في السابع من حزيران/يونيو 2003، اعلن المجلس الاعلى للثورة الاسلامية بقيادة السيد محمد باقر الحكيم، 63 عاما، انه لن يشارك في الفريق المؤلف من 30 شخصا الذي ينوي الحاكم المدني الاميركي للعراق بول بريمر تعيينه. ليس واردا في نظر السيد محمد باقر الحكيم ان تحوز الحكومة الانتقالية المعينة من الاجنبي ايّ شرعية، ويبقى المجلس الاعلى صامدا في موقفه القائل بأن على الولايات المتحدة الالتزام بالخطة الاصلية التي تنص على عقد مؤتمر وطني ينتخب المندوبون اليه حكومة انتقالية [2] .
لدى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية قاعدة شعبية وجناح مسلح مؤلف من 10 الى 15 الف عنصر مدرب بقيادة عبد العزيز الحكيم، الشقيق الاصغر لمحمد باقر. لكن يمكن ان يطرأ تعديل على هذا الموقف في سياق المفاوضات المعقدة التي تجريها واشنطن منذ اكثر من عام من الزمن.
يتمركز المجلس الاعلى في طهران وهو الحزب الاسلامي الوحيد الذي انضم الى الجهود الاميركية لاطاحة نظام صدام حسين وشارك في اجتماعات واشنطن خلال صيف 2002. وبدأ يؤكد وجوده منذ سقوط النظام البعثي في 9 نيسان/ابريل 2003 وخصوصا في المدن ذات الغالبية الشيعية القريبة من الحدود الايرانية حيث يتجمع العائدون من فيلق بدر، الميليشيا المؤلفة من المنفيين العراقيين الى ايران والذين تلقوا تدريباتهم على يد حراس الثورة هناك.
يشكل الشيعة ما بين 60 و65 في المئة من سكان العراق وينقسمون بين العناصر العلمانية من الطبقات الوسطى والعمالية في المدن والذين يتعاطفون مع الاحزاب الدينية. شيعة العراق العلمانيون غير منظمين سياسيا لكن حضورهم كان طاغيا في الخمسينات في صفوف الحزب الشيوعي ومنتسبيه الخمسمئة الف. في الريف العديد من الشيعة غير العلمانيين يوالون زعماء العشائر اكثر من المسؤولين الدينيين.
اما الشيعة المتدينون فحسنو التنظيم وينقسمون اربع مجموعات رئيسية. الغالبية تتبع عائلة الصدر التي يقودها اليوم مقتدى الصدر وهو شاب ديناميكي في الثلاثين من عمره اغتيل والده في شباط/فبراير من العام 1999 [3] . يتمتع المجلس الاعلى للثورة الاسلامية بقاعدة شعبية في المدن الشرقية القريبة من الحدود مع ايران بينما يسيطر حزب الدعوة في الوسط خصوصا في الناصرية والبصرة. اخيرا يوجد قسم من الشيعة مناصرون لآية الله علي السيستاني وهو من الوجوه الصوفية، وزنه السياسي اقل مما يوحي به موقعه الكبير داخل تراتبية رجال الدين الشيعة.
يتميز المجلس الاعلى بدرجة عالية من التنظيم وقدرات عسكرية وعلاقات متقلبة مع واشنطن. تم تأسيسه في طهران عام 1982 على يد السيد محمد باقر الحكيم وغيره من رجال الدين المنفيين، وسرعان ما ناصب صدام حسين العداء. اجتمع المجلس الاعلى لمرات عديدة مع المؤتمر الوطني العراقي المدعوم من واشنطن في خريف وشتاء 2002 ـ2003 ، لكن الولايات المتحدة لم تعد مرتاحة لهذا التحالف نظرا الى العلاقات الوثيقة للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية مع الفئات الايرانية الاكثر تشددا. فقد ابعدت واشنطن فيلق بدر عن الحرب على صدام وقبلت بمشاركة الميليشيات الكردية. لذلك رفض المجلس الاعلى المشاركة في اول اجتماع للمعارضة (15 نيسان/ابريل) بعد سقوط النظام وحيث جرت تظاهرات قام بها الآلاف من الشيعة المنددين بالاحتلال الاجنبي.
