قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لست غاضباً، كمراقب سياسي، من تصريحات وزير الدفاع التركي خلوصي آكار والتي تهجم فيها على دولة الامارات وتفوه بما لا يليق في علاقات الدول بعضها ببعض، والقائمة على الاحترام المتبادل والالتزام بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لأن تركيا ليست معنية بمحاسبة الدول على سياساتها الخارجية ولا هي في المقعد الذي يخول لها الحكم على رشادة اتجاهات ومواقف الامارات ولا غيرها دفاعاً عن مصالح شعوبها وأشقائها من الشعوب العربية الأخرى ليس لشىء سوى أنها من أكثر الدول اثارة للقلاقل والاضطرابات ونشراً للفتن في منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن.

تصريحات آكار يبدو أنها جاءت انفعالاً وتفاعلاً وتأثراً بتغريدة كتبها مؤخراً د. أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولة الامارات، وحديثه عن أن "معركة تحصين النظام الإقليمي العربي تتعزز كل يوم"، وأن الطريق لا يزال وعراً وهناك توجه عربي متنامي لاستعادة زمام المبادرة اقليمياً وانهاء استباحة الساحة العربية من جانب قوى الهيمنة الاقليمية الايرانية والتركية؛ وشخصياً، كمراقب سياسي، أرى أن دور الثلاثي العربي الفاعل (المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الامارات العربية المتحدة) في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ، يمثل تحركاً مهماً يبقي على نذر الأمل في الحفاظ على ماتبقى من الدولة الوطنية العربية وسيادتها على أراضيها.

هذه التغريدة أوحت للسلطان التركي وحاشيته أن الامارات وأشقائها العرب عازمين بقوة على مواصلة الدفاع عن سيادة ليبيا وسوريا وغيرهم من الدول التي أصبحت مثار أطماع قوى الهيمنة الاقليمية. والحقيقة أن حديث وزير الدفاع التركي جاء كاشفاً بل ويعتبر سقطة سياسية لرجل يبدو أنه لا يعرف كثيراً عن السياسة ودهاليزها، ولا حتى كيفية التعامل مع الاعلام وتفادي الوقوع في أخطاء مكلّفة، لذا نجد الحديث في مجمله وكأنه يقصد بلاده نفسها وأيضاً الدولة التي تحدث من خلال منصة إعلامية تابعة لها وليس الامارات، التي لا لم تعرف يوماً بدعم وتمويل التنظيمات الارهابية، إذ كيف لدولة تتصدر جهود مكافحة الارهاب الدولي أن تدعمه وتموله، وهي من تقف حائط صد في وجه مموليه وداعميه من دول الجوار (!)، ناهيك عن أنه لم يعرف عن الامارات مطلقاً الرغبة أو السعي للهيمنة على الشعوب والدول الأخرى.
صحيح أن المشهد الاقليمي معقد والأمور تختلط على البعض أحياناً فيسقط في فخ الدعاية التركية ـ القطرية ـ الإخوانية الزائفة التي تحاول أن تتدثر برداء أيديولوجي يداعب عواطف البسطاء وأنصاف المتعلمين، ولكن الحقيقة واضحة لكل ذي بصيرة وفطرة سليمة، فلا تركيا تدافع عن الاسلام والمسلمين ولا قطر والاخوان كانوا يوماً من الساعين لنصرة العرب ولا الاسلام ولا المسلمين، لأنه ـ ببساطة ـ ما تشهده الكثير من دولنا العربية في هذه الحقبة المظلمة من تاريخنا المعاصر ليس سوى نتاج التآمر بين المخطط والمدبر التركي والممول القطري والأذرع الأخوانية.

