نحو إنشاء (محكمة دولية للإرهاب) (3 ـ 4):
عمّال على الطريق: مفكرون ومؤسسات وإعلاميون
ثانيا: المرجعيات الفكريَّة:
كشفت عملية التغيير السياسي بالعراق عن عمق حجم تمسُّك عدد من المفكِّرين العرب وكذا الغربيين بالرموز السياسية العربية المتسلِّطة التي تحكم بلدان عدَّة بالوطن العربي والآفاق الإسلامية، كان هؤلاء المفكرون خلايا نائمة تبرِّر للتسلُّط والقمع والإنفراد بالحكم حتى الممات، وكان عدد كبير من هؤلاء ساكتين عمّا كان فعله ويفعله الحكَّام الطُّغاة في الوطن العربي، وعندما أخذ أحدهم انهياره إلى المعتقل ظهرت أصوات هؤلاء المفكرون تطالب بعودتهم، وتبرِّر لهم جرائمهم السابقة، وصاروا يتسابقون لما لهم من علاقات قوة في المؤسسات الفكرية العربية، وصار الإسلامي منهم داعية لتحرير العراق من دنس العراقيين الكُّفار الذين جاءوا على متن دبابة أمريكية، وصار القومي منهم داعية لتحرير العراق من براثن العالمية الأمريكية القادمة للعراق لمسخ هويته القومية، وصار اليساري منهم داعية لتحرير الهيمنة الرأسمالية الجديدة القادمة إلى بلاد النفط، وصار الشعراء منهم يشكون خلو الجيب من دولارات صدام التي كانت تهيئ لهم أجواء شاعرية في مقاهٍ فرنسية لكتابة قصيدة تتغنّى بإله القتل الجماعي، وفي النهاية صارت هناك نخبة من الانتلجنسيا العربية ـ الصدامويَّة تنسج خطابها كبكائيَّة حنينية إلى طاغٍ مرتهن في سجن محكمة العُتاة الكبار، والمؤسف لدى هؤلاء أنهم يلوكون بنية مفهوماتية مفرداتها الإسلامية والقومية واليسارية والإلهامية في الحنين إلى ماضٍ أسود للتغطية على ما يثوي في مخيالهم وشعورهم الذي غالبا ما يغلِّفوه بعبارات يصدِّقها الرأي العام بجذب شاعري دون تمحيص، أي للتغطية على جوهر تماهيهم مع الحُلم الصدامي: دولة أموية أو يزيديَّة لا مجال فيها للطوائف والأعراق المهمَّشة في العراق، وهي الدولة التي فشل صدام، رغم قمعه الدموي والجهوي، في تحقيقها، الدولة التي لا تريدها الديمقراطية الأمريكية القادمة إلى العراق الجديد.
لقد اجتهدت هذه المرجعية الأموية في تكريس خطابها منذ سقوط إلهها الأموي في نيسان (أبريل) 2003 ببغداد، إنه خطاب متطرِّف هو الآخر حثَّ ويحثُّ في مفاعيله على العنف والإرهاب، بل هو كلمّا تصيَّر فعلاً ملموسا، وهو صائر بالفعل، سيكون أرضية خضراء للتطرُّف والإرهاب والعُنف، وإذا لم يكن الضمير البشري يحدُّ من سلطة التطرُّف لدى هذه الانتلجنسيا، فإنَّ الردع القانوني الدولي هو الكفيل بأنْ يحدّ من سلطة هؤلاء المفكرون العمياء التي تلوك مفهومات شائقة، وإن كانت بالية، لتضحك عبْرها على ذقون الرأي العام بينما تُضمر خطابا يريد قلب الأمة على أهلها وتاريخها، وتكبيل البشرية مزيد آلام ومآس وإراقة دماء.
