يقول السيد عثمان العمير : تبدأ الأمور صغيرة، ثم تتحول إلى كرة نار من الصعب أطفاؤها. هكذا بدأت فكرة إيلاف. في الحقيقة هذه هي إيلاف. ويردف أستطراداً : إيلاف مشروع اعلامي متكامل، تضم فيه الصحيفة بما لها من مداليل وأصول وجذوع، إلى منظومة شقيقاتها الأعلاميات الأخرى. أنها تدمج ذلك الألق الصحافي الذي يجده القارئ في الجريدة، بتلك الأنهار الأعلامية التي أصبحت متداخلة بينها وبين نفسها. أنتهى الأقتباس. هذا كان في لندن 21 ndash; أيار ndash; 2001. وها قد أنقضت سبعة أعوام على أعلان هذا المانيفستو الإيلافي ndash; العميري، سبعة أعوام مترعة بأريج يعبق الأودية والسهوب، الأحراش والسهول، سبعة أعوام نرمقها بعيون العاشق والناقد، سبعة أعوام أصطرعت فيها ونصارعت مفاهيم الأنكماش والتألق، أبعاد السياسة الخليجية ومعادلات دول المنطقة والسياسة العالمية، درجات تحرر الخطاب والكلمة والجنس والصورة والشعور والحس والميول والتصور والرأي. سبعة أعوام زاهية تزهو، مباركة تشرق وتنبلج. سبعة أعوام تتدحرج نحو الزمن، نحو الأفق، نحو سلطنة الوجدانيات..


لاريب أن إيلاف تمارس حرفية مهنية على كافة الصعد في غاية الموضوعية و الجودة والأناقة، وتدرك تمام الأدراك مستوى الأكتراث بها في أصقاع العالم قاطبة، وتعي بنفس الدرجة حجم وجسامة المسؤوليات المبعثرة هنا وهناك. و لاريب أن إيلاف باتت على قناعة أكيدة أنها أضحت كائناً، ماهية، تصوراً، كوكباً، روضة، قرنفلة، معنى له أبعاد في الفكر والفلسفة والسياسة ومعظم المجال الحيوي الطبيعي. كما ولاريب أنها تتفهم دور طاقمها المميز، أبتداءاً من السيد عثمان العمير، دون إنتهاء بأحد، فالمصراع مازال يزداد فتحاً، والأدوار مافتئت تتعاظم درجة، والمهام مابرحت ثقيلة عظيمة تتشهى الأستغاثة.

بيد أن للمعطيات أحياناً وجهات وزوايا واستنطاقات قد لاتكون إلا مختلفة، متباينة، متنوعة، غنية، متداخلة، لذلك أقول إذا ابتغت إيلاف إن تغدو مجلة قيمة رائعة فإنها قد أكتسبت، وإذا ابتغى السيد عثمان العمير أن يقال له ( برافو، ممتاز ) فأنه قد أستحق، لكن أن نبغي نحن من ( إيلاف، السيد عثمان العمير، السادة الكبار الاخرين ) ما نروم أو ما نتوقع، فذلك أمر في وضع آخر تابع لتصورات تطور المجتمع ومعادلاته الخاصة ومفرداته الطبيعية. وأنا هنا لا أرمي إلى التحدي المستبطن في طبائعية الأشياء والسياسة والأجتماعية و الأنطولوجيا والذاتولوجيا ( علم خصائص الذات ) وعلم تطور الذات، ولا إلى الوظائفية الرائعة ( كروعة البنكرياس في إفراز الأنسولين وهول التراجيديا في حال عدم الأفراز )، ولا إلى جسامة المسؤوليات التاريخية الملقاة على كاهلنا جميعاً، ولا إلى عمق الأبداعات الفكرية الفردية، ولا إلى رونق الجمالية في هذه اللحظة أو تلك، إنما أرمي إلى عقلنة المرحلة التي قد تحتاج إلى كل الأمور السالفة الذكر، لكنها تحتاج ~ بالتأكيد ~ إلى موضوعلوجيا ( علم خصائص الموضوع ) وعلم تطور الموضوع، اللذان بدونهما سنمكث وسنستمر في الكارثة، في اللاتعيين، في فقدان الذات أيضاً، في اللاعلم واللامعرفة.