اعرف أن البعض من الموهومين والمنتفعين وأصحاب المصالح لا يزالون يجادلون بأن تركيا تدافع عن الاسلام والمسلمين، ولأن هؤلاء لا يقرؤون بل يرددون ما يملى عليهم فإنا ادعوهم لقراءة التقرير الذي نشرته صحيفة "تلجراف" البريطانية بتاريخ 26 يوليو الماضي تحت عنوان How Turkey is sending Muslim Uighurs back to China without breaking its promise، الذي تفضح فيه كيف يتاجر نظام السلطان التركي بقضية مسلمي الأيغور وادعاءاته الكاذبة في هذا السياق، ولست هنا في معرض الحديث عن أبعاد هذه القضية التي تخص الأمن القومي الصيني، ولست كذلك من هواة السير في ركب المغرر بهم في مثل هذه القضايا السيادية لدولة كبرى مثل الصين، ولكني فقط أريد تسليط الضوء على نموذج من نماذج زيف السياسة والادعاءات التركية التي تتاجر بمسلمي الايغور تماماً مثلما تتاجر بقضية اللاجئين السوريين ووظفتهم سياسياً ومالياً بل وعسكرياً أيضاً، وحصلت من خلال استخدامهم كورقة تهديد في ابتزاز الخزانة الأوروبية والحصول على أموال تقدر بحوالي ستة مليارات يورو (تصريحات المسؤول المعني بشؤون الاتحاد الأوروبي في وزارة الخارجية التركية في 14 ديسمبر 2019) وإلا فإن البديل هو "فتح الأبواب" للاجئين للوصول لأوروبا!

لم يكن مناسباً إعلامياً ولا من اللائق سياسياً أيضاً أن يشير الجنرال آكار إلى الامارات ويدعوها للنظر إلى "ضآلة حجمها ومدى تأثيرها"، فهذه النصيحة كان أولى بها حلفائه ومموليه في الدوحة ولا تنطبق أبداً على الامارات، التي أصبح لها دور اقليمي ودولي فاعل يزعج قوى اقليمية تقليدية في مقدمتها تركياً، التي تتسم مواقفها ونظرتها للأمور بنعجهية ونظرة استعلائية فارغة تتكىء على ماض اندثر وتاريخ توسعي زاخر بقصص الفشل والفضائح والمؤامرات والفتن قضت وملىء بالاخفاقات والخيبات!

كما لا أدرى، شخصياً، كيف يحق لقوة استعمارية سابقة أن تدعي حقاً في ليبيا، وتنكر في الوقت ذاته حق الدول العربية التي يربط بين شعوبها ودولها مصيراً وتاريخاً ومنظومات عمل جماعي وأطر مؤسسية ناظمة للعلاقات العربية العربية؟!

يقول الجنرال آكار أيضاً في حديثه أن بعض التصريحات المصرية "تكون مستفزة" مع إن الدبلوماسية المصرية تبدو على قدر هائل من ضبط النفس والصبر والوعي والتريث الاستراتيجي" بل لا يصدر عن القيادة المصرية سوى ما يرسم حدود السياسة المصرية وخطوطها الحمر التي يجب على الآخرين مراعاتها للحيلولة دون استفزاز مصر واثارة غضب جيشها، وهذا مثال آخر على عدم إدراك الساسة الأتراك لأبعاد الموقف الاقليمي والضوابط والمعايير الاستراتيجية الدقيقة، التي تحول دون اندلاع صراع اقليمي واسع.
ليس لذلك كله من تفسير، برأيي، سوى "العمى الاستراتيجي"، الذي تحدث عنه مولود داود اوغلو وزير الخارجية التركي في إطار تعليقه على المواقف المصرية والفرنسية تجاه ليبيا، فالعمى الاستراتيجي هو السمة الطاغية على رؤية السلطان التركي وحاشيته في الوقت الراهن وليس على رؤية الأطراف الأخرى ومواقفها؛ فهذا العمى هو ما يفسر قول الجنرال آكار أنه "إذا لم توقف الإمارات والسعودية ومصر وروسيا وفرنسا دعمها للواء المتقاعد خليفة حفتر، فلن تنعم ليبيا بالاستقرار، وإذا استمرت هذه الدول بدعم حفتر فإنه بإمكاني أن أقول: إن الطريق المؤدي للسلام في ليبيا سيكون أطول بكثير"، وليس لذلك من تفسير سوى العنجهية التركية الفارغة والنهج الاستعماري الذي يسعى السلطان لاستدعائه من أدراج التاريخ!