تعلّمنا من الدراسة في كليات الإعلام أن هناك فرقاً بين الإعلام المهني والمحايد، وأنه لا يوجد إعلام منصف لتبرير تغييب المهنية، حيث تنعدم الحقيقة ومصادرها عن رواية الخبر وأركانه. لكن كيف إن إستطاعت قناة أن تجمع النقيضين وأن تنسف تلك القاعدة الإعلامية وأن توصل إلى الرأي العام الخبر من دائرة غير الممكن إلى الممكن.

فضائيتا "الحدث" و"العربية"، جعلتا الرسائل الإعلامية تطرق أبواب عقول المتلقين قبل أن تدركها وسائل التواصل الأخرى، والأكثر أنها خلقت فارقاً بين الإعلام المهني و"البروباجندا".

تجدها موجودة في كل الأحداث والبقاع حيث لا خطوط حمراء للحصول على المعلومة.

في أكثر الفضائيات أو حتى تلك التي تدّعي التميّز، فإن صفة الخبر العاجل الذي يسرد الحدث بكلمات متواضعة أسفل الشاشة لاختصار ما يحصل، لكن فضائية "الحدث" تجعلك تشاهد الخبر والصورة معاً، وربما تجعلك تعطي تصوراً أو تخيلاً لرسم الحقيقة أو النتيجة.

سجلت فضائية "الحدث" حضوراً في أحداث تظاهرات تشرين التي انطلقت عام 2019 في العراق ضد حكومة عادل عبد المهدي، وخلّفت أكثر من 800 قتيل وأكثر من 30 ألف جريح، وكانت كاميرا "الحدث" وشقيقتها "العربية" حاضرة في ساحة التحرير، حين كانت أغلب القنوات العراقية وحتى العربية تلتقط الأخبار من مواقع التواصل الاجتماعي أو صور من هنا وهناك لمشاركين في التظاهرة.

كانت "الحدث" حاضرة على جانبي المتظاهرين والقوات الأمنية تنقل ما يجري وتضعها أمام المشاهد وتجعله يقرر ويستنتج من مجريات الأحداث الخلاصة، حتى أصبحت مرجعاً إعلامياً للكثير من الفضائيات التي تستنسخ الخبر أو تعتمد المصداقية من نشرات أخبارها.

"الحدث" استطاعت أن تتفاعل مع كل الأحداث، حتى تمكنت من إستيعاب الرأي والرأي الآخر حين أدركت أن العالم أصبح قرية صغيرة يستوعب كل الآراء.

ورطة بعض الفضائيات العربية التي تخالف "الحدث" و"العربية" أنها لا زالت لا تفرق بين مبدأ صنع المعلومة وبين فكرة نقل المعلومة التي لا تحتاج إلى جهد عسير في إعدادها، حيث اعتمدت أغلب الفضائيات على هذا النوع في مصادر أخبارها، يضاف لها افتقار تلك الفضائيات إلى وجود مراسلين أو "لوغو" في مواقع الأحداث الساخنة أو الدول ذات التأثير السياسي وصنع القرار، مما يسهل عملية نقل الخبر من مصادره الموثوقة بعملية استنساخ، مع إضافة بعض الرتوش أو التكهنات حسب ما تقتضيه الحاجة أو توجهات القناة.

إقرأ أيضاً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي توقع الموت... حقاً؟

ليس من باب المجاملة أن ندّعي أن أغلب مقدمي نشرات الأخبار في "الحدث" و"العربية"، إضافة إلى مهنيتهم، تسجل لهم براعة في انتزاع الأجوبة من الضيف، والأكثر في استمالة ضيوف نشرات الأخبار لطرح ما عندهم من معلومات وأسرار قد لا تُذكر في نشرات الأخبار للفضائيات الأخرى.

ليس اعترافاً بقدر ما هو حقيقة أن أغلب المسؤولين ورجال السلطة في العراق يتسابقون للظهور أمام كاميراتها لطرح أفكارهم أو ما تجود به آراؤهم السياسية، بالرغم من انتقادهم لتوجهات القناة الحيادية التي تتعارض رسالتها الإعلامية في كثير من الأحيان مع أفعال السلطة، يرافق ذلك بساطة وعدم تكلّف مقدم نشرة الأخبار في طرح الأسئلة بعيداً عن التشنج والتبرج المتواضع للكثير من مقدمات نشرات الأخبار عكس الأخريات في بعض القنوات وكأنهن عارضات أزياء.

إقرأ أيضاً: هل يستحق الكردي الموت؟

"الحدث" و"العربية" منصات إعلامية أصبحت مدارس في صناعة الخبر وتأثير ما وراء ذلك الخبر من خلال مطابخ إعلامية تجيد فن إيصال الرسالة الإعلامية إلى المتلقين بعيداً عن ألاعيب الفبركة والتدليس.

بعكسها الفضائيات العراقية التي أصبحت أغلبها عبارة عن دكاكين لا تُجيد فن تسويق وبيع البضاعة بعد أن ازداد أعداد موظفيها حين أصبحت مهنة مَن لا مهنة له اليوم، دون إنتاج إعلامي مميز يعكس واقعاً مؤلماً لخراب وفشل يهدد هذا القطاع والخوف من وقوعه في وادٍ سحيق مظلم.