في كل مرة حين أتلقّى دعوة لحضور ندوة مُخصصة للرواية العربية أتساءل: لكن ما الجدوى من المشاركة فيها؟ وما الذي سأجنيه إن أنا فعلت ذلك؟ والسؤالان مشروعان في نظري لأسباب عدة.
منها أني أكره خصوصا بعد أن تقدمت في السن، واخترت الإقامة في ريف القيروان، بعيدا عن العاصمة، وعن المدن الكبيرة أن أنتزع من وحدتي لأرمي بنفسي بعيدا عن عالمي الخاص، وعن الورقة البيضاء التي أحاول في كل يوم أن أخط عليها بعضا من افكاري وخواطري ومشاعري. وحين أعود من سفرة ما، أحتاج إلى عدة أيام لكي أستعيد النسق الذي تدربت عليه جيدا في الكتابة كما في الحياة. ثم إني حضرت على مدى الثلاثين سنة الماضية، العديد من الندوات، ومنها عدت ب "خفّي حنين" كما تقول العرب في القديم، ولم أكن أحصل منها إلاّ على القليل من المتع هي غالبا ما تكون ثمرة لقاءات حميمة مع أصدقاء أحبهم، ويحبونني على ما أظن، غير أن الظروف المادية، وغير المادية تحول دون لقائهم في الأوقات التي تكون صالحة لذلك.
الأمر الآخر هو أن الكتّاب الذين تعلمت منهم ولا زلت أتعلم منهم، كانوا دائما يُنجزون عملهم في الصمت والعزلة. ولا أخفي أنني غالبا ما اشعر بالغبن لأني أصدرت الآن أكثر من عشر روايات لاقت جلها استحسانا واعجابا لدى القراء والنقاد، وترجم البعض منه إلى لغات أجنبية، إلاّ أن المحصول المادي كان هزيلا للغاية بحيث ظللت مجبرا على القيام بأعمال صحفية مُنهكة للجسد والروح، وحارقة للأعصاب لكي أضمن لنفسي عيّشا متواضعا للغاية.
وهناك حقيقية مرة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن الكاتب العربي يُعاني من اليتم ومن الإهمال حتى أنه يشعر أحيانا أنه كائن زائد عن اللزوم في مجتمعات مُنصرفة عن القراءة انصرافا يكاد يكون كليا، مُستمدة قوتها الثقافي من المسلسلات التلفزيونية الرديئة، و ومن برامج التسلية المبتذلة التي تعرضها الفضائيات العربية. مجتمعات غارقة في التزمت والأوهام والأكاذيب والظلمات إلى درجة أنها تتصدى بعنف لكل من يسعى إلى اشعال شمعة في العتمة اللامتناهية.
وقد قرأت ذات مرة في كتاب لحكيم قديم أن الكلمة لا تسقط أبدا في الفراغ. لكني أكتب منذ خمسين عاما، ودائما يلازمني نفس الشعور وهو أن كلماتي تسقط في الفراغ دائما حتى وإن حظيت بشيء من الاهتمام في بداية نشرها. كما أن الناشر يتفنن في سرقة حقوقي القليلة، ويسمح لنفسه بابتلاعها كلها من حياء . فإن أنا رغبت في الاحتجاج، يرفع صوته بالتشكي والتذمر إلى درجة اشعاري بأنه لا يملك ثمن عشاء ليلته القادمة. حتى الناشر الذي كنت أعتقد أن صديق لا يمكن أن يخون، يطعننني في النهاية ويمضي في حال سبيله وكان شيئا لم يكن. وفي النهاية لا يتبقى لي من متعة الكتابة سوى مشاهدة روايتي معروضة في واجهة مكتبة كبيرة في العاصمة، أو حين يستوقفني قارئ في الشارع ليعبّر لي عن اعجابه بما أكتب.
الحقيقة الأخرى هي غياب النقد الجاد بسبب طغيان المجاملات التي تحولت إلى أداة قوية في يد "المافيات " الثقافية التي تكاثرت في جميع أنحاء العالم العربي لتشريع الرداءة والابتذال، والدفع بكتّاب متوسطي الموهبة، أو منعدمي الموهبة إلى الصف الأول ليتحولوا إلى نجوم يتمتعون بأرفع الجوائز، وبأرقى الامتيازات. وفي كل مرة أدلي برأيي في رواية من الروايات التونسية أو العربية التي "تصنع الحدث " في حين أنها لا تعدو أن تكون عملا انشائيا مملا وسطحيا، أجدني عرضة لتهجمات عنيفة من أطراف متعددة، ومن أناس لا يفرقون بين القلم والهراوة، ولا يكلفون أنفسهم حتى قراءة ولو بضعة سطور من عمل من أعمالي. وجميع هؤلاء يَتّحدون ويتعاضدون لكي يحوّلوا رأيي إلى شتيمة للرواية التونسية، أو للرواية العربية... حدث لي هذا أكثر من مرة، وكانت ردود الفعل على آرائي في هذه الرواية او تلك "إرهابية" بالمعنى الحقيقي للكلمة.
وسأكتفي هنا بالإشارة إلى البعض من آرائي...
أولها أني أحترز كثيرا من عبارة" رواية عربية" لاعتقادي أن ذلك خادع ومُضلل. وهو بالأحرى استعمال أيديولوجي يُحيل إلى الفكر القومي الديماغوجي، ويَحيد بنا عن المفهوم الصحيح للفن الروائي. وأن أعتقد أن هناك روايات عربية، وليس رواية عربية واحدة ذلك أن روايات عربية تعكس التعدد الجغرافي، والسياسي، والاجتماعي، والديني، والثقافي، والأنثروبولوجي، وحتى اللغوي في العالم العربي إذ أنه يتعيّن علينا ألا نُهْمل وجود أقليات اثنية ودينية ولغوية في العديد من البلدان العربية. وهي أقليات فاعلة في النسيج الثقافي في البلدان التي تنتمي إليها. بل قد تكون فاعلة أكثر من الأغلبية. والأمثلة على ذلك كثيرة في لبنان، وفي العراق، وفي مصر، وفي سوريا...
إن التعدد هو جوهر الرواية ذاته كما يقول الناقد الروسي باختين. لذا يمكن القول أنها-أي الرواية- أحدثت ثورة جذرية في الخطاب الإنساني، وحررت النوايا والمقاصد الثقافية والعاطفية والانفعالية التي تكون خاضعة للغة المركزية الواحدة. وإذن فإن الرواية كما يقول المكسيكي كارلوس فيونتس هي وسيلة حوار بالمعنى الواسع للكلمة. حوار ليس فقط بين الشخصيات الروائية، ولكن أيضا بين اللغات، والأساليب الفنية، والقوى الاجتماعية، والمراحل التاريخية المُتباعدة والمُتقاربة.
اعتمادا على كل هذا، أعتقد أن استعمال "رواية عربية" يُنسفُ منذ البداية الحوار مع الآخر، القريب خاصة. ذاك الآخر الذي يمكن أن "يهبني ذاتيّ كما يقول باختين، ومن خلاله أستطيع أن أرى الجانبَ المُتخفي من نفسي. كما أنّ استعمال العبارة المذكورة، أي "رواية عربية"، يوحي بأن هناك كاتبا أو مجموعة من الكتّاب يكتبونها، وهم يعيشون تحت سقف واحد، ويتشابهون في طريقة العيش، وفي الذوق، وفي اللباس. والحال أن الواقع ليس على هذه الصورة النمطيّة. فالرواية في المغرب، ليست الرواية في تونس أو الجزائر أو ليبيا. والعكس بالعكس. والرواية في مصر ليست الرواية في لبنان أو في سوريا، او في العراق، أو في المملكة العربية السعودية. أو في السودان، أو في الأردن. والعكس بالعكس. بل قد تكون في البلد الواحد عدة أنماط من الرواية.
وكل رواية تعكس المنطقة التي إليها ينتمي الكاتب، والواقع الذي منه استوحى شخصيات وأحداث روايته. وعندنا في تونس مثلا كاتبان عاشا في نفس الفترة، لكنها كانا مختلفين في كل شيء. فمحمود المسعدي (1911-2005) جَنَحَ في عمليه المعروفين :"السد" ، و"حدث أبو هريرة قال...." إلى التجريد، والغموض على الطريق الوجودية، مُتخيّرا لغة عربية تذكرنا بلغة التوحيدي، والمتصوفة المسلمين، مُعيدا الحياة إلى الخبر العربي القديم كما في "المقامات"، وكما في "الأغاني". أما البشير خريف، ابن الجنوب التونسي، والذي أمضى الشطر الأكبر من حياته في الجزء العتيق من تونس العاصمة، فقد رسم صورا حية لهذين الفضائين، مُفضلا اللهجة الدارجة في الحوارات، وحتى في عناوين رواياته على العربية الفصحى...
على مدى يزيد على نصف قرن، ظل الفكر القومي الديماغوجي بشعاره الفضفاض: "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" مُهيمنا ثقافيا وسياسيا، ومُلاحقا كل من يعارضه أو ينتقده. بل قد ينعت ب"خيانة الأمة" كاتب أو شاعر خرج عن القطيع الخنوع ، رافضا أن يذوب صوته في أصوات الآخرين. أمّا الآن فأعتقد أنه حان الوقت لوضع حدّ لكل هذا عبر الإقرار بالتنوع وبالاختلاف في جميع المجالات، بما في ذلك مجال الرواية.
الجانب الآخر الذي أريد أن أتطرق إليه هو "الرواية والمدينة" ، وهو جانب كان موضوعا للعديد من الندوات في بلدان وفضاءات عربية مختلفة... وأنا أذكر أنني حاورت في صيف1986 في مدينة هامبورغ الألمانية الكاتب الإيطالي المرموق ألبرتو مورافيا الذي كان آنذاك من ضمن المشاركين في المؤتمر العالمي ل"نادي القلم". وقد قلت له بإن البعض من الروائيين العرب يعتقدون أن الرواية مرتبطة بالمدينة. بل قد لا تكون هذه الرواية أو تلك رواية بالمفهوم الحقيقي للكلمة إلاّ إذا ما كانت مرتبطة بالمدينة... باسما قال لي صاحب "امرأة من روما":" هذا كلام فارغ... كل الفضاءات صالحة للرواية... بما في ذلك الأرياف، وصحراء العرب المترامية الأطراف".
والحقيقة أن ربط الرواية بالمدينة لم يكن مقبولا بالنسبة لي منذ البداية إذ أنني تعلمت من الكتّاب التي تأثرت بهم، أن الكاتب الأصيل هو ذاك الذي يغوص بنا في العالم الذي يعرفه جيدا، بقطع النظر عن الفضاء الخاص بهذا العالم سواء كان ريفا أو مدينة أو بحرا أو جبالا، أو جزيرة أو غير ذلك. فنجيب محفوظ عرّفني بحواري القاهرة القديمة. ويوسف ادريس قادني إلى أرياف مصر المحاذية لنهر النيل. والطيب صالح سافر بي إلى لندن ، ثم عاد بي إلى قرية سودانية صغيرة على ضفاف النيل. وبالزاك أدخلني إلى بطن ذلك "الوحش الهائل" الذي هو باريس. وطاف بي دستويفسكي في الأحياء الخلفية لسانت بطرسبورغ.
وكشف لي جيمس جويس عن جوانب خفية من حياة أهالي دبلن. وقادني غوغول إلى سهوب روسيا حيث الفلاحون الغلاظ الأشداء، والسكيرون العنيفون. ومع فوكنر وجدت نفسي في مقاطعة من صنع خياله فيها يكثر الصخب والعنف، وفيها تتخذ الجريمة والعنصرية أشكالا مرعبة. إلاّ أنني سرعان من انتبهت إلى أن تلك المنطقة الخيالية هي في الحقيقة الجنوب الأمريكي، وتحديدا منطقة المسيسيبي.
ووصف لي جون شتاينيك حياة المزارعين الأمريكيين الفقراء في سنوات المجدب والمجاعة. ومع خورخي لويس بورخيس أدركت أن العالم لا يعدو أن يكون متاهة، وأنه بإمكان الكاتب أن يتنقل بين الأزمنة والأمكنة شرط أن يكون مُلمّا الماما واسعا بثقافات الشعوب القديمة والحديثة على حد السواء.
وعندما شرعت في الكتابة، وكان ذلك في سن السابعة عشرة، خيّرت من دون أيّ تردد أن أكتب عن الناس الذين عاشرتهم عن كثب، أولئك البدو الفقراء الذين يعيشون في الفيافي، شبه مقطوعين عن العالم، ومُجبرين على قطع المسافات المديدة لجلب ما يحتاجونه في حياتهم اليومية.
وتروي قصة من قصصي في تلك الفترة المبكرة وقائع حادثة مُريعة هزّت دشرتنا وأنا في الخامسة عشرة من عمري. فقد دفع الجفاف العديد من أهلنا إلى الرحيل إلى الشمال للعمل في حقول القمح التي يملكها المزارعون الكبار. وفي الطريق تلدغ أفعى طفلا في العاشرة فيموت أمام عيون والديه المفجوعين. أما القصة الثانية فأروي فيها وقائع حادثة مأساوية أخرى تتمثل في وفاه طفل آخر من العطش في يوم صيفي شديد الحرارة. وحتى عندما انتقلت للإقامة في ميونيخ، لم أنقطع عن الكتابة عن الريف القاسي الذي فيه عشت وترعرعت، وظل أهله حاضرين في العديد من قصصي، وأيضا في رواياتي.
إن مواضيع مثل "الرواية والمدينة" مواضيع فضفاضة محببة للأكاديميين الجوف، المحبوسين في المكاتب الرمادية التي يكاد ينعدمُ فيها الهواء النقي. لذلك تسمح لهم مثل هذه المواضيع بالثرثرة الفارغة على مدى ساعات طويلة. وهذا ما يحدث في جلّ الندوات العربية. وأذكر أني حضرت ندوة عن الرواية في طرابلس ، وفيها تحدّث جامعي تونسي يزعم أنه خليفة المسعدي أكثر من ساعة من دون أن ينطق بفكرة نافعة أو مفيدة. ونفس الأمر حدث أكثر من مرة في مؤتمر الرواية بالقاهرة حيث يقدّم جامعيون من مختلف البلدان العربية دروسا مملة ومضحكة عن فن الرواية، معتقدين أن دروسهم صالحة لصنع مواهب روائية بنفس الطريقة التي يصنع بها الدجاج الاصطناعي. وأمام كل هذا يشعر الكاتب الحقيقي بالنفور والتقزز إذ أنه يرفض المواضيع المعلبة، والجاهزة المعدّة لغرض واحد ألا وهو حبسه في داخلها لكي يُحْرَمَ من التحليق عاليا، ومن المضيّ بعيدا في كشف، المحرم، والمغيب، والمهمش، وإظهار ما هو خفيّ وسري.
وكنت قد كتبت في التسعينات من القرن الماضي مقالا عن "الهوس العربي بالرواية" مشيرا فيه إلى أن الرواية أصبحت بمثابة الحمار القصير الذي يركبه من هبّ ودبّ . وهو ما عكسه الواقع في تلك الفترة حيث صدرت العديد من الروايات في بلدان عربية مختلفة دلت على أن أصحابها لا يمتلكون أدوات الرواية لا اللغوية، ولا الأسلوبية، ولا الفنية. كما أنهم أظهروا جهلهم بالأعمال الروائية التي شكلت عبر مختلف مراحل التاريخ نقلة هامة وجوهرية في مجال فن الرواية. وبهوسهم بكتابة الرواية، أهملوا كل هذا ليصدروا أعمالا تافهة وسطحية ولا هدف لهم من ذلك سوى الحصول على لقب روائي. لكني سأقتصر هنا على واقع الرواية في تونس...
بعد تجربتي المسعدي، والبشير خريف، لم تعرف تونس سوى تجارب روائية قليلة وجلها فاشلة لأن أصحابها حسبوا أن تقليدهم للمسعدي يمكن أن يُتيح لهم الحصول على لقب روائي. وهذا ما فعله كل من محمود طرشونه، وصلاح الدين بوجاه على سبيل المثال لا الحصر. إلاّ أن الأعمال التي أصدرها هذان الجامعيّان كانت تافهة وسطية إلى درجة أن القارئ الجاد ينصرف عن قراءتها قبل أن يُكمل العشرين صفحة الأولى من أيّ عمل من الأعمال.
وحتى عندما حاول صلاح الدين بوجاه الذي كان مُهتما بعمله السياسي كنائب في برلمان نظام بن علي على مدى 15عاما أكثر من اهتمامه بالأدب، أن يُطوّر تجريته فإنه ظل يراوح مكانه، مُصدرا الرواية تلو الأخرى. وكل واحدة منها تكرر نفس الطرق الفنية الركيكة، ونفس اللغة الانشائية الثقيلة، ونفس الأسلوب الجاف، ونفس المواضيع الغائمة والمفتعلة. أما محمود طرشونه فقد حوّل فشله الذريع في أن يكون خليفة للمسعدي إلى سلاح يتصدى به لكل مبدع حقيقي في فن الرواية، مسكونا بحقد دفين لم يبرأ منه حتى وهو الآن على مشارف الثمانين من عمره.
وفي سيرته الأدبية، أشار عز الدين المدني من دون أن يرفّ له جفن أنه روائي. لكننا لا نجد له أثرا واحدا في مجال الرواية، وليس في رصيده الأدبي إلى حد الآن سوى مجموعتين قصصيتين :الأولى :"خرافات" أصدرها في السبعينات. أما الثانية :"حكايات من هذا الزمان فقد أصدرها في الثمانيات من القرن الماضي. ومن المؤكد أنه نسب لنفسه لقب روائي في سيرته لأنه كان يحتاج إلى ذلك للتضليل بهدف الفوز بجائزة العويس الكويتية.
لكن انطلاقا من بداية الألفية الجديدة، بدأ عدد الروايات التي تصدر في تونس يرتفع شيئا فشيئا ليصبح غزيرا خلال العشرية الأخيرة. وقد يعود ذلك أساسا إلى الجوائز التي أصبح يتمتع بها فنّ الرواية مشرقا ومغربا. لذلك أقبل على هذا الفن كثيرون بينهم شعراء بالخصوص، وجامعيون متقدمون في السن لم يسبق لهم أن جربوا من قبل كتابة الرواية أو القصة. وكان المنصف الوهايبي من بين الشعراء الذين ورّطوا أنفسهم في كتابة الرواية. وقد فعل ذلك مدفوعا لا بهدف تطوير الرواية في تونس، وإنما بالطمع في نيل واحدة من الجوائز الخليجية الرفيعة. وفي سيرته هو ينسب إلى نفسه ثلاث روايات. الأولى حملت عنوان: "هل كان بورقيبة يخشى معيوفة بنت الضاوي".
وأنا أتساءل مُتعجّبا ومُستاء: كيف سمح المنصف الوهايبي لنفسه باعتبار هذا المقال الذي يتضمن خواطر مشتتة ومتفرقة، من دون أن تكون هناك شخصيات أو أحداث أو موضوع واضح، رواية؟ الرواية الثانية التي نال بها جائزة الكومار الذهبي، وهي أرفع جائزة تونسية تمنح سنويا لأفضل عمل روائي، فقد كانت بعنوان :" عشيقة آدم". وهي عبارة عن رسائل فقيرة في معانيها، وفي أسلوبها يتبادلها كاتب مع صديقة له عبر الفيسبوك. وهي مثل الأولى خالية من الشخصيات ومن الأحداث وتغلب عليها الخواطر المصطنعة بحيث لا نعثر فيها على أية إثارة فنية أو لغوية أو فكرية أو غيرها... وأما الثالثة :"حديث الافك "فإن المنصف الوهايبي يكثر من الحديث عنها إلاّ أنها لم تصدر عن أيّ دار نشر تونسية أو عربية. وليس هذا بالأمر الغريب عنه لأنه عودنا دائما بأن ما يعنيه بالدرجة الأولى ليس الفن في مفهومه العميق والأصيل، وإنما صيد الجوائز بأية طريقة وبأية وسيلة.
الجامعي الآخر الذي ورّط نفسه في كتابة الرواية هو شكري المبخوت. فعل ذلك وهو على مشارف الستين مُصدرا رواية "الطلياني" التي حصل بها في ظروف مشبوهة على جائزة البوكر الاماراتية . وقبل إصدارها تدخّل زملاؤه لمراجعتها ليحذفوا منها قرابة150 صفحة. ومُستعلا منصبه كرئيس لجامعة منوبة، جنّد شكري المبخوت طلبته وزملاءه ووسائل الاعلام التي اشترى ذمم البعض من العاملين فيها بإحداث جائزة تمنحها جامعة منوبة لأفضل اعلامي ( وهو أمر غير قانوني) لكي تكتسب روايته المذكورة شهرة لا في تونس، بل في العديد من البلدان العربية الأخرى.
وفي "الطلياني" تطرّق شكري المبخوت إلى يسار السبعينات من القرن الماضي، مُوحيا أنه عارف بتاريخه، وبخفاياه وأسراره. والحال أنه لم يكن "يساريا" في أيّ يوم من الأيام. فعندما كان اليساريون في السجون، وفي المنافي، وأمام المحاكم، وكان آخرون مفصولين عن عملهم، ومحرومين من خبزهم اليومي، كان هو طالبا لا طموح له سوى نيل الشهادات. وعند تخرجه، فتحت له الأبواب في عهدي نظامي بورقيبة وبن علي فارتقي درجات الوظيفة بيسر ليصبح أخيرا رئيسا لجامعة منوبة. لكن حال سقوط نظام علي، شرع في اختلاق الأكاذيب لتلميع صورته، ناسبا لنفسه بطولات يسارية وهمية، وزاعما أنه كان من كبار المعارضين للنظام المنهار ناسيا أنه كان من المثقفين المدللين في فترة حكمه، وأنه كان يكتب في صحفه ومجلاته، ويحظى بامتيازاته.
وحين نقرأ "الطلياني"، يتبين لنا أنه اكتفى بنقل ما كان يروى في المقاهي والكواليس والمجالس عن يسار السبعينات، من دون أن ينفذ إلى الأعماق ليكشف لنا حقائق مُغيبة أو مجهولة. لذا ظل يمرح على السطح، مستعملا لغة تقريرية جافة. ولإثارة القارئ، لجأ إلى تصوير مشاهد جنسية اباحية مفتعلة. أما شخصيات الرواية فقد جاءت باهتة، وسطحية، ومُفْرغة من الحياة، ومن الحيوية.
ومتحديا الذين كشفوا ضعف رواية "الطلياني" شكلا ومضمونا، ردّ شكري المبخوت خلال السنوات الخمس بإصدار مجموعة من الروايات انصرف عن قراءتها حتى أولئك الذين رفعوه عاليا في بداية اقتحامه لفن الرواية، ونفخوا في صورته لكي يوهموه، ويوهموا أنفسهم بأنه "الروائي الأول" في تونس. وحتى رواية "الطلياني" فقدت اللمعان الذي حظيت به عند صدروها، بعد أن كشف البعض من النقاد النزهاء والعارفين بفن الرواية خواءها، وزيف صاحبها، وألاعيبه الخبيثة لنيل الشهرة.
وقد غرّرت الشهرة المزيفة التي حُظي بها شكري المبخوت بالكثير من الكتّاب والكاتبات من جيل الثمانيات والتسعينات فسمحوا لأنفسهم باقتحام عالم الرواية من دون اكتساب لأدواتها الفنية والأسلوبية، ومن دون معرفة بالأعمال الروائية العالمية القديمة والحديثة. وجميع هؤلاء ظنوا أن الانطلاق من مواضيع جاهزة مثلما فعل شكري المبخوت في "الطلياني"، وفي بقية رواياته، يمكن أن يسمح لهم بالتمتع بلقب "روائي". وهذا كان حال الجامعية أميرة غنيم في روايتها:" نازلة دار
الأكابر" التي نوّه بها أستاذها شكري المبخوت، واعتبرها بلغته الركيكة المفخّمة "فتحا كبيرا في الرواية التونسية". لكن عند قراءتنا لهذه الرواية التي تعود بنا إلى ثلاثينات القرن الماضي، أي إلى فترة ظهور المصلح التونسي الطاهر الحداد الذي انتصر لحرية المرأة في كتابه :" امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، نُعاين أنها في الحقيقة موضوع انشائي طويل وممل بحيث لا يقدر القارئ النبيه أن يكمل الثلاثين صفحة الأولى منه. واللغة الخشبية الجافة التي كتب بها ، تزيدنا اقتناعا بأن هذا الجامعية لا علاقة لها بفنّ الرواية لا من قريب ولا من بعيد. فأين إذن هذا "الفتح الكبير" الذي يتحدث عنه شكري المبخوت ؟
آخرون تطرقوا هم أيضا إلى مواضيع جاهزة مثل موضوع الهجرة السرية، وموضوع التسفير الى بؤر الجهاد والذي يشغل التونسيين منذ اقتحام حركة النهضة الاخوانية للمشهد السياسي، وغير ذلك من المواضيع التي تحتل الصدارة في وسائل الاعلام بمختلف أنواعها. واللافت للنظر بالنسبة لهؤلاء المُتهافتين على كتابة الرواية، هو أنهم يُغلّبون الموضوع الذي إليه يتطرقون على الشخصيات لتذوب فيه ذوبانا يكاد يكون كليا. ومن فرط سيطرة الموضوع عليها، تتحول الشخصيات إلى أشباح قاتمة، فاقدة لحيويتها، وشبه مشلولة لتكون الرواية في النهاية مجرد سرد رتيب للأحداث. كما أن أعمال هؤلاء غالبا ما تكون خالية من أيّ ابتكار لغوي أو أسلوبي أو فني لتكون جميعها مُتشابهة في لغتها الانشائية، وفي رتابتها، وفي سطحيتها.
أما الأمر الآخر فهو افتقار هؤلاء إلى تجارب حياتية ثرية وعميقة تتيح لهم النفاذ إلى أعماق النفس البشرية، وتجعلهم يغوصون في الواقع لكشف ما هو مخبوء ومُغيّب ومستور. وغياب التجربة عندهم يعود إلى انهم يعيشون حياة مُتماثلة، مجردة من المفاجآت ومن الأحداث التي تدفهم إلى امتحان انفسهم. "حياة من بدايتها إلى نهايتها من سمو أو سقوط، ومن دون مخاطر أو هزات، بأحداث خفيفةـ وبوتيرة هادئة وفاترة" بحسب تعبير ستيفان زفايغ. لذا تأتي أعمالهم عاكسة لحياتهم التي لا تختلف عن حياة الموظفين الصغار الذين يعيشون حياة بائسة جوفاء، موسومة بالضجر والكآبة وانعدام الجرأة والمغامرة. ينضاف إلى كل هذا افتقارهم للفضول المعرفي، ونفورهم من الفنون الأخرى مثل السينما، والمسرح، والفنون التشكيلية، والموسيقا.
لهذا السبب، نحن نعاين أن الشخصيات في أعمالهم تشبههم تماما. فهي أيضا لا تعير اهتماما للفنون التي ذكرنا، ولا نلاحظ لها مكانا في حياتها، وفي توجهاتها. ولأنهم يتشابهون في الحياة وفي الكتابة، فإنهم يتوحّدون للتصدي لكل من يتجرأ على فضح عيوبهم، وسطحيتهم. وفي البرامج الثقافية في وسائل الاعلام، يحرص كل واحد منهم على مدح الآخر في غياب كامل لأي شكل من أشكال النقد الجاد والموضوعي. وللسيطرة على المشهد الثقافي، أنشأوا ما يشبه "المافيات" للسيطرة مستعملين مختلف الألاعيب والدسائس لمصادرة الجوائز لصالحهم، مُطلقين حملات مُغْرضَة بهدف تشويه المبدعين الحقيقيين في مجال الرواية، والحطّ من شأنهم، والتعتيم على أعمالهم.
يُشير الفصل التاسع عشر من "سفر التكوين" إلى تدمير مدن السهل. وقبل ذلك كان الربّ قد وَعَدَ النبي إبراهيم أنه لن يُنفّذَ ما كان قد عزم عليه بهدف مُعاقبة أهل سدّوم وعمورة إن هو عثر فيهما على خمسين بارّا. وخشية عدم العثور على مثل ذلك العدد، ظل النبي إبراهيم يُلحّ على الربّ في انزال العدد إلى العشرة، ثم إلى الخمسة. وفي النهاية لم يتبق سوى لوط. لكنه لم يكن كافيا لمنع تخريب وتدمير المدينتين المذكورتين.
ونظرا لانعدام البارّين، خرّبت العديد المدن العربية في زمننا. تمشي في هذه المدن فكأنك تمشي وسط الخرائب والأطلال، ومن حولك الناس كأنهم أشباح ضائعة، فاقدة للحياة، ومسلوبة العقل والروح. مدن يُهيْمنُ عليها اليأس والخوف في النهار كما في الليل. تُرى أيّ مصير ينتظرها بعد كل هذا الخراب الذي حلّ بها، والذي كان في جزء كبير منه بفعل حكّامها وشعوبها؟ وكان التونسيون ينتظرون الفرج بعد انهيار نظام بن علي، إلاّ أن ذلك لم يتحقق لهم بل ازدادت أوضاعهم سوءا وتعفنا حتى أنهم باتوا يحنون إلى ما أصبحوا يسمونه ب"الماضي الجميل"، إي إلى عهدي نظام بورقيبة وبن علي. وقد يعود ذلك لا فقط إلى الإسلام السياسي المتمثل في حركة النهضة التي استغلت فرصة سيطرتها على المشهد السياسي على مدى العشر سنوات الماضية، لتنشر الفوضى وتُشرّعَ العنف والدمار والإرهاب والجريمة السياسية، وإنما أيضا إلى أحزاب وتنظيمات يسارية ونقابية لا برامج لها سوى بيع الأوهام والأكاذيب، وتزييف الواقع لكي توهم التونسيين أنها تمثل أملهم في مستقبل أفضل يضمن لهم الاستقرار والأمن والعدالة الاجتماعية.
وأنا منذ البداية، لم أكنّ من المهللين لما سًمي ب"الربيع العربي". فقد استنتجت من خلال ما حدث في العراق، أن سقوط الأنظمة الموصوفة ب"الديكتاتورية" لا يعني بأيّ حال من الأحوال المرور مباشرة إلى نظام ديمقراطي يضمن الاستقرار والأمن للبلاد والعباد، ويُحقّق العدالة الاجتماعية المرجوّة. وكنت قد دُعيت إلى معرض الكتاب في براغ إثر سقوط نظام بن علي بثلاثة أشهر فقط. وكان جل الكتّاب العرب المدعوين إلى المعرض مُستبشرين خيرا ب"الربيع العربي" بمن في ذلك المغربي الطاهر بن جلون، والمصرية منصورة عز الدين. إلاّ أنني أعلنت في كل الجلسات التي خُصّصت لنا أن البلدان المعنيّة ب"الربيع العربي" سوف تشهد أوضاعا صعبة، بل مأساوية. وقد حدث ما توقعته في البلدان المذكورة.
وفي تونس، هاجمني الكثيرون بسبب موقفي، لكني صمدت وتحديتهم بروايتي التي حملت عنوان :"أشواك وياسمين" وفيها أرسم صورا مرعبة عن الفوضى المدمرة التي استفحلت بعد انهيار نظام بن علي، وعن العنف والإرهاب وكل أشكال الجريمة السياسية وغيرها التي كان الإسلام السياسي متمثلا في حركة النهضة الإسلامية ضالعا فيها. وفي روايتي المذكورة، استحضرت مخلد بن كيداد المُكنّى ب "صاحب الحمار" الذي أحرق تونس في القرن العاشر ميلادي مُلمحا إلى أنه عاد من جديد في صورة زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي. وفي روايتي الثانية التي صدرت عن دار الآداب قبل ثلاث سنوات، بعنوان:" لا نسبح في النهر مرتين" أرسم لتونس بعد انهيار نظام بن علي من خلال ثلاث شخصيات مختلفة، صورة مرعبة لما حدث فيها من خراب ومن دمار ومن أزمات دفعت البعض إلى الانتحار أو إلى الجنون مثلما حدث لسليم، أحد الشخصيات الثلاث في الرواية. كما أتطرق إلى أحداث تاريخية عاشتها تونس قبل الاستقلال وبعده. وقد تكون أدت إلى "ربيع الدمار والخراب"...
وطوال مسيرتي الأدبية لم أتقيّد قط بأيّ نمط من أنماط الكتابة. وفي كل مرة أسعى إلى ابتكار ما يُناسب عملي الجديد. وأنا مرة مُقيم ومرة مرتحل. مرة أختار العيش في مدن كبيرة ثم أهجرها للإقامة في مدن صغيرة، أو في الريف مثلما هو حالي الآن. وبفعل الهزائم المرة التي منيت بها، أنا مرة متفائل، ومرة متشائم، ومرة متشائل مثل بطل اميل حبيبي في رائعته: "الوقائع الغريبة في حياة أبي النحس المتشائل". وفي الحياة كما في الكتابة كنت مُنشقّا أيضا. لذا خيّرت منذ أن انفصلت عن أفكاري اليسارية في نهاية السبعينات من القرن الماضي أن أكون نفسي فقط لا غير.
ودائما أسعى في الكتابة إلى أن أجدّد لغتي، وأسلوبي، وأدواتي الفنية ليس فقط اعتمادا على القراءة ، بل اعتمادا على الفنون الأخرى خصوصا السينما والموسيقا والفنون التشكيلية، وعلى خوض مغامرات جديدة تُعيد لي القوة والحيوية، وتدفع بي إلى الأمام لاقتحام ما كان مجهولا وغائما بالنسبة لي. لذلك أشعر أنني عشت أكثر من حياة مواجها الزمن دائما وكأنه "يبحث عني" كما يقول شكسبير، ومُتحديا الخوف من ويلات الدهر رغم أنه لا مورد رزق لي سوى قلمي. وأنا أعلم جيّدا أنني مُحاصر، ومظلوم، إلاّ أنني لا أشتكي ولا أتذمر، بل أجيب دائما الذين يُناصبوني لي العداء، ويسعون لإيذائي بشتى الطرق والوسائل، بمواصلة العمل في الصمت وفي العزلة لإنتاج أعمال جديدة تعكس "الهوة التي نمشي فيها مُتحسّسين طريقنا مثل العميان" كما يقول ستيفان زفايغ.















التعليقات