جعل الله سبحانه وتعالى الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا ليتنافروا، لكننا في اقطار الوطن العربي اتخذنا من نعمة هذا الاختلاف والتنوع مدخلا للخلاف واساسا للتفرقة والتنازع والتناحر والتنافر دون اي مسوغ مقبول او منطفي او مقنع.
ولا يصبح الخلاف ثقافة ما لم يكن مسلكا عاما يوميا ومعتقدا شعبيا له منظّرون من الاطراف المتنازعة يؤصلون له ويتعصبون لمواقفهم وآرائهم ويدعون الى استمرار هذا الخلاف، ويورّثونه لابنائهم وللاجيال اللاحقة.
وهذا ما يحدث بالفعل في كثير من اقطار وطننا العربي، حيث لم يكتف كثير من الناس بالتعصب لطوائفهم او ديانتهم او عرفهم او مدينتهم او غير ذلك حتى جعلوا من هذا التعصب سببا لمعادة الطوائف والاديان والاعراق الاخرى داخل القطر الواحد، ولم يقتنع هؤلاء المتعصبون بعد بان الاقطار التي يشيع فيها مثل هذا الخلاف والتعصب الاعمى هي البلدان التي اصبحت فريسة للاستعمار او مهددة بالاحتلال والعدوان من اعداء هذه الامة، ولم يقتنعوا كذلك بان هذا الخلاف هو اهم عائق من عوائق التقدم والتنمية والتطور وبناء الدول والمجتمعات العصرية، وان اي تشبث بثقافة الخلاف تحت اي شعار من الشعارات البراقة ما هو الا صورة من صور التحايل على هذه الظاهرة وشكل من اشكال الهرب من استحقاقات التصدي لها.
علينا ان نتذكر ان الاندلس لم تسقط قبل اكثر من خمسة قرون الا بعد احتدام الخلاف بين ابنائها على اسس عرقية وطائفية وقبلية، وعلينا ان نتذكر ان فلسطين لم تقع في براثن الاحتلال الصهيوني الا بعد ان شهدت صورا عديدة من الخلاف بين ابنائها حيث شاعت ثقافة الخلاف بين قيس ويمن وبين المدينة والريف والخلافات العشائرية، وبعد النكبة الاولى سنة 1948 شاعت ثقافة الخلاف بين اللاجئ والوطني، وهكذا الى اخر هذه السلسلة.
وعلينا ان نتذكر ان العراق العظيم لم يصبح هدفا لقوى الشر العالمية الا بعد استفحال ثقافة الخلاف داخل المجتمع العراقي بين الطوائف والاعراق والمذاهب والايديولوجيات المختلفة.
ولم يطمع اعداء الامة بالسودان الا بعد ان تيقنوا بان ثقافة الخلاف قد اخذت تستشري في المجتمع السوداني بين شماله وجنوبه ومسيحييه ومسلمية وقبائله العربية وغير العربية والحزب الحاكم والاحزاب الاخرى وهكذا.
اننا لا نشك بوجود دور للاستعمار في تكريس هذا الخلاف في كل الارض العربية والاستفادة منه، لكن علينا ان نعترف بان لدينا القابلية والاستعداد لتبني كل خلاف يقوم بيننا، اذ ان كثيرا من مظاهر ثقافة الخلاف هو مما نملك ان نغيره ونبدّله ونستأصله من واقعنا ومن نفوسنا لكننا لا نفعل شيئا من اجل تغييره.
وبدلا من ان يوجه كثير من المثقفين والسياسيين والاعلاميين العرب حملاتهم وألسنتهم واقلامهم ضد العناصر الايجابية والاساسية في الثقافة العربية، عليهم ان يوجهوا هذه الحملات ضد العناصر السلبية في هذه الثقافة مثل ثقافة الخلاف التي تهدد الامة ووجودها.
لقد بات من الملح جدا والضروري ان يتصدى المثثقفون العرب لجميع اشكال ثقافة الخلاف لدى العرب، بدءا من ثقافة الخلاف الديني والمذهبي والعرقي والطائفي والاقليمي والجهوي والعشائري، ومرورا بثقافة الخلاف بين الحارة «الفوقا» والحارة «التحتا» والحارة الشرقية والحارة الغربية، وانتهاء بثقافة الخلاف بين «الكنّة» والحماة الذي يفتك بالاسرة العربية سرا وينغص حياتها ويفسد معيشتها مثل مرض السرطان، واذا ما اضطلع المثقفون بهذه المسؤولية الكبيرة فان مجتمعاتنا العربية سوف تنهض من جديد وتسير مع سائر الامم في طريق التقدم والنهضة وبناء المستقبل.
[email protected]












التعليقات