ثالثا: المرجعيَّات المؤسساتية:
يلتقي أهل الخطاب الإرهابي عند مرافئ المصالح المشتركة، سواء كانوا فقهاء أم مفكرين أم عمّال انتحار، ولم تعد عملية تصريف مصالح هؤلاء مقتصرة على مقار الأحزاب أو غرف معزولة في بيوت، إنما صار لهم مؤسسات ومصانع، بل ومصارف وشركات تجارية عابرة موّزعة بالعالم. وفي سنوات قليلة وجد أهل الحماسة الإسلامية أنفسهم متعولمين، لأنهم منخرطون في مؤسسات شبكية، وهذا الطابع الشبكي نجح في تمويلهم بالمال والمعلومات والتحرُّك اللوجستي الدقيق، وهذه المرجعية هي التي يسَّرت تنفيذ حادث الحادي عشر، وهي نفسها اليوم تُدعم العُنف في العراق، فللمتطرِّفين الإسلامويين مواقعهم الانترنيتية، ولهم شبكاتهم المعلوماتية، كذلك لهم التمويل المالي الشبكي، ومن يقرأ كتاب جان شارل بريز وغيوم داسكيه: ( بن لادن: الحقيقة المحظورة، تالة، ليبيا 2002) يُصدم بحجم التنظيم المؤسساتي الشبكي الذي ابتناه بن لادن على نحو إمبراطوري في دول العالم، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ حادث الحادي عشر..، ومن خلال الحملة الدولية على الإرهاب، نجحت في السيطرة على مئات الآلاف من المؤسسات التي تموّل الإرهاب، إلاّ أنَّ المرجعيات المؤسساتية ما زالت تدعم الإرهاب في العالم، خصوصا المؤسسات التمويهية التي ينخرط تحت خيمتها الدعم المالي والمعلوماتي واللوجستي للمجموعات الإرهابية؛ ففي دولة خليجية.. جُمعت أموالا ضخمة لدعم العنف والإرهاب الأموي بالعراق، وفي سوريا ما زالت الحركات اليسارية واليمينية العربية فضلاً عن الإسلاموية تجمع المال لدعم الإرهاب هناك، وفي وقت سابق من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2004 كشف حازم الشعلان، وزير الدفاع العراقي، عن دعم ليبي للإرهابيين في العراق مصدره العقيد القذافي نفسه، بينما سمحت دولة عربية مجاورة للعراق في اجتماع لجهات تدعم الإرهاب بالعراق كما قال الوزير الشعلان. وفي لبنان وسوريا والكويت والسودان ومصر هناك عددا من المؤسسات الجوامعيَّة أو المساجديَّة تنظِّم حملات تطويع المقاتلين لتجنّدهم إلى العراق.
حتى اللحظة تبدو المرجعيات المؤسساتية لا تعمل بالظل أو بالأسود، إنما تعمل تحت ضوء الشمس للحثِّ على العُنف، والحث على دعم الإرهاب بالعالم من خلال قنوات التبرعات أو غيرها من الأساليب، ومن دون رادع قانوني بسبب وجود فجوات كثيرة في العالم الثالث نجحت القوى الإرهابية في استثمارها لصالحها، ورغم وجود قوانين دولية رادعة، إلاّ أن تجديد هذه القوانين، وإنشاء محكمة دولية لمحاسبة المرجعيات المؤسساتية الداعمة للإرهاب صار ضرورة قصوى.
