لا ينتظر المجاهدون في العراق سبباً للقتل ليقتِلوا. إنهم في عجلةٍ من أمرهم تجعلُ البحثَ عن سببٍ للقتل بطراً، وانتقاء الأهداف ترفاً لا يليق بالرجال. هم يفتكون لأن أسباب القتل كالمعاني "مطروحة في الطريق"، فمادام العراق في قبضة أميركا أرضاً وماءً وسماءً، بشراً وموارد طبيعية ومؤسساتٍ، فإنّه ساحةُ قتلٍ. حيثما انفجرتْ سيّارة مفخخة فانها تنفجر على هدف مشروع، من الفضولِ التفكيرُ بشرعية الهدف قبل الضغط على الزرّ المميت. ووقتما شعر المجاهد بالجوع وأراد الغداء "أو العشاء" مع رسوله الكريم سيجدُ أن حزامه الناسف أصاب في الصميم جنديَّ احتلال أو أحدَ أعوانه أو جمعاً من اتباع إحدى الفرق الضالّة، وما أكثرها في العراق. ليس في العراق أبرياء. هناك فقط مجاهدون وأهداف. العراقُ حقلُ رمايةٍ لا يخطئ السهمُ فيه غرضه أبداً. ألمْ يقلْ قائلهم: إرمِ قبعتك في ساحة عراقية حاشدة تقع على رأس شاعرٍ. ذهب ذلك الزمان، إرمِ الآن قنبلتك اليدويّة "ان كنت مجاهداً حقاً" في الساحة ذاتها ستقع على رأس كرديّ مرتدّ أو شيعيّ هو أشدّ كفراً من اليهود والنصارى "بشهادة المغفور له ابن تيمية الحرّاني"، أو صابئيّ عابدٍ للكواكب، أو سنيّ لكنه قبوريٌّ أو صوفيّ يتوسّل بالأولياء، أو أيزيديّ عابد لملك طاووس، أو نصرانيّ ساجدٍ للصليب، أو كاكائيّ يعبد عليّاً دون الله. أما أفراد الحرس الوطني (يسميّهم أخونا الزرقاويّ الحرس الوثنيّ) والشرطة وموظفو دوائر الدولة فإن مِهَنُهم تريحنا من عناء التفتيش عن عقائدهم. وهكذا تجد ان لله في العراق مأدبةً لا تبالي يدُ الآكل حيث وقعتْ، فإنها واقعة على الحلال الطيّب. وحيث ثقفتموهم! لم يحدثْ أن أعطى الله لمجاهديه أرضاً كالعراق فيها هذا القدر من القتل مع براءة الذمّة: بلدة طيّبة للقتل وربّ غفور. انه فردوس المجاهدين الذي لم ينلْه سعد بن أبي وقّاص ذاته حين كان في أرضٍ ملؤها الشبهات يصرخ: (اعطوني سيفاً مبصراً يقول هذا كافر وهذا مؤمن لأقاتل)، ففي العراق المحتلّ اليوم، كلّ السيوف "عمياء كانت أو مبصرة" مأجورة إن شاء الله، وأشدّها عمىً أكثرها مضاءً وأوجعها على الصليبيين وأعوانهم "أعوانهم هم العراقيون غير المجاهدين".

حين أُحرِقتْ جثثُ رجال الأعمال المدنيين الأميركان في الفلوجة وعُلّقتْ كأضاحي العيد على الجسر وتقافز حولها أطفالُ أبناء ضباط المخابرات الفلوجيون، أصدرنا "أنا والشاعر عبد الخالق كيطان" بيانَ استنكارٍ لهذه البربريّة، جاءنا ردّ من مثقف عراقيّ ساخراً منّا بلغة شوارعية تليق به، قال "إن المقاومة لن ترحم من يريد أن يأتي العراق ليصبح مليونيراً!". هذا المثقف نفسه أراد في مقال لاحقٍ أن يعانق الزرقاويّ "الحافي كالمسيح" ليسقطا معاً في لحظة إغماء.

هكذا ... ليس على المقاومين إلا أن يضربوا بسيف أعمى، ثمّ على المثقفين أن يكتشفوا لاحقاً السببَ الموجِبَ للضرب. ولن يعدم مثقفٌ عرف تقليبَ الأمور على وجوهها، أن يجدَ الحكمةَ التي توخّاها المجاهدون الأبطال من استهدافهم لهذه الأضحية أو تلك.

العراق أرضُ جهادٍ بلا أخطاء، وعملُ المجاهدين عملٌ بلا خطايا. وكم يبدو جهادُ المجاهدين أسهلَ وأقلّ كلفة أخلاقية من عمل المحللين السياسيين الذين يبرّرون لهم جهادهم. فهؤلاء المجاهدون لا يحملون من صحابة الرسول أسماءهم فقط (أبو حفص وأبو سفيان وأبو دجانة) بل يحملون صفة أعمق كانت "ولازالتْ؟" ملازمة للصحابة والرعيل الأول من المؤمنين وهي أنْ لا أخطاء لهم، وان وُجدتْ فإن لهم جوائز ترضية: أجرٌ واحد لكلّ خطأ، مقابل أجرين لكلّ إصابة.

