قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نفّذ الحرس الثوري الإيراني نقلةً مهمة في سياسة التهوّر الاستراتيجي التي اعتمدتها القيادة على مستوى مرشد الجمهورية قبل أربعة أشهر وذلك عبر استهداف منشأتين نفطيّتين سعوديّتين تابعتين لشركة "أرامكو" وصفه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأنه "عمل حربي". غوغائية الواقفين في معسكر الحرس الثوري داخل إيران وخارجها في العراق ولبنان وسوريا واليمن تتّخذ التباهي ركناً لها انطلاقاً مما يعتبره هذا المعسكر جُبناً يكبّل الرئيس دونالد ترامب واستحقاقات انتخابية تمنعه من الرد على الاستفزازات الإيرانية المتكرّرة. براغماتية استراتيجية إدارة ترامب لا تبالي بقهقهات "الحرس الثوري" أو "حزب الله" في لبنان أو "الحشد الشعبي" في العراق، أو الحوثيين التابعين لإيران في اليمن، لأنها تعتقد أنها هي من ستكون الضحكة الأخيرة من نصيبها. فدونالد ترامب رفض أن يقع في فخ استدراج طهران له الى حرب ثنائيّة أو إقليميّة يحتاجها النظام الإيراني كي، أولاً، يقوم بإخماد النار تحت الرماد في الداخل الإيراني ليحتوي الانفجار الداخلي، وكي، ثانياً، يخلق ديناميّةً تُطلِقه من قفص العقوبات التي تُقعده وتوشك أن تُركِعه. دونالد ترامب فاجأ المرشد علي خامنئي مرّةً تلو الأخرى منذ أن اكتفى بالعقوبات قاعِدَةًثابتة لاستراتيجيّة الخنق التي يعتمدها، مروراً بعدم الرضوخ للاستفزازات الإيرانية المتكررة بما فيها إسقاط طائرة مسيّرة أميركية، انتهاءً بمنع دول الاتحاد الأوروبي من الالتفاف على العقوبات والانحناء أمام الابتزاز الإيراني لها. الخط الأحمر شبه الوحيد الذي سيدفع بالرئيس الأميركي الى العمل العسكري المباشر ضد إيران هو إذا استهدف "الحرس الثوري" أو أذرعته في العراق بالذات الجنود الأميركيّين هناك. أمّا إذا استأنفت طهران نشاطاتها النووية غير السلمية، سيكون ذلك خطّاً أحمر من نوعٍ آخر – أي ان دونالد ترامب سيكون في موقع مختلف إذا ما تم انتخابه لولاية ثانية. وعندئذ، لكل حادث حديث. الأهم الآن هو ماذا في بال كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ازاء التحدي الإيراني النوعي الأخير، وهل أطلق النظام في طهران النيران على قدميه عندما استهدف المنشآت النفطية، فاستدعى عكس ما كان يتمناه نفطيّاً، وأوروبيّاً، وصينيّاً، وروسيّاً؟

المصادر المطّلعة عن كثب على هذا الملف ببعديه الأميركي والإيراني أفادت بالتالي:

أولاً، ان جولة العقوبات الأميركية المقبلة لن تكون اعتيادية ولن تتوقف عند إجراء واحد بل سيتبعها إجراءات تتلاءم مع خطوات التصعيد الإيراني. انها قفزة في نوعية العقوبات من خلال فرض حظر تام على أية عمليّات ماليّة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك المداولات المالية بين طهران وعواصم دول الاتحاد الأوروبي.

ثانياً، كخطوة نحو ضرب حصار بحري تام على إيران –إذا استدعت الإجراءات الإيرانية مثل هذا التطور – الأرجح أن تشمل العقوبات منع جميع ناقلات النفط الإيرانية من الإبحار من إيران.

ثالثاً، ستوجّه الولايات المتحدة الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية إنذاراً، قالت المصادر، بأن عليها التخلي عن سياساتها الاستفزازية والعدائية "في غضون أسبوع"، وإلّا فإن الولايات المتحدة ستتبنى إجراءات قاسية "بما فيها إجراءات عسكرية".

الرئيس الأميركي قالها بوضوح بأنه ينظر الى الهجوم على المنشآت النفطية بأنه هجوم على السعودية وليس هجوماً على الولايات المتحدة، وزاد انه لم يقدّم الوعود بحماية السعودية. في الوقت ذاته، تحدّث دونالد ترامب بلغة "مساعدة" ما وصفه بأنه "حليف عظيم لنا" وقال ان هذا الحلف يتعرض للهجوم، "وسنتوصّل الى شيء ما معهم" في وجه هذا الاعتداء. وحرص ترامب على الإضافة "انني لا أبحث عن نزاع جديد. إنما أحياناً لا خيار أمامك سوى ذلك"، أي الخيار العسكري.

لن تتمكّن الولايات المتحدة والسعودية من تجنّب العمل العسكري كليّاً سيما إذا صدقت المصادر التي نقلت عن القيادات الإيرانية ان الحرس الثوري ينوي القيام بالمزيد من العمليات ضد السعودية. فهذه عمليات تم التخطيط لها منذ أشهر، وتنفيذها أتى ليُبرر الوفاء بالوعود التي يقطعها النظام في طهران. ثم ان الطائرات المسيّرة التي تستخدمها طهران كشفت انها متطوِّرة ومُعدَّة ببرمجيات Software جديدة ذات أحكام precision متطوّرة.

