز والسماح لموجة الأسلاموية أن تمر عبر أردوكان ومناصريه.