نصـر المجالي



لا يستطاع بحال مقارنة حال أي بلد في العالم الثالث كبر أو صغر حجما وإمكانيات مع أي بلد غربي كبريطانيا شاعت الديموقراطية فيه منذ ما يقرب الألف عام، وتطورت فيه المفاهيم السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية إلى ما وصلت عليه ولا تزال تواصل من دون وهن أو عجز ولا تتوقف مسيرتها عن هذا المنحنى أو ذلك المنعرج، ومهما كانت التحديات كونها هي التي تخلق الطموحات.
واختار بريطانيا مثالا كوني أعيش فيها منذ عشرين عاما، ولذلك أدعي أنني أعرف بعض معالم سياساتها ومناهجها وخططها في تسيير شؤونها العامة. ومن البداية قلت أنه لا مجال للمقارنة مع أي بلد من العالم الثالث ونظير غربي، فكيف ممكن أن تكون المقارنة بين الأردن وبريطانيا التي كانت انتدبته قبل نيف ونصف قرن من الزمن.
في بريطانيا يقال "إذا كانت هنالك إرادة فهنالك طريقا"، وأعتقد أن المعنى والمضمون واضحان من دون خوض فلسفة شرحهما، ومقابله في اللغة العربية "على قدر أهل العزم تؤتى العزائم".
وقد يتساءل البعض لماذا هذه المقدمة وهذا اللف والدوران، وأنا اتفق مع المتسائلين، والحقيقة التي رغبت أن أحاول مناقشتها من مدخلي البريطاني نحو الأردن (موطني الأصل) الذي غادرته إلى المنافي الاختيارية عربيا وبريطانيا، سياسيا وصحافيا وإعلاميا ، هي موضع هذا الكلام المثير عن مسألة "التنمية السياسية".
ولعل أول ما يتبادر للذهن، هو ما هي التنمية السياسية وما هي تعريفاتها وما هي معانيها حتى تتشكل لها حقيبة وزارية وتثير حولها كلاما كثيرا، وهل بلد كالأردن بحاجة إلى تنمية سياسية أم لا؟.
حتى هذا السؤال مشروع في كلياته وأجزائه التفصيلية، وإذا لي حق الإجابة أو أدعية، فيمكنني القول "نعم الأردن بحاجة إلى تنمية سياسية، وليس فقط تحديدها بحقيبة وزارية واحدة بل شمول كل أجهزة البلاد وقطاعاتها في تنمية كهذه".
ولكن لهذا الشمول شروطا، وأبسطها، هو الشروع بتعريف التنمية السياسية من نقطة الصفر أو حسب ما يقال من المربع الأول؟ وهنا قد يغمز البعض من طرف كاتب هذا الموضوع متهما إياه إما بالغباء في معرفة تاريخ الكيان الأردني، أو النفاق لصاحب القرار الأعلى في الكيان الذي أقر مبدأ قيام وزارة للتنمية السياسية.
وإذ أحترم الاتهامين سلفا، فإن من نافلة القول ابتداء هو أن علينا أن نعرف ما هي السياسة أيضا وليس تنميتها وحسب، وإذا كانت اللغة العربية استوعبت كل الكلام الجميل، فهي أيضا سواء بسواء قدمت المعاني والحقائق إذا أريد بناء تلك والوصول إلى مراميها وأهدافها.
والسياسة، تعبير مطاط يلف تحت عباءته كثيرا من المصطلحات، ولكن إذا عدنا لمصدر الكلمة الثلاثي، فإنما هنا نتحدث عن "أس الشيء" أو أساسه، ولذلك نقول "الأس التربيعي للمعادلة الجبرية" في الرياضيات، ونقول سائس الخيل "أي الذي يسوسها ويفهم كل ما حول هذا الحيوان الأصيل تربية وتنشئة وتعاملا". ولذلك نخلص باختصار على حسم ما هو معنى كلمة سياسة وهنالك مئات المستخرجات والمتفرعات عنها وهي تدخل في صميم حياة الفرد منذ أن رأى النور حتى بوابات القبر والحال ذاته مع الدول.
