أظافر ملونة تحرم سعوديين من الزواج
مضيف طيران يتحدث عن معاناته وكعوب عالية

عبدالله المغلوث من جدة: تستدير الوجوه على ارتفاع 30 ألف قدم في السماء بإتجاه مضيف الطائرة السعودي عبدالرحمن الجوهرجي(31عاماً) كلما مر بجوار الركاب، يمنحهم ابتسامة وكعكة مستديرة، يجر ويدفع بيديه عربة فضية سيقانها تشبه سيقان غزال مسرور، في جوف العربة عصائر ووجبات طازجة يوزعها برفق على الجائعين الذين يصغون بإهتمام إلى شرح عبدالرحمن قبل اختيار أطباقهم ومشروباتهم، يرتدي الجوهرجي نظارة طبية، انتابت مسافر أميركي رغبة في انتزاعها يقول ستيفن ليواني(47عاما) لـ "إيلاف": "أتوق الى رؤية عيني هذا المضيف، انها واسعة وكبيرة، عندما أمد يدي او اصبعي سائلا، يأتيني راكضا من أي زاوية على متن الطائرة، هذه النظارة تخفي حجم تلك العينين، أليس من الظلم تقليصهما؟".
لم يقفز عبدالرحمن من غيمة مجاورة، بل حاول لمدة 3 سنوات للعمل مضيفا في "الخطوط السعودية"، يروي لـ "إيلاف" تفاصيل التحاقه بالعمل ومعاناته مع المجتمع الذي لايثق بمضيف الطائرة الذي يختلط بمضيفات ينتعلن كعوباً عالية وصنادل تبرز أصابع اظافرهن المطلية بألوان مثيرة.
يعانق عبدالرحمن السماء في كل مساء حتى قبل أن يصبح مضيفا، كان يحلم بهذه المهنة التي تجعله قريبا من مسافرين ملونين، يأتون من كل البلدان، اجادته للغة الانكليزية، حصوله على شهادة الثانوية العامة، واجتيازه للاختبارات والشروط الخاصة بالوظيفة جعلته يثابر لتحويل حلمه إلى واقع، يعود الجوهرجي بذاكرته إلى الوراء: "الخطوط السعودية لاتعلن في الصحف او وسائل الاعلام عن الوظائف الشاغرة في هذا المجال، مما دعاني إلى التردد اسبوعيا على مكاتب التوظيف لمدة طويلة من أجل التقدم بأوراقي في الموعد المناسب".
يتقدم نحو 5 ألاف مواطن سعودي من أجل الحصول على 100 وظيفة، كاد الجوهرجي أن يخسر الوظيفة بسبب سنتيمتر واحد، يتذكر : "قالوا لي في البداية، انه ينقصك سنتيمترا واحدا للحصول على الوظيفة بعد أن انطبقت كل الشروط المطلوبة عليك!". هل طال عبدالرحمن سنتيمترا للوصول إلى حلمه؟ يجيب: "ساعدني أحد أقاربي".
يرجع الجوهرجي أسباب اجادته للغة الانكليزية الى زوجة شقيقه:" بريطانية ولم تتردد في تعليمي وتدريسي الانكليزية حتى استطعت أن أجيدها".
سيصبح عبدالرحمن طياراً في عام2007 بعد انهى دراسة الطيران في أوكلاهوما بأميركا عام2001 لكنه بحاجة الى انهاء بعض المراحل النهائية للطيران في السعودية ليقود الطائرات بعد استئناف البرامج التدريبية النهائية التي توقفت أثر تداعيات أيلول(سبتمبر)2001.
يعترف صديق السماء عبدالرحمن الجوهرجي انه وزملاؤه يفتقدون لدعم وثقة الشارع والمجتمع السعودي، رفع رأسه إلى سقف الطائرة، نشيج ينبعث من فمه: "سمعة المضيف وملاح الطائرة السعودي سيئة لأنه يطير مع مضيفات، رفضت الكثير من العوائل تزويج بناتهم إلي زملائي لهذا السبب".
تزوج عبدالرحمن من يمنية، وانجب ابنته "جنى"(5سنوات) التي يتمنى أن تصبح طبيبة مثل أشقائه، ولايجد المضيف ضيراً في الغياب لمدة تصل الى 17 يوم شهريا عن عائلتة، بينما زوجته تزيد من صلواتها ودعواتها من اجل عودته سالماً: "الغياب صحي للحياة الزوجية، وجودي يوميا أمامها سيشعل فتيل المشاكل، هكذا نتبادل الاشتياق والوله، يعجبني وضعني حالياً، لذلك ساسكن السماء دائماً".
في المقعد الخلفي مباشرة كان الدكتور فهد المالكي يراقب عبدالرحمن، يتابع خطواته، وبنطلونه الطويل، وسترته التي يطل من تحتها قميص أبيض وربطة عنق زرقاء غامقة مقلمة بخطوط ذهبية، قال لي المالكي فور أن فرغت من محاورة الجوهرجي أثناء نوم السواد الأعظم من المسافرين على متن الرحلة الطويلة والمتجهة من نيويورك إلى جدة والتي استغرقت نحو 13 ساعة: "لم اكن نائما، استمعت إلى حواركما جيداً، وقبل ذلك شدتني ابتسامة عبدالرحمن ومعاناته التي تجسدت في فرحه الناقص الذي يبدو في وجهه المملوء بتفاصيل كثيرة، متراصة أسفل عينيه ونظراته".

تاريخ ومستقبل
يبدأ راتب المضيف من 3400 ريال سعودي تقريباً مايعادل 907 دولارات أميركي، ويحصل على بدلات عدة تجعله راتبه يصل الى 5000 آلاف ريال.
انطلقت الخطوط الجوية العربية السعودية في عام 1945 بطائرة وحيدة من طراز دي سي 3 (داكوتا) ذات محركين و رمزها HZ-AAX كان قد تلقاها الملك عبدالعزيز ال سعود - يرحمه الله - هدية من قبل رئيس الولايات المتحدة الأميركية آنذاك فرانكلين دي روزفيلت. و تبع ذلك بعد أشهر قليلة شراء طائرتين اخريين من نفس الطراز، و شكلت هذه الطائرات الثلاث نواة لما اصبح اليوم واحدة من كبريات شركات الطيران في العالم.
فأسطول الخطوط الجوية العربية السعودية الحالي يضم حوالي 139 من أحدث الطائرات النفاثة و أكثرها تعقيداً في مجال صناعة النقل الجوي في العالم فهو يضم طائرات من طراز بوينج 747-400، و بوينج 747-300و بوينج 747-100، و بوينج 777-200، أيرباص أ300-600، ماكدونيل دوجلاس أم دي -90، و ام دي-11 المخصصة للشحن.
وانتقلت الخطوط السعودية إلى عهد جديد وذلك بتوقيع صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، على عقد دراسة تخصيص المؤسسة في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2000م.