قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يبعث "الحرس الثوري" الحاكم فعلياً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسائل مهمّة وخطيرة الى العالم، بالذات الى القيادات العربية الخليجية، عنوانها الخارجي الانفتاح على الحوار معه بالذات وليس مع الرئيس أو وزير الخارجية، أمّا فحوى الرسائل فإنه يهدّد بإجراءات مصيريّة – إذا استمر تطويق "الحرس الثوري" وحشره في الزاوية – وذلك بعمليات عسكرية اقليمية وبتولي الحُكم علناً في طهران بقبضة حديدية. التاريخ الذي تراه قيادة "الحرس الثوري" خطيراً عليها هو الشق الثاني من نوفمبر المقبل لأن تقديرها يتنبّأ بانفجار داخلي عندئذٍ نتيجة العقوبات الأميركية التي كبّلت الاقتصاد الإيراني، وقراراها هو احتواء واستيعاب الاستياء الداخلي عبر عمليات خارجية ذات طبعة عسكرية تحشد العاطفة القومية وراء النظام. قبل الخوض في هذه المسألة، جولة ضرورية على أبعاد اجتياح تركيا شمال شرق سوريا، وعلى نتائج زيارة رئيس روسيا الى المملكة السعودية ودولة الإمارات العربية.

على صعيد تركيا ومغامراتها السورية، أتى الاتفاق الأميركي – التركي على ترتيبات مؤقتة مرحلية لوقف النار وإنشاء حزام أمني لها شمال شرقي سوريا ليشغل بال روسيا التي أسرع رئيسها فلاديمير بوتين الى دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للاجتماع به في موسكو الأسبوع المقبل في محاولة وضع النقاط على الحروف واحتواء الانجراف. فأردوغان يسبّب القلق لبوتين لأسباب عديدة منها اللاثقة به أساساً ومنها ما قد ينعكس على رغبة روسيا بامتلاك الحل السياسي في سوريا عبر عملية "استانا" التي تضم الثلاثي الروسي – التركي- الإيراني وتعتبرها موسكو حجراً أساسياً لمصالحها وسياساتها في سوريا.

موسكو تبدو أقل قدرة في السيطرة على شريكيها التركي والإيراني في سوريا – وهذا يزعجها. فلاديمير بوتين كان يتمنى ان يقوم بزيارته المهمّة لكل من السعودية والإمارات وفي جيبه أوراق قوية مع كلٍّ من إيران وتركيا. أما وأن الشريكين قد سبّبا له الاحراج عشيّة الزيارتين، فإنه حاول فرملة بعض إجراءات كل منهما، ونجح نسبيّاً.

بوتين أوضح للقيادة الإيرانية موقفه الصارم المعارض لعملياتٍ كان "الحرس الثوري" خطط لها ضد مصالح حيوية في دولة الإمارات العربية واعتبر تنفيذها تقويضاً لسياسته الخليجية بقرار متعمّد مُعادٍ للمصالح الروسية.

فزيارة السعودية والإمارات كانت بالنسبة لبوتين فرصة مميّزة للتعرّف على مدى قدرة روسيا على اختراقٍ ايجابي في الدول الخليجية العربية واستنباض آفاق الخطوات المستقبلية في مختلف المجالات. وبحسب مصدر روسي مطّلع "من المبكّر التحدّث عن شراكات استراتيجية مع السعودية والإمارات، إنما فرص إقامة هذه الشراكات باتت موجودة".

أراد بوتين أيضاً استطلاع آفاق فكرته لإقامة آليّة أمن إقليمي تضم إيران والدول الخليجية العربية بمساعدة روسية. وما طرحه أثناء زيارته هو استعداده للعب دور الميسّر Facilitator بين إيران وهاتين الدولتين. وبحسب المصادر المطّلعة، ينوي بوتين التحدّث مع الرئيس الإيراني حسن روحاني الأسبوع المقبل ليؤكد استعداده للعب دور الوساطة.