لقد بدا للوهلة الأولى أردنيا، حين شكلت حكومة فيصل بن عاكف الفايز قبل مائة يوم أن الإعلان عن حقيبة للتنمية السياسية جاء ضربا من "النكات العابرة" التي يطفح بها تاريخ الأردن الحديث، خصوصا وأن الشعب الأردني يكاد يكون هو الوحيد بين شعوب العالم الثالث الذي يفطر ويتغدى ويتعشى سياسة، وينام ويصحو وهو يتكلم في السياسة، وهنالك أكثر من 30 حزبا ومثلها نقابات تتكلم سياسة والمساجد ثم المدارس حتى المستشفيات مرورا بالخدمات ولا ننسى الصالونات العامرة بالسياسة إلخ إلخ..
وقد تبدو النكتة "مزحة ثقيلة" إذا كان الكلام عن تنمية سياسية شكلت فيه أكثر من 85 حكومة في أقل من قرن من الزمن، وقام فيه أكبر من 14 مجلس برلماني منتخب وله علاقات دبلوماسية مع دول العالم كافة، وحكمه أربعة ملوك وخاض حروبا ووقع معاهدات واتفاقيات ثم فوق ذلك شهد محاولات انقلابية ضد الحكم و.. إلخ إلخ أيضا.
إلى هنا، يمكن الحديث بالمفتوح، وبشفافية أكثر، كاحتمال للإجابات، حيث السؤال يجيب نفسه!، فالسياسة التي مطلوب تنميتها في الأردن يبدو ما دامت الأمور كذلك، ليست هي فقط تجسير الهوة بين النواب والحكومة، فهناك قوانين حققها الدستور الذي يكفل فصل السلطات، وهي ليست إقامة أنفاق تحتية وعلنية بين الأحزاب التي تفوق عديدا أحزاب أكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة لدرجة أنها صارت تعطل الحركة من زحامها وتزاحمها وبين الحكومة والحكم. وليست السياسة هي التفاوضات أو المصالحات أو المماحكات مع النقابات التي هي الأخرى تعيش فوضى "سياسية انقطع نظيرها عند مثيلاتها في العالم".
السياسة، كما أعرفها، من بلد الديموقراطية التي أعيش فيها، هي خلاصة الهم كله، إذا قيض للقائمين على التنمية السياسية تفسيرها وتقديم تعريفاتها من الألف إلى الياء، وهنا علينا أن نبدأ بالفصل بين مصطلح السياسة في كل تشعباتها وفروعها وهي كثيرة تبتدأ من البيت إلى المدرسة إلى البرلمان إلى الخدمات العامة إلى كل ما يهم المجتمع سلبا وإيجابا ، ومصطلح السياسة المطلوب تنميتها على ما يبدو لا يعرفه الأردنيون رغم احترافهم السياسي الكبير.
مصطلح السياسة كألف باء ، مثل من يبتني بيتا، على أرض جرداء، على صاحبه اختيار قطعة الأرض الملائمة وهل الموقع يفي باحتياجات الأسرة قربه من الخدمات ومن البلدة التي ينتمي إليها اجتماعيا وجهويا، هل هو على شارع رئيس أم فرعي؟& ومن ثم تأتي المتطلبات الأخرى من حيث حجم البيت وخرائطه وأساساته وتمويل بنائه، واختيار المتعهد والعمال وصولا إلى توفير المواد الخرسانية الماء والإسمنت والحجر أو الطوب الذي سيبنى منه .وكذا حال فنيات عمارة المنزل وتقسيم غرفه وأحجامها ومن دون هذه التفاصيل الدقيقة التي يجب دراستها واحدة واحدة وبكل دقة وتخطيط ويخدم كل الأغراض من دون نقصان لأنه بيت العمر كما يقال فهو ليس رداء أو سيارة أو مادة كمالية يمكن تغييرها كل ما اقتضت الضرورة، فأي نقيصة ستظل تقض مضاجع أهل البيت إلى سنين قد تمتد العمر كله، ومن يخلفهم أيضا.