رابعا: المرجعيات الإعلامية:
الأكثر ترويجا للعنف والإرهاب هو العدد الكبير من المؤسسات الإعلامية في الشرق الإسلامي، مؤسسات الصحافة الورقيّة والمسموعة والمرئية التي أبدت مشهدا غريبا في الترويج لمشاهد العنف بالعالم. لقد وظَّفت هذه المؤسسات مرجعيات فقهية (قناة الجزيرة، الصحف القطرية، الصحف الإسلامية في الوطن العربي)، كما أنها وظَّفت مرجعيات فكرية ومؤسساتية لصالحها، والعلاقة بين خطاب تنظيم (القاعدة) والخطاب الإعلامي القطري واضحة كل الوضوح إلا أن التناقض هو أن يجمع الخطاب الإعلامي القطري في دفاعه وترويجه للعنف مفاعيل الخطاب الإسلاموي الجذري مع مثيله الخطاب القوموي الجذري الذي مثله نظام صدام في مشهد واحد! لقد وصل الأمر بقناة (الجزيرة) أن يوزِّع عمّالها (مراسلوها والعاملون في مكتبها ببغداد) دولارات قليلة لجائعين عراقيين، يزودوهم بصور صدام، ويطلبون منهم التظاهر بالحنين إليه!! ولنا في التحليل التلفازي السيميائي درسا جميلاً في هذا السياق، فقبل أنْ يتم الطلب من مسئول القناة في بغداد غلق المكتب، كان العاملون في (مكتب بغداد) قد اختاروا صورة لمنطقة (صداميّة الكرخ) التي تعتبر مرتع صدام أيّام ضياعه في وقت سابق من القرن العشرين، وجعلها (الخلفيّة Background) الدائمة لأي صورة قادمة من العراق سواء كانت خلفيتها حية ومباشرة (Live) أو على طريقة الـ (Playback)، ولا أدري هل هذه الخلفية هي التي تمثل رمزية العراق؟ بالطبع كلا، لكن الصداميين العراقيين الذين اخترقوا قناة (الجزيرة) أرادوا إظهار ولائهم للنظام السابق، وبدا الخطاب الإعلامي لهذه القناة صداميا كما شاءوا، هذا من حيث تماهي القناة مع الخطاب الصدامي الذي يُعدُّ خطاب إرهاب وقتل وقمع، أما من ناحية التماهي الفكري مع خطاب العنف الصدامي فيكفي استعراض أسماء المحلِّلين الذين وجدوا في القناة فضاءً لاستعراض تطرُّفهم ودعمهم للعنف بالبلاد. ولا يكاد الأمر ليختلف مع القناة التابعة لأحزاب إسلامية تدّعي حبّها للعراق مثل قناة (المنار) وقنوات إسلامويَّة وعروبويَّة أخرى نهجت السبيل ذاته.
الإعلام المرئي ليس هو الوحيد الذي كرَّس صوراً تحريضية للعنف والإرهاب، فإلى جانب ذلك هناك الإعلام المكتوب أو المقروء، وفي مجاله حدِّث ولا حرج، فهناك جريدة (القدس العربي) وغيرها في مصر مثل (الأسبوع العربي)، والأمر ذاته ينطبق على الإعلام المسموع. لقد وظَّفت هذه الوسائل كل المرجعيات المتطرفة الحاثَّة على العنف والدمار التي تبارك عملية إراقة دماء الأبرياء في العراق وغيرها من مدن الصراع بالعالم، وللأسف كانت المرجعية الإعلامية من هذا النوع قد اعتمدت على رأسمالين في تنضيد رؤاها، الرأسمال الأول هو طبيعة التكوين القُطري أو المحلي للعاملين في المؤسسات الإعلامية العربية؛ فهم فلسطينيون وجزائريون ولبنانيون وأردنيون عاشوا في كنف العُنف والإرهاب في مجتمعاتهم، وكان هؤلاء ينظرون إلى النظام العراقي السابق بأنه المخلص للأمة والمانح للأمان في عالم لا أمان فيه، والرأسمال الثاني هو علاقتهم المصلحية مع النظام السابق بالعراق، فقد كشف وثائق بعد انهيار النظام عن صلات مالية بين عدد منهم والنظام البعثي بالعراق، فمثلما كان منهم محرِّرون وصحافيون تلفازيون يقبضون أجورا شهرية من مخابرات صدام، كذلك كان منهم مسئولون إداريون كبار في التلفازات الفضائية العربية هم أيضا يقبضون هبات مالية كبيرة لدعم مشروع صدام الإرهابي في المنطقة العربية.
















التعليقات