أية قراءة متأنية للمقال الذي كتبه الأخ علي سيريني في موقع إيلاف بعنوان ( الإعلام الحزبي الكُردي قياساً للانحطاط ) تؤكد لنا أن كاتبنا علي سيريني وقع في مطب مطلقات و مبالغات كبيرة لم نكن نتوقعها منه بالذات لأنني أعرفه و أعلم أنه - بقدرمعاشرتي له في لقاء جمعني وإياه - بأنه شخص محبذ للرؤية و التقييم العلميين و عدم الوقوع في فخ التصورات الإرتجالية، كما أنه لاينظر الى القنوات الإعلامية الحزبية بهذه النظرة الشمولية و هذه السوداوية التي وصلت الى حد تشبيه الإعلام الحزبي في كردستان العراق بإعلام حزب البعث المنحل. وقد يكون أبسط دليل على هذه المقارنة أوالتشبيه المتهافت و الخاطيء لسيريني هو موقفه العملي، عنيت هنا طلبه شخصياً، ذات مرة، بعد زيارته لصحيفتنا (كوردستاني نوي/ كوردستان الجديد) أن نجري معه لقاءاً أو نفتح له زاوية أو محوراً في الصحيفة يكتب فيه بين حين و آخر آراه عن مسألة القومية و القضايا الأخرى في الوقت الذي كان يعلم كاتبنا جيداً بأن كوردستاني نوي هي صحيفة شبه حزبية أو- على الأقل - ممولة من قبل الأتحاد الوطني الكُردستاني و هي من كبريات الصحف الكُردية، و كنا على علم بدورنا أيضاً بأن سيريني مثقف إسلامي و متعاطف مع أشد التيارات الإسلامية تطرفاً في السابق و لكن مع ذلك رحبنا به بعادتنا الكردية الأصيلة كضيف كريم و مثقف محترم دون أخذنا بنظر الأعتبار أية إعتبارات سياسية أو آيديولوجية تجعلنا نقاطعه ونتلافى أستقباله في مقر الصحيفة.


من جانب آخر، يجعلنا المقال أن نذكر كاتبه بأن أصل المبالغة في الصورة القاتمة التي قدمها عن الأعلام الحزبي في كردستان يكمن في عدم تمييزه بين القنوات المختلفة عن البعض أيديولوجياً و سياسياً و حتى مهنياً، فالصحيفة المذكورة ( كوردستاني نوي) على سبيل المثال لا الحصر و منذ صدورها (1992) وحتى الآن نشرت لقاءآت و مقالات لاتعد و تحصى كانت أغلبها محتضنة لإنتقادات لاذعة موجهة لطالباني و قيادة الأتحاد لحد الشتم و حتى التشهيرأحياناً دون أن تعترض الصحيفة عليها أو تهمشها بهواجس حزبية في الوقت الذي كان بإمكانها فعل ذلك لأن الصحيفة كانت محسوبة على الحزب مما يعني آلياً أن إحدى وظائفها هي عدم قبول من ينتقد الحزب أو قياداته بلغة غير موضوعية أو بعقلية الإسقاطات الباطلة على الأمور و الأحداث. و هنا يمكن لكل قاريء باحث عن الحقيقة أن يتفضل و يطلع على أرشيفنا و يؤكد بنفسه على ما نذهب اليه و يرصد النماذج التي تؤكد إلتزام الصحيفة بقيم حرية التعبير و النقد حتى و إن كانت تطال أحياناً سمعة الحزب و قياداته و أمجاده في بعض القضايا و المسائل، نقول هذا حتى لايكون رأينا في هذا المضمار إدعاءاً باطلاً أو ضرباً من الدعاية الحزبية.


ثم ياأخي سيريني، أنك تعلم أن الحزبين ينفقان عن طريق حكومتهما سنوياً ملايين من الدولارات على حقل الأعلام الحر، و تعلم جيداً أن أول من بادر بذلك في البداية كان د. برهم صالح نائب الأمين العام للأتحاد الوطني، وكذلك تعرف بأنه صدرت منذ ذلك الحين حتى اليوم مئات الصحف و المجلات المستقلة و الأهلية نتيجةً لهذا الدعم المادي و التمويل الملحوظ، و تعي تماماً أن أغلب تلك الصحف و المجلات و حتى المؤسسات المستقلة التي يمولها كل من الحزبين تمارس حرية التعبير و النشر الى أقصى حد بل الى حد القذف و التشهير الذي لايُسمح به مهنياً و قانونياً في أية دولة متحضرة و متقدمة فما بالك في الدول المتخلفة ثقافياً و حضارياً و ذلك حفاظاً منها على كرامة المواطن إن كان مواطناً بسيطاً أو مسؤولاً حكومياً أو حزبياً.


كما أنك حينما تعمم الصورة و تفتقر الى الدقة و التمييز تحجب و بكل سهولة أمجاد الصحف الحزبية الكُردية أو على الأقل نماذجها المبدعة و الفريدة. فمثلاً أنكم تعلمون بأن صحيفتنا التي طلبّت منا شخصياً أن تكتب فيها، تساهم فيها رموز كبيرة من المفكرين و العلماء العالمين و العرب و النخب المثقفة في الوسط الثقافي الكُردي و لها صفحات خاصة بنقد الظواهر والمظاهر التي نعتقد معاً بأنها غير لائقة بصيت الشعب الكُردي و نضاله السياسي المشروع. كما أنها أجرت حتى الآن الكثير من الحوارات الفكرية و الفلسفية مع ألمع المفكرين في العالم الغربي و العربي و التي بينوا فيها وجهات نظرهم و أنتقدوا من خلالها أنتقاداً لاذعاً الحركة الكردية أو القيادات السياسية أو التجربة التي نخوضه في أقليم كردستان في بعض الجوانب دون أن يصل الأمر مع أي منهم لدرجة منطوقاتك و تشبيهاتك التي لم تكن منصفاً فيها للأسف بل عممت الصورة دون أي برهان أو بيّنة سوى الإعتماد على القيل و القال أو القاءآت الإرتجالية مع بعض الناس دون سواهم أو على التحدث المتصادف مع بعض الأشخاص و الذي لايرتقي في آخر الأمر أبداً الى مستوى طموح الكُتاب الذين يشتغلون على الأمور و الأحداث بروح الدارس و الجامع للمعلومات و الوثائق أو السامع للرأي والرأي الآخر أو المُمَيّز بين الأشياء و المعطيات، الذي هو من أبسط شروط القراءة و المقاربة العلمية لعالم الأشياء..


يؤسفنا جداً دون شك أن يكون كُتابنا الذين يجيدون اللغة العربية يوظفون هذه اللغة لتقديم صورة الكُرد وتجربته، التي لاتخلوا كتجارب الشعوب الأخرى من الشوائب و الإشكاليات و المشاكل، بهذه النظرة النمطية التي يقف لها بالمرصاد كل من يبحث عن إستغلال المرحلة الإنتقالية للتجربة الكُردية الديمقراطية لتشويه صورة الكُرد مثلما يستغلون اليوم معاناة الشعب العراقي بسبب إنعدام الأمن و الأمان و العميات الإرهابية التي تستهدف إرادة العراقيين في بناء تاريخهم الجديد و تجاوز الحقبة البعثية التي كانت قائمة على العنف والدكتاتورية و القمع و المقابر الجماعية.

عدالت عبـدالله

* سكرتير تحرير صحيفة كوردستاني نوي اليومية