فهم المصطلح السياسي، في إطار ما يدعى إليه في الأردن عبر وزارة التنمية السياسية لا يخص الوزارة ذاتها أو وزيرها، إنه يهم البلاد طولا وعرضا صغيرا وكبيرا، وكل واحد في أي موقع في المنزل، في الحقل، في المدرسة ، في الجامعة، تحت قبة البرلمان، في الوزارة، في المصانع، في المساجد، في النقابات والأحزاب السياسية التي تتناهش الهم السياسي منذ عودة الديموقراطية قبل 14 عاما من دون أن تحدد أهدافها، أو تتحد.
أفضل ما في الحال الأردني، إلى اللحظة أن هنالك دستورا يحمل جميع أعباء الهموم في إطاره، وعلى الرغم من "الهنات الهينات"& التي لحقت بالدستور من تعديلات فرضتها ظروف الحال في المنطقة كلها، وعلى الرغم من اختراقه في أحيان أخرى من حكومات اضطرتها ظروفها لذلك، ومثال ذلك هذا السيل العرم من القوانين المؤقتة التي تصدر كل ما فضت دورة البرلمان فإن الدستور الأردني ظل ويظل الضمان الوحيد الذي تحتكم له كل الشرعيات التي تعمل في إطاره وتحت عباءته.
قضية التنمية السياسية في الأردن، شغل شاغل ليس "للشعب الأردني الذي كما أسلفت يعيش السياسة وينهشها في الليل والنهار حسب ما اتفق عبر عقوده الطويلة من عمر الكيان"، إنها شغل القيادة الأردنية الفتية التي آل إليها العبء والمنطقة كلها على أتون متفجر دائم الاشتعال يأكل من في داخله قبل من هم حوله، والأردن كان قلب الحدث، لذلك كانت مسؤولية القيادة الأردنية كبيرة، وهي تكبر وتتعاظم مع تداعيات الأحداث، وتكون أقسى حين تقع على عاتق كتفي رجل واحد، هو الملك عبد الله الثاني.
لقد ولى الكلام عن أن "الأردن نظام، والنظام رجل واحد"، وعبد الله الثاني كان من عبر عن ذلك حين قال مع أول أيام حكمه "أنا لست أبي"، ومن هذا الفهم ليس غريبا أن نراه في كتاب تكليفه لحكومة الفايز الجديدة يختط منهاجا وشرعة جديدة في التعاطي مع الأحداث داعيا إلى تثوير همم الجميع من حواليه شعبا وحكومة ومؤسسات تشريعية وقضائية لحمل الهم الوطني عبر تيار وطني عريض متحد يلم شعث الجميع المتفرق في مشاركة فاعلة ذات أهداف واضحة وعملية لأردن جديد الألفية الثالثة.
فالملك يقول لرئيس حكومته الآتي "ولما كانت إرادة التغيير في المرحلة المقبلة تقتضي وجود من يترجم رؤيتنا التي تهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بحياة شعبنا وتأمين المستقبل الزاهر لشبابنا وشاباتنا فقد اخترتك لتشكيل حكومة جديدة تمتلك الإرادة والقدرة على تحقيق التغيير المنشود وقطف ثمار التطور والرخاء".
هذه الرؤية، حسب طموح عبد الله الثاني "مهما تألقت في وضوحها واستشرفت الداء وحددت التشخيص الشافي ومهما نجحت في تخطى المصاعب والتعقيدات لا يمكن أن تكتمل إلا بإرادة التنفيذ وبالقدرة على تحويل الأمنيات والآمال إلى واقع ملموس".
وهكذا، فإن إرادة التغيير هي سنام الأمر كله، ومن دون هذه الإرادة، ستغيب الهداف وتضيع معالم الطريق، وتتشابك المصالح العامة والخاصة ليس نحو اتفاق بل باتجاه فراق ثم صراع، وهذا ما لا تريده القيادة الأردنية لمستقبل "الوطن النموذج في المنطقة كلها".
وواضح أن التغيير الذي تتطلع إليه القيادة في الأردن ليس غاية بحد ذاته بل هو وسيلة لتحقيق الرؤية، لهذا يؤكد الملك عبد الله الثاني على أنه آن& الأوان "أن نقوم بموضوعية مجردة مسيرة حكوماتنا السابقة بعيدا عن تعميم تجاربها ونقد أدائها لأنه لا بد لنا أن نسمو عن عاطفتنا إلى عقلانية التشخيص المخلص والمنزه عن أي اعتبارات وبالتالي نلاحظ ما شابها من ضعف أحيانا في بعض أدائها وما ظهر من عدم تنسيق في بعض الأحيان بين أعضائها وذلك ما اثر على جوهر أداء الفريق الواحد وما انعكس على انسجامها وتحقيق أهدافها".