العنصر الاقتصادي كان حاضراً جدّاً في محادثات بوتين من ناحية "أوبك" كما من ناحية الصفقات الاقتصاديّة الضروريّة لتوطيد الصداقات. فالاقتصاد الروسي مُتعَب، وبوتين في حاجة لأن تستقر أسعار النفط على حوالى 60 دولار للبرميل إذا كان له تنفيذ مشاريعه الوطنية. انه أيضاً في حاجة الى عقد صفقات بيع الأسلحة الى الدول الخليجية وكذلك الى دول عربية تدعمها السعودية والإمارات وتقوم بتمويل جزئي على الأقل لمشترياتها ومشاريع تصنيع الأسلحة بينها وبين روسيا – والكلام عن مصر التي تعتبرها موسكو ركيزة أساسية في سياساتها نحو الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية.

بيع الأسلحة الروسية ليس فقط مصدراً للاقتصاد الروسي وإنما كذلك وسيلة رئيسية لإثبات رغبة واستعداد موسكو بأن تكون شريكاً اضافياً – أو بديلاً عند الحاجة – للولايات المتحدة الأميركية سيما بعدما أعاد الرئيس دونالد ترامب تعريف قواعد ومعطيات الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الخليجية العربية. فلاديمير بوتين غمز من تلك القناة أثناء زيارته الخليجية وأوضح ما في ذهنه "دون أن ينسى أن هذا الأمر، إذا كان له أن يرى النور، فإنه يتطلب الكثير من الوقت والكثير من العناء والمثابرة"، بحسب المصادر الروسية.

تضيف هذه المصادر أن زيارة بوتين كانت أيضاً "فائقة الأهمية على الصعيد المحلي في روسيا سيما وأن دعم الرأي العام الروسي لسياسة بوتين نحو سوريا انخفض من نسبة 67% عند البداية الى نسبة 12% حالياً. فهذه الزيارة أثبتت ان فلاديمير بوتين ليس في عزلة دوليّة. وهذا مفيد له على الصعيد الداخلي".

الرسالة الأخرى التي تلقاها الرأي العام الروسي هي ان مجالات التعاون مع الدولتين الخليجيتين المهمّتين يمكن أن تشمل، الى جانب الطاقة، مجالات التكنولوجيا والفضاء والتعليم وغيرها، قالت المصادر ذاتها. ولفتت بالذات الى وجود رمزان كاديروف Ramzan Kadyrov في الوفد الرسمي الروسي "كرسالة على أن فلاديمير بوتين يأخذ في الاعتبار مصالح الجالية المسلمة في روسيا".

لوحظ أن الخبراء الروس الذين تحدّثوا عن زيارة بوتين أثناء انعقاد قمة "بيروت انستيتيوت" في أبو ظبي بنسختها الثالثة الأسبوع الماضي حرصوا على إبراز أهمية زيارة فلاديمير بوتين الى السعودية والإمارات من منطلق توجيه رسالة الى واشنطن وهي: أن توجّه السياسة الخارجيّة الروسيّة الى الشرق لا يعني فقط الصين وإنما يشمل الشرق الأوسط وأن التنسيق الروسي والصيني في الإقبال على منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج العربيّة تنسيق مدروس له وزنه سيّما في زمن انحسار الثقة بالجانب الأميركي والتزامه بأمن شركائه.

فقد كان واضحاً أثناء قمة "بيروت انستيتيوت" في مداخلات كبار الشخصيات الأميركية التي شاركت في القمة ان ادارة ترامب أبلغت طهران ما هي الحدود الحمر التي عليها ألاّ تعبرها وهي القوات الأميركية في كامل المنطقة، وأنها أوضحت للشركاء العرب في منطقة الخليج أن الشراكة الأمنية معها لا تشمل التورّط عسكرياً أمّا بالنيابة عنها أو بالشراكة معها وان عليها أن تدافع عن نفسها بنفسها.

أحد المشاركين في الجلسات المغلقة تحدث عن حتميّة تولّي "الحرس الثوري" الحكم رسميّاً وعلناً في طهران ما لم يُقدّم له "تعويض محدود" Limited buyout في شكل آلية أوروبية تسمح له ببيع مليون برميل نفط يوميّاً. قال ان هذه الآليّة الماليّة هي الوحيدة التي يمكن أن تحتوي الانفجار الداخلي المتوقع في أواخر نوفمبر والذي يهدّد مصير النظام في طهران. حذّر من تداعيات حشر "الحرس الثوري" في الزاوية لأن ذلك سيؤدي بهم الى الانقلاب على نظام الملالي ونصب نظام "الحرس الثوري" بكل ما في ذلك من دلالات خطيرة ونزاعات عسكريّة حتميّة.