في أعقاب إثبات المسؤولية الإيرانية المباشرة عن الهجمات على المنشآت النفطية التي نفّذتها صواريخ "كروز" و25 طائرة مسيرة "درون" قالت وزارة الدفاع السعودية ان جميعها أتى من شمال السعودية، وليس من جنوبها، أي من إيران نفسها عبر الأجواء العراقية وليس من اليمن، سيكون هناك رد.

الرد العسكري لن يكون عملاً حربياً موسّعاً وإنما قد ينحصر في "عمليات عسكرية محدودة" على نسق توجيه ضربات "انتقامية ضد منشآت نفطية إيرانية وليس ضد منشآت عسكرية"، قالت المصادر. وأضافت ان ضربات عسكرية كهذه ضد منشآت نفطية إيرانية ستقوم بها السعودية بمساعدة أميركية، لأن إيران استهدفت منشآت سعودية وقامت بعمل حربي ضد الأراضي السعودية وليس الأميركية. وزادت ان حصر العمليات الانتقامية في نطاق النفط سيُنظر اليه بأنه ردّاً "شرعياً" على الإعتداء الإيراني.

الآراء منقسمة في منطقة الخليج بين مَن يعتبر عدم الرد على إيران صك استباحة سيليها المزيد من الاعتداءات وسينْصُبَقادة طهران صقوراً يملون على المنطقة بعنجهية وغطرسة، وبين رأي آخر خلاصته "إبلعوها" تجنباً لحروب مدمِّرة ستدفع ثمنها الدول الخليجية العربية وتفيد إيران. أصحاب الرأي الثاني يعتقدون ان دونالد ترامب أثبت أن الأميركيين لن يدافعوا عن السعودية وهم "غير صادقين"، قال أحدهم، وان حديث ترامب عن أموال السعودية تسديداً للتحالف معها تجعله "تاجر شنطة يريد أن يبيع ويشتري على الرصيف". معظم الخليجيين يدين ويخشى استراتيجية التهوّر والاستفزاز واستدراج المواجهة العسكرية التي تتبناها طهران، لكنه في الوقت ذاته لا يريد ردّاً عسكرياً أميركياً لأن التدخل الأميركي سيلبّي ما تريده إيران. ثم ان معظم أهل الخليج يراقب الرأي العام الأميركي الذي لن يسمح للولايات المتحدة أن تخوض حرباً مع إيران من أجل السعودية، لكنه لن يرضخ أمام طهران إذا تعدّت على قوات أميركية. وحسب القرار الإيراني حتى الآن، ان طهران حريصة على عدم التطرّق الى الجنود الأميركيين مهما علت نبرة البلاغة الشفوية ضد الولايات المتحدة.

إدارة ترامب تريد "قتل إيران بلا رصاصة" عبر تضييق الخناق النفطي والمالي وتطويق الجمهورية الإسلامية لإتمام عزلتها بأمل أن ينتفض شعبها عليها. ما فعلته إيران بهجومها على المنشآت النفطية أدّى الى نتائج عكسية إذ انه استدعى المزيد من العقوبات الخانقة، وحشد الدعم الدولي للرياض، وحرّك الرأي العام العالمي ضد النظام في طهران.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دان الاعتداءات الإيرانية "بشدّة" قائلاً انها "طالت البنية التحتيّة الاقتصادية خصوصاً انها تؤثّر على الإمدادات النفطية للأسواق العالمية" معلناً استعداد بلاده للمشاركة مع الخبراء الدوليين الذين يقومون بالتحقيقات. الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أكّد مساندة فرنسا ودعمها لأمن واستقرار السعودية وأكّد "ضرورة ألاّ يُظهر العالم ضعفاً تجاه هذه الإعتداءات". فلقد انهال التضامن الدولي مع السعودية والإجماع على إدانة إيران عشيّة انعقاد الجمعيّة العامة للأمم المتحدة وانعقاد مجلس الأمن حول هذا التطوّر. كما ازدادت فرص ترتيب إجراءات جماعية لضمان أمن الملاحة في مياه الخليج وكذلك فرص حشد ديبلوماسية عالمية في وجه طهران.

ضرب المنشآت النفطية التابعة لـ "أرامكو" ضَرَب على الأرجح كل فرصة للقاء بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهذا، لربما، تماماً ما أرادت القيادة الإيرانية على مستوى مرشد الجمهورية وتم تحقيقه على أيادي "الحرس الثوري".

الآن وقد فتحت طهران جبهة مباشرة ضد السعودية عبر حدودها الشمالية، الأفضل لو تساعد الولايات المتحدة السعودية على الانتهاء من حرب اليمن التي لا حاجة لها بها طالما تضمن أمن حدودها الجنوبية. واشنطن تعرف تماماً كيف يمكن لها أن تساعد في تحقيق ذلك بدءاً من توفير معلومات دقيقة من أجل تجنّب الأخطاء بالذات ضد المدنيين، انتهاءً بتفعيل ما كان أعلن عنه وزير الدفاع الأسبق جيمس ماتيس في خطة Blueprint لوقف النار والمفاوضات السلمية قبل سنة.

انها صفحة جديدة يفتحها "الحرس الثوري" لصيانة النظام من إصلاح منهجه. وهو يفعل ذلك لأن تعديل منطقه يعني له إلغاء الذات، لذلك، ان سلوكه لن يتغير. بل ان المزيد من التوتر واللاستقرار آتٍ الى المنطقة.