وإذا كان الملك يوجه بهذه المكاشفة نقدا ذاتيا لحكومات بلاده المتعاقبة فإنه يختط منهاجا تحريضيا جديدا للمواطن الأردني بكل فئاته وشرائحه ومنابته وأصوله واتجاهاته واجتهاداته للانخراط في كيفية عملية جديدة واضحة ومكشوفة ليس من خلال الصالونات السياسية ولا من وراء الستائر الناعمة بل في بذل الجهد لتحقيق الطموح الكبير، متحملا كل فرد مسؤوليته، لا أن يلقي كل واحد المسؤولية على الآخر.
لذلك، فإن فلسفة التغيير الحكومي في الأردن، صارت تتخذ أبعادا غير تلك البعاد التي دأب عليها لعقود خلت، استرضاء لهذا الطرف أو ذاك، فالتغير المنشود بدأ يتخذ أبعادا وأهداف ثابتة وليست آنية ولا ظرفية.. ، فالملك يحرص على التأكيد قائلا"نروم التغيير الحكومي لأنه آن لنا أن ننتقل بالرؤية من العين إلى الحركة إلى الإرادة إلى السعي المثمر والشامل إلى المبادرة تلو المبادرة إلى رافعة مستمرة في الإنجاز ليكتمل البناء ويعلو بالسرعة التي تحتمها التحديات وتمليها الصعوبات وترنو إليها التطلعات والآمال".
لقد حقق العاهل الأردني، ذاته من تلقاء نفسه بعضا من الشروط، ورسائله كانت واضحة ليس لحكومته وحسب، بل لبرلمانييه ولشعبه كله، هذه الرسائل لم تكن في جولاته الخارجية التي لا تهدأ لها حركة، لكن آخر زيارة مفاجئة على حين غرة لمستشفى البشير وهي الرابعة من نوعها خلال أربع سنين، كانت هي الرسالة التعبير، وفيها أدق التوصيفات لما يمكن أن تكون عليه حال المسؤولية العامة وليست الخاصة.
وتظل مسألة السياسية في صلب الهم الملكي والوطني ومن دون "ميثاق عهد وطني بين أبناء الوطن الأردني كافة من جهة وبينهم مجتمعين والقيادة من جهة أخرى، يبدو أنه لا سبيل على تحقيق نجاح أو قطف لثمار في وقت قريب"، فلقد مل الناس "تلك الملفات والخطابات والوعود التي طواها الزمن وذهبت إلى ملفات النسيان".&
وواضح أن عند العاهل الهاشمي الجواب، لنلاحظ ما يقول في الآتي " ولأن الأردن يستحق هذا الجهد ولان أبناءنا وبناتنا جديرون بأردن قوي ومزدهر وقدوة للدولة العربية الإسلامية الديمقراطية الراسخة الجذور المتطورة في اقتصادها والقائمة على مبادئ العدل والمساواة والفرص المتكافئة للجميع بغنى التعددية السياسية وبظل القانون واحترام الحقوق نريد من هذا التغيير الحكومي لنحقق أولوياتنا دون تردد أو وجل ودون تأخير".
ماذا على رأس تلك الأولويات، بالطبع التنمية السياسية بمفاهيمها الشاملة التي تخص هذا القطاع أو ذاك، تنمية فهم الواقع المعاش عملا لمستقبل منتظر من الجميع، التنمية السياسية بكل أبعادها، إذ بعد هذا الشوط من الديموقراطية اليافعة، فإنه حان الوقت لتعميم مفهوم التنمية السياسية التي يشارك بها كافة قطاعات المجتمع وقواه السياسية حيث النزاهة والمساءلة والشفافية وحيث سيادة القانون والعدالة والمساواة وحيث مشاركة فاعلة وحقيقية للمرأة الأردنية والشباب الأردني وتفعيل طاقاتهم واستثمارها في شتى نواحي الحياة.