مدينة يعقوبة (280 الف نسمة) الى الشمال الشرقي من بغداد هي احد الاماكن التي بدأ فيها المجلس الاعلى للثورة الاسلامية نشاطا مكثفا فور انتهاء الحرب، ولن يصل جنود البحرية الاميركيون الى عاصمة محافظة ديالا هذه الا بعد اسابيع. في هذه الاثناء استعرت المنافسة المحلية وفي مطلع نيسان/ابريل اغار مقاتلو فيلق بدر العائدون من ايران على المدينة لانتزاعها من نفوذ البعثيين ومجاهدي خلق، المنظمة الايرانية المناهضة للحكم في طهران والتي وافق صدام حسين على انشاء قواعد لها في العراق وصنفتها واشنطن ضمن التنظيمات "الارهابية".
في 28 نيسان/ابريل وصل الى يعقوبة حوالى ثلاثة آلاف من الجنود الاميركيين وفي 4 ايار/مايو صرح الملازم روبرت فلديفيا لصحيفة "اراب نيوز" [4] ان "القوات الاميركية وجدت ملصقات دعائية ايرانية ومخبأ للاسلحة الثقيلة في مركز الشرطة وان الشرطة المحلية تتعاون مع مقاتلي فيلق بدر الذراع المسلحة لاكبر حزب شيعي في العراق". واشتكى كابتن اميركي في 9 ايار/مايو قائلا: "يطلقون علينا النار كل ليلة". وقال احد مقاتلي فيلق بدر: "اريد ان يعيش الناس في ظل نظام اسلامي واريد استخدام وسائل الاعلام والخطب لاقناعهم" [5] .
&في الوقت نفسه وفي مدينتي شهرابان والخالص المجاورتين، كان فيلق بدر ينظم السكان سياسيا ويكسب شعبية واسعة. من جهة اخرى ساعد هؤلاء المقاتلون احد رجال الدين، السيد عباس فاضل، في محاولته للوصول الى السلطة في مدينة الكوت (380 الف نسمة). احتل هذا الاخير دار البلدية مع اعوانه واعلن نفسه رئيسا لها. في البداية صمم رجال المارينز على قتله بكل بساطة وفي منتصف نيسان/ابريل حاولوا التدخل ضده لكن ما يقارب من 1200 شخص طوقوا عشرين من رجال البحرية الذين تراجعوا. بحسب واشنطن يتمتع فاضل بدعم ايران ويستخدم حراسه المسلحين لترهيب سائر المرشحين الى رئاسة البلدية.
&في 16 نيسان/ابريل استقبل نحو عشرين ألفاً السيد عبد العزيز الحكيم قائد فيلق بدر العائد من ايران حشدهم له في مدينة الكوت السيد فاضل بسبب موقعه المتميز. ومن هناك اطلق دعوة الى التظاهر في كربلاء ضد الوجود الاميركي لكن من دون نتيجة. بعد يومين وفي مقابلة مع التلفزيون الايراني عرض وجهة نظر حزبه بالنسبة الى الاوضاع في العراق: "سنسعى اولا الى اقامة نظام سياسي وطني تتمثل فيه الاحزاب والطوائف لكن الشعب في النهاية سيطالب بحكومة اسلامية". وأوضح ان ارادة الشيعة هذه ستنتصر في النظام الديموقراطي لانهم يشكلون 60 في المئة من السكان.
في وقت لاحق وخلال مؤتمر صحافي دعا الحكيم الى قيام "دولة حديثة واسلامية" حيث يشعر الجميع بالامان وتلعب فيها المرأة دورا اساسيا. وأكد انه اذا حكم العراق وفق المبادئ الحديثة فسيصبح بلد "الجهاد من اجل اعادة الاعمار والمحبة والصداقة بعيدا عن الكراهية والدمار". وأضاف من دون ان يسمي الولايات المتحدة: "نطالب بحكومة مستقلة ونرفض اي حكومة مفروضة فرضا"، وقال ايضا انه يجب "ان تراعي قوانين العراق المبادئ الاسلامية وتمنع تصرفات مقبولة في الغرب ولكن يحرمها الاسلام".
اذا اردنا فك رموز هذه التصريحات نفهم ان السيد الحكيم يطمح الى عراق خميني لكن حنكته السياسية تجبره على عدم استعداء النساء والسنة من البداية. خدع آية الله الخميني ومن حوله الطبقات الوسطى الايرانية بالاسلوب نفسه اذ اخفوا اهدافهم الحقيقية في السنوات الاولى من الثورة الاسلامية.
وجه المدير الاول لمكتب اعادة الاعمار في العراق الجنرال الاميركي المتقاعد جاي غارنر دعوة الى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية لحضور الاجتماع الثاني للوجهاء العراقيين فأرسل المجلس وفدا من الصف الثاني، وفي الخامس من ايار/مايو حاول غارنر استمالة المجلس بالاعلان ان مجلسا من مسؤولي الاحزاب سيتولى الدعوة الى مؤتمر وطني في حزيران/يونيو حيث يقوم المندوبون باختيار حكومة انتقالية. ويضم المجلس الموقت الحزبين الكرديين وحزبا مؤلفا من قدامى البعثيين اضافة الى المؤتمر الوطني العراقي بزعامة احمد الجلبي والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية. وسيضيف اليهم في وقت لاحق حزباً قومياً عراقياً تأسس في العام 1960 وحزب الدعوة الشيعي.
كان صقور البنتاغون يحاولون من خلال هذه المناورات وضع السلطة بين ايدي حلفائهم القدامى في المؤتمر الوطني العراقي بزعامة احمد الجلبي. لكن مشروع وزارة الدفاع لم يعمّر طويلا وانتصر موقف وزارة الخارجية الذي برهن للرئيس ان الوضع في العراق شارف الكارثة تحت اشراف غارنر. خلفه السيد بول بريمر في 12 ايار/مايو وتخلى شيئا فشيئا عن مشاريع سلفه بالتراجع عن مجلس السبعة ليجعله مجرد "لجنة تخطيط" معلنا عن نيته في اضافة 23 عضوا جديدا اليها منهم عراقيون من الداخل ليخفف هكذا من سلطة المنفيين والحزبين الكرديين. كما الغى مشروع عقد مؤتمر ينتخب حكومة انتقالية خلال فصل الصيف واعلن ان على جميع الميليشيات تسليم اسلحتها قبل 15 حزيران/يونيو باستثناء الميليشيات الكردية في الشمال.
اغتاظ مسؤولو المجلس الاعلى من هذه التدابير المتناقضة مع الوعود المقطوعة لهم وبالرغم من موافقتهم على تسليم الاسلحة اصروا على احتفاظ مقاتلي فيلق بدر بأسلحتهم الاتوماتيكية. وفي 7 حزيران/يونيو اعلن السيد عبد العزيز الحكيم انه لن يشارك في مجلس يعيّنه بريمر الا اذا ادى في المدى القصير الى تشكيل حكومة منتخبة.
كانت علاقات المجلس الاعلى للثورة الاسلامية مع الولايات المتحدة دائمة الاضطراب، فهما متحالفان بالضرورة وتبعا للظروف وكل طرف لا يكنّ الوفاء للآخر. ليس معروفاً ما الذي حدا بصقور واشنطن الى ابرام هذه الشراكة لكن من المرجح ان يكون احمد الجلبي قد لعب دورا في ذلك مطئنا الاميركيين حول اعتدال هذه الحركة التي تتمتع بالشعبية في اوساط الشيعة المتدينين.
ان نفوذ المجلس محدود في واقع الامر ومع ان لديه عناصر في الجنوب كله الا ان وجوده سطحي حيث غالبية المساجد والمستشفيات في بغداد الشرقية والكوفة وغيرها من المدن تحت سيطرة حركة مقتدى الصدر الذي يرفض اي اتصال مع الولايات المتحدة. ويلمح الى ان آل الحكيم جبناء فروا من نظام صدام الى طهران فيما واجهت عائلة الصدر الاخطار داخل العراق.
المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق حزب براغماتي ومستعد للتعامل مع الولايات المتحدة مع ان اهدافه مشابهة لاهداف مقتدى الصدر في المدى الطويل، فالجميع يريدون جمهورية اسلامية تحت سلطة رجال الدين الشيعة، والارجح ان لا احد منهم سيحقق هدفه بسبب وجود الاقلية السنية ومعارضة الولايات المتحدة. فالعلاقة بين اميركا والمجلس يمكن ان تستمر متقطعة بين التعاون والتباعد لكن هذا الثنائي الذي يمكن ان يمر بمرحلة غزل بين شجارين، ذاهب على الارجح عاجلا ام عاجلا نحو الطلاق.