ولذا فأنني أرمي إلى أبعد ما ذهبت إليه جماعة من الأساتذة السوفييت في مؤلفهم ( موجز تاريخ الفلسفة )، ص 841 ( إن الثقافة الأشتراكية تنمو وتترعرع خلال مسيرة الثورة الثقافية الأشتراكية، التي ستقوم بها البروليتاريا بعد أستلام السلطة، وسيطرتها على وسائل الأنتاج المادي والروحي. وهكذا لابد، أولاً، من القيام بأنقلاب سياسي و أجتماعي، ومن ثم، على أساس هذه التغيرات، يتم الشروع بالثورة الثقافية )، من المؤكد إن الثورة الثقافية ستزداد تدفقاً وحجماً ومجالاً وارتقاءاً بعد أستلام البروليتاريا للسلطة ( كحالة فرضية )، لكن من المعيب والخطأ الفادح أن يحدث أنقلاب سياسي أجتماعي دون تلك الثورة الثقافية، لأن هذه الأخيرة تؤلف عاملاً جوهرياً في ذلك الأنقلاب. لذا لا أوافق هؤلاء السادة الكبار حول هذا التصور الهزيل القزم للفكر الماركسي العملاق، لكن جوهر المسألة بالنسبة لنا ndash; بخصوص موضوعنا الحالي - هو الذي يهم وهو الآتي : إن الثورة الثقافية الفكرية كتصور وكممارسة وكأختمار هي أهم عامل في التغيير السياسي والأجتماعي، لاسيما فيما يتعلق بالشرق الأوسط، كعلاقة ما بين درجة تطور المرحلة ووعيها الموازي التاريخي، مع أدراكنا العميق للدور العظيم للعلاقة ما بين النظرية والواقع، ما بين الثقافة والممارسة، ووعينا التام بدور المسائل الأخرى، مثل علاقات الأنتاج والبنى التحتية. والآن كي يتضح كنه وميكانيزم تصورنا الخاص وعلاقتهما بالدور المميز لإيلاف ولشقيقاتها الأعلامية الأخرى، لامندوحة من بيان وتبيين الأطروحات التالية.....

الأطروحة الأولى : الهوية والمستقبل..إذا طرح أرسطو مبدأ الهوية على أساس الصيغة التالية ( هو هو ) ( الشجرة هي الشجرة )، فأنني أطرح الصيغة التالية ( هو في تحول إيجابي إلى لا هو ) أو على الأقل ( هو) في تطور إيجابي إلى ( هو ) جديد، ( هو ) متقدم، ( هو ) لايعدم الماضي إلا بمقدار ما يضفي عليه أو يمنحه درجة أقوى في المستقبل. أو على الأقل، كعتبة دنيا، ( هو ) يحتضن المستقبل. (هو ) لايلتزم بالحاضر إلا أن يكون ذلك وسيلة وغاية لرسم أبعاد مستقبل يطرح موضوعياً نفسه، يفجر إيجابياً ذاته، يعقل ( علمياً ومعرفياً ) مكنوناته، لايغترب عن مداره. فالألتزام الجامد بمبدأ الهوية هو نوع من أنواع الأنتحار، يمج مرتكزاته رويداً رويداً، يلفظ أنفاسه شيئاً فشيئاً، ليحتضر في النهاية ويهمد إلى الأبد. هذه هي إحدى أهم أشكال الإشكال والمشكل في الشرق الأوسط والتي لازلنا نكابد منها......

الأطروحة الثانية : مبدأ الديمومة. من نافل القول، أن الديمومة ليست مقولة في الشكل أو منطوق نظري يسعى إلى إمكانية إدراكه بصورة أكاديمية وكأنه مجرد ربط ما بين الماضي والمستقبل. وكذلك نحن نرى إن الديمومة ليست ( ذاتية ) في الحاضر، ولاهي ميكانيزم العلاقة ما بين الأسس، إنما هي فحوى العلاقة ما بين تلك الأسس، مابين الحاضر والمستقبل، أي بتعبير بسيط، هي قوة للحاضر للأنطلاق الإيجابي والأكيد إلى المستقبل، دون أن يعتورها وجل أم تردد، دون أن تعوزها نفحة ( الحياة ). والديمومة، بهكذا مقياس، هي مصداقية الحدث والتاريخ، مصداقية التتالي والتتابع والمتوالية، مصداقية الماضي والحاضر والمستقبل، مصداقية الآن والآن الآخر، مصداقية الفحوى والعلاقة، مصداقية الجزء والكل...... الأطروحة الثالثة. الدور التاريخي وتاريخانيته. الدور التاريخي هنا يتباين عن محتوى الوظائفية التي حتى لو كانت في تألق وأشراق وأنبهار فأنها تغل في حيز ما، في منطفة ما، وكأنها تقيد ذاتها طبقاً لدوائر هي ترسمها. وعلى العكس منها، الدور التاريخي هنا لايرسم تلك الدوائر إلا ليتجاوزها، ويستخدمها كأدوات وليس كأصفاد وأغلال، لأنه لا يقتات من إدراك تاريخانيته فقط، إنما من دفعها إلى الأمام، إلى التطور الصاعد. فالتاريخانية هي، هنا، وعي المرحلة كركن ضروري للأنطلاق، وعقلنتها كشرط ضروري لإدراك المستقبل، وتطابق ما بين الثقافة وثورتها، وتأكيد على أولوية هذه الثورة. وهذا هو تصورنا بكل صراحة للدور المميز الأخاذ لإيلاف وشقيقاتها الأعلامية الأخرى. و ما عدا هذا التصور، المسألة في رأينا تنكمش و تتقزم إلى شكل من الجمالية، إلى نوع من الأداء التاريخي، إلى صورة من صور الوظائفية، إلى طرح من أطروحات العلاقة، إلى وسيلة من وسائل الأنتاج، إلى لوحة باهتة من لوحات الثقافة. وهذا ما لانرضاه لا لإيلاف ولا لشقيقاتها الأعلامية الأخرى..

هيبت بافي حلبجة