وكما أوردت سابقا، فإن أية تنمية شاملة مطلوبة في بلد كالأردن، فإنها تظل تراوح مكانها من دون حق الجميع في المشاركة فيها شيبا وشباب رجالا ونساء، والتنمية السياسية ليست مقصورة على "أهل السياسة وأهل الأحزاب" فهم زاغوا بالمعاني المهمة للعمل السياسي بعيدا وابتسروه لمصالح ضيقو وآنية عطلت كثيرا.
التنمية السياسية حالا واقعيا يتلمس كل الوقائع المعاشة من رغيف الخبز إلى بوابة المدرسة إلى المحراث في الحقل وصولا إلى بناء وطن أردني "إسبارطي صارم في التزامه وأدائه، سقراطي في ديموقراطيته، إفلاطوني في كليته وعالميته الفاضلة بتناغمه مع المحيط القريب فالأبعد".
ألسنا نعيش عالما من العولمة إن لم نتفاهم معها ونلاقيها بما عندنا من إنجاز تكون "هرستنا" من حيث لا ندرك، وساعتها نبدأ بملامة الغير على أخطائنا، لتقتلنا من بعد ذلك نظرية المؤامرة، كما قتلت غيرنا".
من هنا نتفق مع الملك عبد الله الثاني في أنه "لا تنمية شاملة بدون استثمار طاقات الشباب وبدون أن تأخذ المرأة مكانتها الطبيعية وحقوقها كاملة في المجتمع.. التنمية السياسية التي تنبثق عنها أحزاب وطنية قوية موحدة باختلافها لتحقيق الأردن أولا وعزته ومنعته دائما".
الجميع في الأردن مطالب ليس بـ "النخوة فقط" بل بالتشمير عن سواعد الجد والعمل لتحقيق فهم مقتضيات التنمية السياسية بعيدا عن التنظير، ول أفضل من تحقيق الأهداف على أرض الواقع، هذا هو الجهاد الكبر الذي يبدأ بالنفس أولا، وهذا ما يحتاجه بلد كالأردن يقف دائما على مثلث الأزمات، فلقد آن أوانه أن يخرج من خنق عنق زجاجة الآخرين.
في فهم الأردنيين للتنمية السياسية مفاصل مهمة لا بد من التنبه والتنبيه لها، غذ لا بد من اقتران الكلام بالعمل، لا بد من الاعتراف بحقوق الآخرين ولابد من أن يبدأ كل واحد أن يسأل عما قدمه للوطن قبل أن يسال عما قدمه الوطن له. لا يمكن أن نعادي الوطن لأنه لم يقدم لنا خبزنا، مهمتنا أن نقدم آليا رغيف الخبز، ثم نجازي المسؤولين عن هم أحرقوه كله أو نصفه؟
والتنمية السياسية ليست كلام في ردهات السياسة ومقارها، إنها ممارسة مسؤولة ومن دون الالتزام بها، فإن حديثنا يبقى وهما وطموحاتنا تبقى أحلاما ممكن تنقلب على كوابيس تقض مضاجعنا.&&&&
واتفق مع قول الملك عبد الله الثاني "وحيث الديمقراطية التي تقوم على الحوار واحترام الرأي والرأي الآخر وحيث الإصلاح القضائي الذي يجسد النزاهة والتجرد وحماية الحقوق وحيث الحرية المسؤولة للصحافة التي تخدم أهداف الدولة الأردنية وتعبر عن ضمير الوطن وهويته وتعكس إرادة الأردن وتطلعات أبنائه وبناته".