لدى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية قاعدة شعبية وجناح مسلح مؤلف من 10 الى 15 الف عنصر مدرب بقيادة عبد العزيز الحكيم، الشقيق الاصغر لمحمد باقر. لكن يمكن ان يطرأ تعديل على هذا الموقف في سياق المفاوضات المعقدة التي تجريها واشنطن منذ اكثر من عام من الزمن.
يتمركز المجلس الاعلى في طهران وهو الحزب الاسلامي الوحيد الذي انضم الى الجهود الاميركية لاطاحة نظام صدام حسين وشارك في اجتماعات واشنطن خلال صيف 2002. وبدأ يؤكد وجوده منذ سقوط النظام البعثي في 9 نيسان/ابريل 2003 وخصوصا في المدن ذات الغالبية الشيعية القريبة من الحدود الايرانية حيث يتجمع العائدون من فيلق بدر، الميليشيا المؤلفة من المنفيين العراقيين الى ايران والذين تلقوا تدريباتهم على يد حراس الثورة هناك.
يشكل الشيعة ما بين 60 و65 في المئة من سكان العراق وينقسمون بين العناصر العلمانية من الطبقات الوسطى والعمالية في المدن والذين يتعاطفون مع الاحزاب الدينية. شيعة العراق العلمانيون غير منظمين سياسيا لكن حضورهم كان طاغيا في الخمسينات في صفوف الحزب الشيوعي ومنتسبيه الخمسمئة الف. في الريف العديد من الشيعة غير العلمانيين يوالون زعماء العشائر اكثر من المسؤولين الدينيين.
اما الشيعة المتدينون فحسنو التنظيم وينقسمون اربع مجموعات رئيسية. الغالبية تتبع عائلة الصدر التي يقودها اليوم مقتدى الصدر وهو شاب ديناميكي في الثلاثين من عمره اغتيل والده في شباط/فبراير من العام 1999 [3] . يتمتع المجلس الاعلى للثورة الاسلامية بقاعدة شعبية في المدن الشرقية القريبة من الحدود مع ايران بينما يسيطر حزب الدعوة في الوسط خصوصا في الناصرية والبصرة. اخيرا يوجد قسم من الشيعة مناصرون لآية الله علي السيستاني وهو من الوجوه الصوفية، وزنه السياسي اقل مما يوحي به موقعه الكبير داخل تراتبية رجال الدين الشيعة.
يتميز المجلس الاعلى بدرجة عالية من التنظيم وقدرات عسكرية وعلاقات متقلبة مع واشنطن. تم تأسيسه في طهران عام 1982 على يد السيد محمد باقر الحكيم وغيره من رجال الدين المنفيين، وسرعان ما ناصب صدام حسين العداء. اجتمع المجلس الاعلى لمرات عديدة مع المؤتمر الوطني العراقي المدعوم من واشنطن في خريف وشتاء 2002 ـ2003 ، لكن الولايات المتحدة لم تعد مرتاحة لهذا التحالف نظرا الى العلاقات الوثيقة للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية مع الفئات الايرانية الاكثر تشددا. فقد ابعدت واشنطن فيلق بدر عن الحرب على صدام وقبلت بمشاركة الميليشيات الكردية. لذلك رفض المجلس الاعلى المشاركة في اول اجتماع للمعارضة (15 نيسان/ابريل) بعد سقوط النظام وحيث جرت تظاهرات قام بها الآلاف من الشيعة المنددين بالاحتلال الاجنبي.
مدينة يعقوبة (280 الف نسمة) الى الشمال الشرقي من بغداد هي احد الاماكن التي بدأ فيها المجلس الاعلى للثورة الاسلامية نشاطا مكثفا فور انتهاء الحرب، ولن يصل جنود البحرية الاميركيون الى عاصمة محافظة ديالا هذه الا بعد اسابيع. في هذه الاثناء استعرت المنافسة المحلية وفي مطلع نيسان/ابريل اغار مقاتلو فيلق بدر العائدون من ايران على المدينة لانتزاعها من نفوذ البعثيين ومجاهدي خلق، المنظمة الايرانية المناهضة للحكم في طهران والتي وافق صدام حسين على انشاء قواعد لها في العراق وصنفتها واشنطن ضمن التنظيمات "الارهابية".
