قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مرت أكثر من سنة ونصف على مؤتمر ميونيخ الأمني، وسط أجواء من الصراعات الجيوسياسية العالمية المتفاقمة حينها. و كانت لهذا الاجتماع، أهمية حيوية خاصة، لأولئك الذين كانوا يتكهنون، انهم سيوجهون بوصلة السياسة العالمية، لعقود قادمة.

وأبرز مساهمة في ذلك المؤتمر التاريخي، هو تداول كعنوان رئيسي مفهوم : Westlessness

فليس من السهل، ترجمة هذا المفهوم بدقة، يمكن فقط تقريبه دلاليا، بـ "تراجع الغرب" أو افول حضوره، ويمكننا القول أن جوهر هذا المفهوم، يلمح إلى خلافات عميقة داخل تحالف معسكر الشمال الأطلسي.

فهو حابل بالأسئلة الأساسية، حول مستقبل الغرب الأوروبي، بالإضافة إلى قضايا أخرى، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومواقف الولايات المتحدة المفارقة والمنحرفة.

فمن بين الاسئلة التي أثيرت، في تلك الفترة الصعبة، ما إذا كان العالم، أصبح أقل تشبعا بالقيم الغربية، المتعلقة بالديموقراطية، والأمن والسلام، وما إذا كان الغرب نفسه، أصبح أقل وفاءا لها، وماذا سيعني هذا لبقية العالم، إذا غادر الغرب المشهد الدولي بشكل متزايد.

فمفهوم "Westlessness" كان يعني مجملا: شعور واسع النطاق بعدم الارتياح والقلق، في مواجهة حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن الهدف الدائم للغرب، مع ما يبدو أن العديد من التحديات الأمنية، أصبحت لا تنفصل عما، وصفه البعض بانطفاء وهج المشروع الحضاري الغربي.

فلقد كان موضوعا، شديد التوتر وسط إحساس متنامٍ، من جانب الكثير من الخبراء، بأن الفهم المشترك لدى الدول الكبرى، كاد في ظل الفرقة، أن يفقد ما يعنيه، أن تكون منتميا لمنظومة الغرب وعراقة قيمها.

وبالتالي، لم يكن أحد الأهداف الرئيسية لذلك المؤتمر الأوروبي، استكشاف هذه القضايا فحسب، بل أيضًا البدء في مواجهة تحد استراتيجي رئيسي للشركاء، حول ما إذا كان الغرب، قادرًا على الخروج باستراتيجية مشتركة، لما قد يكون حقبة جديدة، مشحونة بالتهديد و المنافسة.

كثير من المتشككين صرحوا، أنه لن يتغير شيء كبير، في اتجاه إيجابي على الأقل، طالما أن توجهات السياسة الامريكية متذبذبة.

فالاشكال يبقى متعنتا، وصعب الحل، لان الغرب ليس فقط مجتمع قيم، بل هو أيضًا مجتمع مصالح تتضارب، فعندما تتشابك القيم، وتفقد شفافيتها المعهودة، تنحرف للتركيز على المصالح. وفي هذه اللحظة الأخيرة من عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، يمكن أن تكون، هذه الحقبة، هي الظرفية المناسبة، للبدء في إعادة مراجعة الأسس البانية، لغرب مترنح في مواقفه.

لكن كان من المتوقع إلى حد ما، تآكل النفوذ الغربي في ضوء ديناميات القوى العالمية المتغيرة، والتي تشمل صعود الصين، والتطور الاقتصادي السريع للهند، وحضور روسيا العسكري، مع تزايد قوة الاقتصاديات الناشئة، فمن المنطقي أن يكون هناك، من وراء هذا التوزيع، تشتت أكبر للنفوذ، ولهذا ليس من المرجح، ربما، أن يستعيد الغرب، في وقت قريب، التأثير الذي كان يتمتع به في القرن العشرين.

فلقد أدت استراتيجية "أمريكا أولاً" التي قال بها ترامب إلى تفتيت مواقف الغرب، وتآكل الزعامة العالمية للولايات المتحدة، في وقت تنمو فيه القوة الصينية، في جميع أنحاء آسيا وخارجها.

وأصبحت العلاقات بين امريكا والصين أكثر تنافسية حيث تتنافس هاتان القوتان، على الاكتساح والنفوذ، بكل الألاعيب والحيل خارج الاعراف الدولية.

بالموازاة استيقظت أوروبا اخيرا على سجال كبير، حول السيادة التكنولوجية والاستقلال الاستراتيجي العسكري، متأهبة الى ترجمة هذا التحدي إلى واقع وعمل.

ولقد تولد مفهوم "انحسار دور الغرب الاوروبي" في أذهان الخبراء، متزامنا مع تراجع الدور العالمي للبنية السياسية والعسكرية، المتجسدة في حلف الشمال الأطلسي.

فالوسواس، الذي يولد الشعور بإقتراب زلزال "عدم الاستقرار" هو أن أوروبا مغمضة العينين، تغوص مزيدا في مشاكلها الداخلية. بالإضافة إلى ذلك، ان بعض المشكلات العالمية الأخرى التي تبدو خارج الإطار الأوروبي، على وشك خلق أزمات حقيقية لها، رغم البعد الجغرافي، لكن من الصدق القول، أن القارة العجوز، ليست مستعدة الساعة لرفع هذا التحدي. أن العالم الغربي، الذي تمثله أوروبا بشكل أساسي، فقد قدرته على حل المشكلات محليًا وعالميًا، وخاصة في المناطق التي رآها ذات يوم كمجال حيوي له.