الحديث عن الهوية الوطنية في الإمارات يشبه في أهميته وخطورته سؤال شكسبير في إحدى مسرحياته: quot;نكون أو لا نكون.. تلك هي المسألة.. أو ذلك هو السؤال.
السؤالليس عادي وهو ليس بسيطا بأي معنى من المعاني، السؤال حول وجودنا ، ووجودنا مرتبط حتما بهويتنا، وهويتنا هي لغتنا، وديننا، وعاداتنا وتقاليدنا ، الؤال يضرب في جذر علائقنا الاجتماعية وروابطنا العائلية ، في تفاصيل المكان والذاكرة وشكل المدينة والحي،وفي كل ما يمت لتفاصيلنا وسماتنا التي نراها- كمواطنين اماراتيين - تتلاشى أمام أعيننا وسط طوفان من الأجانب الذين نبذلأكثر مما يقتضيه الحال لكي نبدو أمامهم اننا منفتحين ومتحضرين على طريقتهم، ومتفاهمين معهم وبأنه لا مشكلة تماما لدينا حيال وجودهم، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما كما يقوله الناس في أحاديثهم الخاصة والعامة!
ولكي نكون محقين ومنصفين فان وزارة الثقافة حين عقدت مؤتمر الهوية منذ فترة للتنبيه للخطر الكبير الذي يواجه الهوية الاماراتية لم تكن المرة الاولى التي يفتح فيها هذا الملف، ولم تكن الوزارة أول المبادرين ، لقد عقدت ندوات وجلسات عديدة منذ سنوات طويلة حول مسألة الهوية وأزمة الخلل السكاني حينما كان الأمر لا زال في نطاق الأزمة، وقبل أن يتحول إلى كارثة تهدد أمننا ووجودنا وحتى كياناتنا السياسية كما جاء في الكلمة- التي ألقاها القائد العام لشرطة دبي الفريق ضاحي خلفان، ودوت في جميع أنحاء العالم، متجاوزة قاعة المؤتمر في قصر الإمارات بالعاصمة أبوظبي حين قال quot; نخشى أننا نبني العمارات ونخسر الامارت quot; .
علينا ونحن بكل هذا الحرص الذي بدا واضحاً في جلسات المؤتمر، ومن خلال الأوراق والنقاشات، أن نتوقف عن التباهي بوجود 200 جنسية على أرض الدولة باعتباره إنجازاً، ذلك لا يعني أن ننعزل وندخل في غيابة الجب، لكننا وخلافاً لدول كثيرة نحن نفتح بوابات استقدام العمالة والهجرة دون خوف ودون حساب ودون تخطيط ، ودون معرفة يقينية بانقطة التي نريد أن نصل اليها أو تلك التي نريد أن نتوقف عندها ، مع أننا في أمس الحاجة اليوم قبل الغد لأن نتوقف عن ذلك ،لأننا ببساطة شارفنا على نسبة 10% من نسبة سكان بلدنا، وبالأرقام فنحن الاماراتيين مجرد 800 ألف مواطن وسط بحر متلاطم من البشر القادمين من كل الدنيا ،وبوضوح فهذه كارثة حقيقية ، وبوضوح أكثر فنحن أقلية لا أكثر نعادل نصف عدد الجالية الهندية البالغة مليوناً ونصف المليون ، وهنا فالكارثة أعظم!
علينا أن نغلق حنفية استقدام الأجانب نهائيا، أو أن نتعامل معها بحكمة ورؤية مختلفة تماما عما هو حاصل اليوم ، وأن نفكر ملياً ونحن نبدي هذا القلق على الهوية بأن هذه الهوية ليست معنى رمزي هلامي وغير مرئية.. إنها محددات شخصية علمية وعملانية ملموسة قابلة للتأثير والتأثر، كما أنها قابلة للتآكل والتشويه بسبب هذه الـ 200 جنسية التي نتحدث عنها على أنها إنجازنا التنموي الأكبر الذي نسوقه في كل مكان وكأننا نتلو صلاة براءتنا الحضارية من عقدة التمييز والانغلاق لنقدم في الوقت نفسه الدليل المادي والملموس على تحضرنا وإيماننا بالتعايش مع الآخر وقبوله بكل رحابة صدر وانفتاح، مع أننا منفتحين فعلا منذ كنا ومتحضرين جدا، وأصحاب ميراث نفخر به كما أي أمة وأي شعب، ولا نريد لذلك كله أن ينقرض، أو يلغى أو يصادر تحت أية ذريعة!!
إن عمليات النمو والتمدد وهذا المشروع العقاري اللا متناهي واللامنتهي مع ما يفترضه حتميا من استقدام آلاف البشر للعمل وآلاف آخرين كشعوب بديلة تسكن الأرض والمشاريع، وتشوه ما عليها لصالح هويتها ومشاريعها الخاصة،، هذا هو التهديد الصارخ للهوية والوجود والسيادة معا. وهذا ما يجب أن نتوقف عنده متسائلين لنقرر الاجابة ولنختار: نكون أو لا نكون؟!
علينا أن نفكر كثيراً في موضوع الهوية وعلاقته الجدلية والعضوية بالتركيبة السكانية المختلة التي أفرزت 200 جنسية وآالاف المشاريع والخطط والانماط السلوكية الغريبة، لقد جاء معظمم هؤلاء للعمل لكنهم تحولوا مع مرور الايام إلى شكل من أشكال الاستقرار الدائم أو الهجرة الاختيارية إن صح التعبير دون أن يكون لدينا قوانين وتشريعات دقيقة تقنن لهذه الحالة ، فإذا استعنا بقوانين وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمعالجة الأمر الخاص بحقوق المهاجرين فالصورة ستكون أكثر قتامة مما قد نتصور، لأننا حينها سنواجه باستحقاقات والتزامات لا أظننا شعباً وقيادة على استعداد للقبول بها!
ملتقى الهوية جاء ليناقش المسألة الأكثر خطورة وإلحاحاً في واقعنا الإماراتي الراهن ، وهو قد جاء متأخراً كما يعتقد البعض، خاصة بعد أن صرنا أقل من نصف إحدى الجاليات في الدولة عدداً، لكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً حسب اعتقاد البعض الآخر، فإذا كان لايزال في الوقت بقية فلنذهب إلى الحلول مباشرة دون مجاملة ، لأن أي مجاملة هنا لن تكون إلا على حساب وجودنا .. دون تغليب أي مصلحة أخرى، لأنه لا مصلحة تفوق بقاءنا مواطنين أصحاب سيادة على أرضنا!
في معركة الوجود والهوية ليس أمامنا سوى أن نكسب المعركة ، أما الترويج لثقافة او نظرية انقراض المواطن الاماراتي كما تروج لها كثير من رسائل الهواتف النقالة ورسائل الايميل فغير مسموح بها ويجب أن لا نتهاون حيالها لأنها المرادف الحقيقي للهزيمة المبكرة ، ولاعتبار هذه الهزيمة قدرا، وقدرا مقبولا ومرحبا به أيضا!
نحن نصر بأننا لن ننقرض فوق تراب وطننا.






التعليقات