في 28 نيسان/ابريل وصل الى يعقوبة حوالى ثلاثة آلاف من الجنود الاميركيين وفي 4 ايار/مايو صرح الملازم روبرت فلديفيا لصحيفة "اراب نيوز" [4] ان "القوات الاميركية وجدت ملصقات دعائية ايرانية ومخبأ للاسلحة الثقيلة في مركز الشرطة وان الشرطة المحلية تتعاون مع مقاتلي فيلق بدر الذراع المسلحة لاكبر حزب شيعي في العراق". واشتكى كابتن اميركي في 9 ايار/مايو قائلا: "يطلقون علينا النار كل ليلة". وقال احد مقاتلي فيلق بدر: "اريد ان يعيش الناس في ظل نظام اسلامي واريد استخدام وسائل الاعلام والخطب لاقناعهم" [5] .
&في الوقت نفسه وفي مدينتي شهرابان والخالص المجاورتين، كان فيلق بدر ينظم السكان سياسيا ويكسب شعبية واسعة. من جهة اخرى ساعد هؤلاء المقاتلون احد رجال الدين، السيد عباس فاضل، في محاولته للوصول الى السلطة في مدينة الكوت (380 الف نسمة). احتل هذا الاخير دار البلدية مع اعوانه واعلن نفسه رئيسا لها. في البداية صمم رجال المارينز على قتله بكل بساطة وفي منتصف نيسان/ابريل حاولوا التدخل ضده لكن ما يقارب من 1200 شخص طوقوا عشرين من رجال البحرية الذين تراجعوا. بحسب واشنطن يتمتع فاضل بدعم ايران ويستخدم حراسه المسلحين لترهيب سائر المرشحين الى رئاسة البلدية.
&في 16 نيسان/ابريل استقبل نحو عشرين ألفاً السيد عبد العزيز الحكيم قائد فيلق بدر العائد من ايران حشدهم له في مدينة الكوت السيد فاضل بسبب موقعه المتميز. ومن هناك اطلق دعوة الى التظاهر في كربلاء ضد الوجود الاميركي لكن من دون نتيجة. بعد يومين وفي مقابلة مع التلفزيون الايراني عرض وجهة نظر حزبه بالنسبة الى الاوضاع في العراق: "سنسعى اولا الى اقامة نظام سياسي وطني تتمثل فيه الاحزاب والطوائف لكن الشعب في النهاية سيطالب بحكومة اسلامية". وأوضح ان ارادة الشيعة هذه ستنتصر في النظام الديموقراطي لانهم يشكلون 60 في المئة من السكان.
في وقت لاحق وخلال مؤتمر صحافي دعا الحكيم الى قيام "دولة حديثة واسلامية" حيث يشعر الجميع بالامان وتلعب فيها المرأة دورا اساسيا. وأكد انه اذا حكم العراق وفق المبادئ الحديثة فسيصبح بلد "الجهاد من اجل اعادة الاعمار والمحبة والصداقة بعيدا عن الكراهية والدمار". وأضاف من دون ان يسمي الولايات المتحدة: "نطالب بحكومة مستقلة ونرفض اي حكومة مفروضة فرضا"، وقال ايضا انه يجب "ان تراعي قوانين العراق المبادئ الاسلامية وتمنع تصرفات مقبولة في الغرب ولكن يحرمها الاسلام".
اذا اردنا فك رموز هذه التصريحات نفهم ان السيد الحكيم يطمح الى عراق خميني لكن حنكته السياسية تجبره على عدم استعداء النساء والسنة من البداية. خدع آية الله الخميني ومن حوله الطبقات الوسطى الايرانية بالاسلوب نفسه اذ اخفوا اهدافهم الحقيقية في السنوات الاولى من الثورة الاسلامية.
وجه المدير الاول لمكتب اعادة الاعمار في العراق الجنرال الاميركي المتقاعد جاي غارنر دعوة الى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية لحضور الاجتماع الثاني للوجهاء العراقيين فأرسل المجلس وفدا من الصف الثاني، وفي الخامس من ايار/مايو حاول غارنر استمالة المجلس بالاعلان ان مجلسا من مسؤولي الاحزاب سيتولى الدعوة الى مؤتمر وطني في حزيران/يونيو حيث يقوم المندوبون باختيار حكومة انتقالية. ويضم المجلس الموقت الحزبين الكرديين وحزبا مؤلفا من قدامى البعثيين اضافة الى المؤتمر الوطني العراقي بزعامة احمد الجلبي والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية. وسيضيف اليهم في وقت لاحق حزباً قومياً عراقياً تأسس في العام 1960 وحزب الدعوة الشيعي.
كان صقور البنتاغون يحاولون من خلال هذه المناورات وضع السلطة بين ايدي حلفائهم القدامى في المؤتمر الوطني العراقي بزعامة احمد الجلبي. لكن مشروع وزارة الدفاع لم يعمّر طويلا وانتصر موقف وزارة الخارجية الذي برهن للرئيس ان الوضع في العراق شارف الكارثة تحت اشراف غارنر. خلفه السيد بول بريمر في 12 ايار/مايو وتخلى شيئا فشيئا عن مشاريع سلفه بالتراجع عن مجلس السبعة ليجعله مجرد "لجنة تخطيط" معلنا عن نيته في اضافة 23 عضوا جديدا اليها منهم عراقيون من الداخل ليخفف هكذا من سلطة المنفيين والحزبين الكرديين. كما الغى مشروع عقد مؤتمر ينتخب حكومة انتقالية خلال فصل الصيف واعلن ان على جميع الميليشيات تسليم اسلحتها قبل 15 حزيران/يونيو باستثناء الميليشيات الكردية في الشمال.
اغتاظ مسؤولو المجلس الاعلى من هذه التدابير المتناقضة مع الوعود المقطوعة لهم وبالرغم من موافقتهم على تسليم الاسلحة اصروا على احتفاظ مقاتلي فيلق بدر بأسلحتهم الاتوماتيكية. وفي 7 حزيران/يونيو اعلن السيد عبد العزيز الحكيم انه لن يشارك في مجلس يعيّنه بريمر الا اذا ادى في المدى القصير الى تشكيل حكومة منتخبة.
كانت علاقات المجلس الاعلى للثورة الاسلامية مع الولايات المتحدة دائمة الاضطراب، فهما متحالفان بالضرورة وتبعا للظروف وكل طرف لا يكنّ الوفاء للآخر. ليس معروفاً ما الذي حدا بصقور واشنطن الى ابرام هذه الشراكة لكن من المرجح ان يكون احمد الجلبي قد لعب دورا في ذلك مطئنا الاميركيين حول اعتدال هذه الحركة التي تتمتع بالشعبية في اوساط الشيعة المتدينين.
ان نفوذ المجلس محدود في واقع الامر ومع ان لديه عناصر في الجنوب كله الا ان وجوده سطحي حيث غالبية المساجد والمستشفيات في بغداد الشرقية والكوفة وغيرها من المدن تحت سيطرة حركة مقتدى الصدر الذي يرفض اي اتصال مع الولايات المتحدة. ويلمح الى ان آل الحكيم جبناء فروا من نظام صدام الى طهران فيما واجهت عائلة الصدر الاخطار داخل العراق.
المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق حزب براغماتي ومستعد للتعامل مع الولايات المتحدة مع ان اهدافه مشابهة لاهداف مقتدى الصدر في المدى الطويل، فالجميع يريدون جمهورية اسلامية تحت سلطة رجال الدين الشيعة، والارجح ان لا احد منهم سيحقق هدفه بسبب وجود الاقلية السنية ومعارضة الولايات المتحدة. فالعلاقة بين اميركا والمجلس يمكن ان تستمر متقطعة بين التعاون والتباعد لكن هذا الثنائي الذي يمكن ان يمر بمرحلة غزل بين شجارين، ذاهب على الارجح عاجلا ام عاجلا نحو الطلاق.
&
[1] استاذ التاريخ في جامعة ميشيغن، من مؤلفاته
Sacred Space and Holy War. The Politics, Culture and History of Shiite Islam, I. B. Tauris, Londres, 2002
[2] David Baran, " En Irak occupé, un nouveau jeu politique ", Le Monde diplomatique, juin 2003.
[3] Alain Gresh, " Qui a tué l'ayatollah Mohamed Sadek Al-Sadr ", Le Monde diplomatique, juillet 1999
[4] Arab Times, Kuwait, 4/6/2003
[5] Knight Ritter Newspaper, 9/6/2003














التعليقات