قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يمكن أن نقول إن الاجتماع الذي ضم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع قادة الحزبين الديموقراطي والجمهوري بشأن سوريا بعد إقرار مجلس النواب قرارا يندد بقرار الرئيس ترمب سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، يمكن أن يكون هو الاجتماع الأخير، أو "العشاء الأخير" للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
*-*
رأي مجلس النواب الأمريكي الذي صدر بأغلبية ساحقة أمس الأربعاء أن قرار الانسحاب الأمريكي من شمال شرق سوريا، مهد الطريق أمام الهجوم التركي على الأكراد حيث صوت 354 نائبا لصالح مشروع القرار وعارضه 60 بعدما انضم العشرات من رفاق ترامب الجمهوريين إلى الأغلبية الديمقراطية المؤيدة للمشروع، وهو ما شكل صدمة كبري لترمب حولته إلى "حيوان" جريح.
*-*
رد فعل الرئيس الأمريكي الذي أظهره عندما "انفجر غضبا" في الاجتماع، وقام باتهام أعضاء الحزب الديموقراطي بأنهم يساريين أسعدهم ازدياد التمدد الروسي في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، كما وصف رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي بأنها "سياسية من الدرجة الثالثة"، وهو مما أدي إلى انسحاب بيلوسي وبقية أعضاء الحزب الديموقراطي من الاجتماع، وخرجت بيلوسي للإعلام ووصفت الرئيس بأنه في حالة انهيار Meltdown، خاصة بعد تأييد الجمهوريين الساحق لقرار الإدانة.
*-*
أما الخطاب الذي وجهه الرئيس دونالد ترمب للرئيس التركي طيب رجب اردوغان، ووصفه الإعلام الأمريكي بالطفولي لا يكتبه تلميذ في المرحلة الابتدائية، فقد أظهر جانباً آخر مما أعتبره المراقبين جهل الرئيس الأمريكي في التعامل الدبلوماسي وأسلوب الخطاب بين رؤساء الدول. وأعتبر كثير من السياسيين الأمريكيين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي أن إعلان ترمب الانسحاب من سوريا كان بمثابة اعطاء أردوغان "الضوء الأخضر" للحلول محل القوات الأمريكية، وبأن الخطاب كان مجرد حفظ ماء الوجه لترمب. وبالفعل أطلقت تركيا في اليوم التالي للانسحاب الأمريكي مباشرة عملية عسكرية سمَّتها "نبع السلام"، شرقي نهر الفرات بالشمال السوري، قالت إنها تسعى من خلالها إلى تحييد المليشيات الكردية الانفصالية على حدودها مع سوريا، إضافة إلى القضاء على فكرة إنشاء كيان كردي بين البلدين، وإبقاء سوريا موحدةً أرضاً وشعباً.
*-*
ويزداد الخناق على الرئيس ترمب مع استمرار تحقيقات مجلس النواب الذي يهيمن عليه الديمقراطيون تجاه اتهامات متعلقة بجهود ترمب للضغط على الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي للتحقيق مع جو بايدن، المنافس البارز للترشيح الديمقراطي لخوض الانتخابات ضد ترمب في انتخابات 2020، وهي تسريبات من أحد المبلغين عن الفساد، بأن ترمب استخدم "سلطة مكتبه، لطلب تدخل من بلد أجنبي في انتخابات الرئاسة الأمريكية، المقررة عام 2020".
*-*
تبقي مسألة عزل الرئيس شبه مستحيلة. فحتى إذا صوت مجلس النواب الذي يهيمن عليه الديمقراطيون على مساءلة ترمب، فإن مجلس الشيوخ -الذي يسيطر عليه الجمهوريون- هو الذي سيتخذ الخطوة التالية بعزله من المنصب بعد محاكمته، وتحتاج إدانته إلى أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ. أما مكمن الخطورة فهي في إمكانية تغيير كبار المؤيدين للرئيس ترمب من داخل الحزب الجمهوري نفسه رأيهم والانضمام للديموقراطيين، خاصة مع زيادة الضغوط وتحول الشارع، الذي أظهر آخر الاستطلاعات موافقة 52% من الشعب الأمريكي على إجراءات التحقيق لعزل الرئيس ترمب.
*-*
يبقي أخيراً التسليم بأنه لم يعبر - حتى الآن - سوى عدد قليل من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عن مخاوفهم العميقة حول تصرفات ترامب. ومع الحاجة إلى أصوات ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ وسيطرة الجمهوريين على المجلس بأغلبية 53 إلى 47، فإن الكفة ترجح لصالح ترامب. لكن إذا أخذنا احتمال تغير مواقف بعض الجمهوريين فإن الصورة ستنقلب رأساً على عقب. ولعل النظر إلى موقف أنتوني سكارموتشي Anthony Scaramucci، وهو أحد أبرز المؤيدين للرئيس ترمب وصديقه المقرب، رئيس الاتصالات السابق في البيت الأبيض، الذي وصف الرئيس ترمب بأنه مُجرم felon، وخائن traitor. فإنه تبقي كافة الاحتمالات مفتوحة. فقد توقع سكارموتشي أن أيام الرئيس ترمب في البيت الأبيض قد أصبحت معدودة، وأنها مسألة وقت قبل أن يتم خلعه من المكتب الرئاسي، وأكد على أن ترمب جاهز للعزل Trump is 'done'.
*-*
وفي كل الأحوال، من المرجح أن تخلق إجراءات عزل ترمب "كابوسًا وطنيًا"، بحسب وصف الباحث الدستوري كاس سونشتاين. بينما صرح كريس ايدلسون الأستاذ المساعد في شؤون الحكومات في الجامعة الأميركية أن أزمة اليوم "هي مواجهة تاريخية". وقال إن تركيز التحقيق الحالي لمقاضاة الرئيس وهو الضغط على زعيم دولة أخرى للتدخل في الانتخابات الأمريكية، "بالتأكيد هو الأول"، مستنكرًا جهود ترامب "الوقحة" مع أوكرانيا.
فماذا تخبئ لنا الأيام.. أو الأسابيع القادمة؟!
------------
*سفير وعضو مجلس شورى سابق
[email protected]