هذه الشخصية التي لها علاقات مع القيادات الإيرانية داخل "الحرس الثوري" نقلت عنها تهديدها بالانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النوويّة NPT. فردّت عليها شخصية أميركية رفيعةالمستوى بأن هذا خط أحمر واضح المعالم سيؤدي بالتأكيد الى اجراءات أميركية عقابية لأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك الأسلحة النووية.

الأخطر في الرسالة التي حملتها الشخصية الروسية هي إصرار "الحرس الثوري" على منطق النظام القاضي بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تبقى اليوم أو غداً أو أبداً داخل حدودها، وان العودة الى داخل الحدود الإيرانية يهدّد وجوديّة النظام ويؤدّي الى القضاء عليه. وعليه، قالت هذه الشخصية الواسعة الاطلاع على المطالب الإيرانيّة، موجّهةً كلامها الى الكل وخصوصاً الشخصيات العربيّة قالت ان لا خيار آخر سوى تفهّم وتقبّل منطق نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية والرضوخ له. والسبب هو أن في حال تحدّيه، سيتسلّم "الحرس الثوري" الحكم بصراحة وبقبضة حديدية وسيشعل النار في المنطقة بعمليات تهدّد الاستقرار الإقليمي والعالمي.

الرسالة باختصار هي: اعطوا "الحرس الثوري" ما يريد لأن ما تتذمّرون منه سيتضاعف بأضعاف إذا لم تلبّوا طلباته. الرسالة التي نقلتها الشخصيّة الروسية الى العرب هي: اخضعوا للتوسّع الإيراني خارج الحدود الإيرانية وداخل الجغرافيا العربية، وإلاّ فإن الانتقام من عدم الرضوخ سيكون مكلفاً للغاية.

ثم كانت هناك رسالة أخرى نقلتها شخصية إيرانية للغرب وللعرب فحواها: تحدّثوا مع "الدولة العميقة" في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. أي، تحاوروا مع "الحرس الثوري" فقط إذا كنتم تريدون نتيجة. بكلام آخر، ما أوصى به "الحرس الثوري" هو إيصال رسالة تحقير لدوْر الرئاسة الإيرانية وهيئات الحكومة المدنية على نسق وزير الخارجية. فالعنوان بات محسوماً وواحداً وهو: الدولة العميقة، أي، "الحرس الثوري".

لعل ذلك مؤشر على ضعف "الحرس الثوري" واستقتاله على امتلاك القرار والاستفراد به أكثر مما هو مؤشر على قوّته. فهو في مأزق تحت سوط العقوبات التي تطوّقه على مشارف الانقلاب الداخلي عليه، وهو في عزلة دولية ويُصنّف "ارهابياً" لدى واشنطن.

لذلك انه يستدعي الاعتراف به لإعادة تأهيل نفسه داخليّاً وخارجيّاً. يرغِّب بالحوار معه كقناة وحيدة بديلة عن الرئاسة ووزارة الخارجية، لكنه في الوقت ذاته يهدّد بعمليات انتقامية ضد ناقلات نفط تفيد المصادر انها آتية في غضون أسبوعين وعمليات ابتزازية في مواقع سيطرة "الحرس الثوري" في دول عربية سياديّة.

الشهر الآتي مصيري إذا كان توعّد "الحرس الثوري" جدّيّاً وليس مجرّد محاولة يائسة لاستعادة زمام الأمور قبل الانفجار. الغامض الدائم في هذه المرحلة من العلاقة الأميركية بمنطقة الشرق الأوسط هو متى تقرر إدارة ترامب أن إيران عبرت الخطوط الحمر، وهل سترضخ للإملاء الآتي من "الحرس الثوري" بأنه هو الدولة العميقة التي على دونالد ترامب التعاطي معها وليس حسن روحاني أو محمد جواد ظريف باعتبارهما ثانويّين أمام الحاكم الفعلي في الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة.