الواضح ان تدخل روسيا في سوريا هو من اجل ترسيخ دور روسيا المتجدد عالميا وخاصة في الشرق الاوسط فبعد عقود من عالم احادي القطب يأتي فلاديمير بوتين لتغيير التوازنات الحالية فتصرفاته في اوكراينا وفي اسيا الوسطى ةفي مناطق اخرى تدل على انه يسعى لاعادة الدور لروسيا على غرار ما كان ابان العهد السوفياتي ولكن الامور ليست كما يريد فالعتمة لم تكن على قدر يد الحرامي والتوازنات التي تشكلت لا تتغير بسهولة اضف الى ذلك بروز دور الصين الاقتصادي الهائل وبروز ادوار جديدة للهند ولاميركا اللاتينية.
بوتين جاء الى سوريا لتجربة اسلحة روسيا واستعراض عضلات مقاتلاته واسلحته وصواريخه العابرة للقارات &وذلك في عهد باراك اوباما المتردد والمتعثر في اكثر من مجال والذي حسم امره بعدم التدخل عسكريا في مكان من العالم ولكن الصواريخ التي اطلقتها بارجات حربية روسية من بحر قزوين باتحاه سوريا سقطت في ايران اضف الى ذلك تحطم طائرتين خلال شهر على حاملة الطائرات الوحيدة لدى روسيا ادميرال كوزينتسوف والتي وصفها بعض الخبراء العسكريين من الصف الاول انها خردة من الحديد تتطفو على المياه في المتوسط في اشارة الى انها قديمة وغير صالحة للقتال الفعلي كما ان طائرة سوخوي روسية اسقطتها اف 16 تركية مع بداية طلعات روسيا في الاجواء السورية قبل اكثر من عام فهل هذه هي القوة العظمى التي ستقف امام الولايات المتحدة وحلف الناتو الذين يملكون افضل انواع الطائرات المقاتلة في العالم؟
مما لا شك فيه ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمتلك قدرا كبيرا من الذكاء والحنكة السياسية وان خطواته في عهد الرئيس اوباما كانت محسوبة جيدا بحيث لم تصل الى حد المواجهة من ناحية ولا الى التصالح او التفاهم والتناغم &من الناحية الاخرى بل ظل في جو من عدم التفاهم المتفق عليه بين البلدين, الا ان دخول دونالد ترمب الى الساحة وفوزه بالرئاسة وبخلاف لما يعتقد البعض فاجأ فلاديمير بوتين بشكل كبير لانه مثل بقية قادة العالم وتقريبا غالبية سكان كوكبنا السيار لم يعتقد للحظة ان دونالد ترمب قد يتغلب على هيلاري كلينتون وان دعمه لترمب كان امرا عاديا لانه ضد اوباما وكلينتون الذين يمثلون سياسة اميركية تعادي روسيا بنظر بوتين ولم يكن يؤمن للحظة واحدة انه سيفوز.
ان نجاح دونالد ترمب في الانتخابات الاميركية خلط اوراق بوتين الساعي لاستعادة هيبة روسيا على حساب تردد ادارة اوباما وخليفه كلينتون واضطره لاعادة قراءة الاوضاع بشكل عقلاني ومتنور بعيدا عن المناكفة والتناطح بين حصانين لهما من الشدة والبأس الشيء الكثير واستعجال فلاديمير بوتين التوصل لاتفاق هدنة شامل في كل سوريا واستعداده لسحب جزء كبير من قواته تشير الى انه يعرف ما يريد منه ترمب حتى قبل دخوله الى البيت الابيض رسميا فبوتين يريد ارضية هادئة لتقاسم المناطق والغنائم والنفوذ في الشرق الاوسط وهذه التفاهمات الجديدة التي تتبلور تسحب السجاد العجمي من تحت ارجل قادة ايران لان بوتين يعي تماما ما يريده صديقه ترمب من ايران والى اي حد قد يسمح بنفوذ لها في المنطقة على حساب حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في الخليج العربي من جهة وما تقتضيه مصلحة اسرائيل من الناحية الثانية لذلك نرى اتفاق وقف النار بدون ايران ودعوة روسية للسعودية وقطر للمشاركة بمؤتمر الاستانة بالرغم من معارضة ايران ومن ناحية اخرى ايعاز روسي مؤخرا للرئيس السوري بالطلب من حزب الله الانسحاب الى لبنان تمهيدا لحل سياسي &ووقف خرق الهدنة ومن ناحيته فان الرئيس السوري &وقع لروسيا على صك من ذهب لتثبيت موقعها في الاراضي السورية وميناء طرطوس ونصب صواريخ اس &400 و 300 ومنظومات اخرى في اماكن متفرقة من سوريا لحماية المصالح الروسية على امل التفاوض مع ادارة ترمب على تلك المكاسب خلال الفترة المقبلة.
من الواضح ان القوة العظمى في العالم تبقى الولايات المتحدة وحتى ان جرحت هيبتها في عهد الرئيس المسالم باراك اوباما الذي يؤمن بالحوار الا انها لا تزال الاولى عالميا على الصعد كافة ولا مجال للمقارنة بينها وبين قوة روسيا الاتحادية التي تعتمد على الاسلحة القديمة والمنشأت السوفيتية التي بدأ الدهر يأكل عليها ويشرب, اما الصناعات العسكرية الاميركية فلا تزال محل تنافس للدول كافة في اقتناء ما هو متطور وجديد وكل هذا يعرفه الرئيس الروسي حق المعرفة ويعرف ايضا ان ترمب هو مثله رجل قوى ويعرف مدى قوة بلاده فنزال ترمب غير مطروح من قبل بوتين بل العكس هو يحاول ان يتودد للتوصل الى اكبر قدر من التفاهم على حدود النفوذ في اسيا وفي الشرق الاوسط.
فلاديمير بوتين اصبح الاقوى في عهد اوباما المتردد والمحاور السلمي الفاشل ان صح القول ودونالد ترمب لن يقبل باقوى منه عالميا خاصة بعد انتصاره غير المتوقع على الجهاز الاميركي الكبير وعندما يأتي رجلا مثل ترمب لديه من التكبر والتعالي الكثير الكثير ومن ناحية اخرى لديه اقوى دولة في العالم واخطر انواع الاسلحة, فهل من الممكن ان يسمح لمن هو اقل منه بدرجات من ناحية الترسانة العسكرية ان يسيطر على العالم ؟ قلاديمير بوتين يعي ذلك تماما ويتصرف بحسب هذه المعطيات وهو لن يورط نفسه وبلاده في تنافس يكون هو الخاسر فيه ناهيك عن مشاكله الداخلية الكثيرة والتي لا نعرف عنها الا القليل وسبدي لنا الايام ما لم نعلم.
&