عبثاً يتعِبُ المثقف نفسَه في تبرير ما لا يكلِّفُ المجاهدون أنفسهم عناء تبريره. يقول الزرقاويّ "الذي قارنه مثقف عراقيّ بغيفارا" أنه قتل محمد باقر الحكيم وثمانين من الروافض في أحد مراقد الشيعة الكفريّة، فيروح المثقف صارفاً الوقت والجهد لإثبات أن الإنفجار دبّرته أجهزة الموساد أو إيران. ثمّ يقول الزرقاويّ أنه يريد جرّ الشيعة إلى حرب أهلية مع السنة لتنبيه أهل السنّة الغافلين (وياغافلين لكم الله) فتتعالى أصوات مثقفي العراق ان أميركا هي التي تخطط لحرب أهليّة. كأني بالزرقاويّ نفسه يضحك من عقول هؤلاء المثقفين الذين أدمنوا تأويل وضوح الزرقاويّ وصدقه الكبير وعدم لجوئه ـ مثلهم ـ إلى النفاق. حتى انه اضطر أخيراً إلى القول صراحة: نحن ضدّ الديموقراطية وضدّ من يؤمن بها. اذ الديموقراطية بدعة وكلّ بدعة ضلالة .. إلى آخر الموشّح الأندلسيّ.

سببُ ارتياح المجاهدين وشعورهم أنهم في بيتهم وبين أخوتهم هو كونهم في العراق الذي كلّه أهداف مشروعة أولاً، ثمّ وجود هذا الكمّ من المثقفين والكتبة المستعدين لحمل أخوتهم على سبعين محملاً ليس من بينها المحمل الذي يصرّح به الزرقاويّ نفسه علانيةً، حتى اذا شقّ الأمرُ على هؤلاء الكتبة أنكروا وجود الزرقاويّ، وعدّوه خرافةً. وهكذا فان الزرقاويّ لا يخطئ وإن أخطأ فله أجر، وان لم يكن له أجر فهو غير موجود ببساطة.

لو كنتَ أنت الزرقاويّ هل كنت تحلم بدلال كهذا؟ يقف خلفك جيشٌ من المطيبين والمبخرين الذين يسحرون أعين الناس ليروا جرائمك بطولات، وإن أتيتَ بالعار محضاً فإنهم يجعلونك غير موجود، نسياً منسيّاً؟

هذا في الدنيا. وفي الآخرة رضوان من ربك ومغفرة وأجر كبير.

كلّ عمل باسم الجهاد مبرئٌ للذمّة. كأنما الشيطان الرجيم نطق بالشهادتين فصار أخاً لنا بالاسلام، وما همَّ بعدها ان ظلتْ أفعاله شيطانيّةً مادمنا أحرزنا صدقَ إسلامه.

مَنْ قتلَ ابْنَيْ مثال الآلوسي بالأمس فهو بريء الذمة حتماً. مع ان القتيلينِ ليسا هما اللذينِ زارا إسرائيل، ومع ان من يزور اسرائيل ـ مع ذلك ـ كثرٌ في دنيا العرب، ومع انهما ليسا بالضرورة مع " الصليبين الكفرة". ومع أنه (ولاتزر وازرة وزر أخرى)، إلا ان كلّ ذلك تفاصيل. فهما أولاً عراقيان. وماداما كذلك ستجد بعد التنفيذ سبباً يوجب قتلهما. نفّذْ أولاً ثمّ ناقشْ ، وهنا يأتي دور المثقف العراقيّ الذي ارتضى لنفسه هذه المهمة المنحطّة: تبييض صفحة أخينا المجاهد، الشيطان الناطق بالشهادتين.
لن يقف مع مثال الآلوسيّ من هؤلاء المطيبين أحد "علمانيين وماركسيين متقاعدين وليبراليين كذبة" لأن مثال الآلوسيّ لا سند مقدساً له، لا آية عنده ليقذفها في وجوهنا ولا حزاماً ناسفاً، إن له رأياً عبّر عنه، قاله وفعله. ومن يكنْ سلاحه الرأي يحكمْ على نفسه أن يكون هدفاً لشياطين المجاهدين ولدجاليهم المثقفين.
ويا مثال الآلوسيّ ... أنا أختلف وإيّاك في زيارتك لإسرائيل، جدواها وتوقيتها، وقد لا أشاركك خطّك السياسيّ بمجمله لكني الآن معك بكلّ ما أستطيع ... وما أستطيعه الآن هو الكلمة فقط.

عزاؤنا ـ نحن العراقيين ـ بشهيديك المقتولين ظلماً أنك ستستمرّ في مهمتك النبيلة (إجتثاث النازيّة العربيّة المسماةً حزب البعث) من عراقنا الذي يريده الشيطان الناطقُ بالشهادتين ساحةَ رمايةٍ يجرّب فيها أبناء الرايات الحمر من الأعاريب أسلحتهم العمياء التي لا تخطئ!.

http://aqwas.com