لقد مر على الأردن ظروف كان فيها الإعلام غير ملتزم بقضايا الوطن الأردني أولا، كانت وبعضها لا يزال |للأسف" صفحات بعض الصحف الأردنية تعيش هموم غير الأردن، وهم بعض من أعدائه، لهذا لا بد من إعلام صادق مسؤول يعبر عن ضمير الوطن وهويته ووجهة، وأتساءل: كيف يمكن لصحافي أن يطالب بحرية التعبير وتعددية الآراء من بلد وهو يحمل على راس قلمه هموم الطرف الآخر؟؟
من لا يحمل الهم الوطني أولا سواء كان صحافيا أو سياسيا أو برلمانيا أو نقابيا أو حتى ربة بيت لا يحق له المطالبة بالحرية، وهو سواء بسواء يظل جبانا خائفا من خياله لأنه يظل تحت ظل الطرف الآخر الذي يرشيه مرة بالمال ويلقمه الجزرة ويهدده ثانية بالعصا وفي ما بين بين يرمي له "ترياق الباب الموارب"، وما أكثرها البوابات المواربة في الأردن لمزيد الأسف.
مطلوب في هذا الحال من الإعلام الأردني الكثير أولا بالولاء للوطن ومن ثم التعلم والتعلم والتعلم أيضا وبعدها اجتباء افضل السبل الطرق المهنية الراقية، لا يمكن لإعلام كسيح أن ينجز، ولا يمكن لإعلام فرض على نفسه التبعية أن يكون رائدا أو قائدا، وبالتالي كيف يمكن أن يحترم؟.
وأسأل زملاء المهنة في عمان، لماذا هو التردد في طرح دور الأردن عربيا وإقليميا، لماذا لا يبادر "عفوا من نفر قليل معدود لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة"& الإعلام الأردني والصحافة على إيصال رسالة الوطن إلى الخارج، نعم صدق الملك عبد الله الثاني "فقد عجز إعلامنا عن إيصال رسالتنا وإنجازاتنا إلى المواطنين وظل متأثرا لا مؤثرا"، وأضيف متسائلا أيضا "إذا فشل في هذا فكيف به التأثير في الخارج"، وخصوصا أن العالم صار "قرية صغيرة، من خلال هذا التطور الكبير الذي نلهث وراءه على طريق المعلومات السريع".
لكن يبدو أن الإعلام الأردني صار مثل بعض رجالات الصالونات السياسية، لا يدرك من تطور العالم الكوني في تقنية المعلومات سوى ما يصل إليه من ذرات متطايرة في الهواء عبر شبكة الإنترنيت التي تعج بها صحف الأردن ووسائل إعلامه كديكورات صالونات الحلاقة النسائية.
التنمية السياسية هي الأساس للتنمية الشاملة، اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، فمن دون فهم مفهوم التنمية السياسية المطلوبة، والفصل أولا وأخيرا، بين مصطلحاتها، ظل في قمقم أن السياسة هي "الهرج والمرج تحت قبة البرلمان وأعمدة الصحف المنافقة، وتسيير المظاهرات بمناسبة أو خلافها، وإصدار البيانات حيثما اتفق، واغتيال الآخرين من خلال شائعة، السياسة ليست الكلام في الكواليس عن التعديل الوزاري وليست هي بالتالي متابعة أخبار التلفزيون عما يجري في العراق أو فلسطين، أو حتى في بلاد واق الواق.
في بريطانيا، وفي إطار السياسة، بدأوا تنفيذ قرار يلزم أبناء الرابعة عشرة والسادسة عشرة بالذهاب ليومين إلى المصانع والمحال التجارية والمزارع ومؤسسات العمل لاكتساب خبرات، وستخضع هذه لنظام العلامات المدرسية، وهناك قرارات كثيرة مماثلة سابقة لهذا، أليس هذا عملا سياسيا؟ نعم أنها جل العمل السياسي، فالسياسة ليست فقط التي يصرح بها توني بلير ويرد عليه زعيم المعارضة صراخا تحت قبة مجلس العموم، السياسة في بريطانيا هي العمل.&
وفي الأخير، السياسة مفصل مهم في فهمنا لتكويننا الإنساني، وتطورنا الاجتماعي، وهي نحن وكيف نفصل ثيابنا على مقاسنا وكيف نقدر كم رغيف نأكل كل يوم، وكم دونم من الأرض نزرع، وكم من الولاء نقدم للوطن، ونسأل أنفسنا كم قدمنا وماذا قدمنا له، وحين ننام نضعه في حدقات العيون وحبات القلوب، حتى حين أن صحو عند الفجر يكون بدأ يوم عمل جديد.&&&&&&&&&&