تعويضات العراق العربية - العربية: المشاكل المالية مع الكويت

بعد الأدانة الدولية لعراق صدام ونظامه الأجرامي على غزو الكويت عام 1990، تراكمت على العراق ديون ومطالبات مالية للتعويض عن أضرار مادية ألحقها النظام الأجرامي بحقوق أفراد وشركات وحكومات عربية وأجنبية. وأتخذت هذه الأدانة قالباً سياسياً بالأضافة الى القالب القضائي الدولي المتعارف عليه للمطالبة بالديون ودفع التعويضات المستوجبة للمستحقين الذي أتخذه مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بقراره المرقم 678 والمؤرخ في نيسان أبريل من عام 1991.


وينبغي القول مقدماً، بأن ذلك النظام المقبور وقائده نالا الجزاء الوطني والدولي لما أقترفته اليد الأثيمة ضد البلد العربي الجار وأهله.
والحقيقة المطلقة التي توصل لها مجلس الأمن الدولي بقراره المرقم 678 1991، هو موضوع دراستي الشائكة للنواحي السياسية والقضائية الدولية التي لعبت دورها في أصدار القرار وقرارات مماثلة ضد العراق تلك السنة وبعدها، مع الأشارة الى الأضرار المادية والنفسية والبشرية التي ألحقها الغزو بالشعبين العراقي والكويتي.


وأود أن أدرج أولاً أسس مطالبة الكويت بالتعويضات العراقية والمناخ السياسي الدولي الذي تمت في حينه وفصول كتابة قرارات في أروقة الأمم المتحدة، تبدو ملزمة وقانونية من جهة مع أنها مجحفة وتتخللها الكثير من الأخطاء والعيوب والتناقض من جهة أخرى. كما أود أن أشير الى أن قرارات مجلس الأمن بشأن العراق والتعويضات المستحقة كانت متداخلة مع قرارات أخرى تتعلق بالأسرى الكويتيين وفقرات تتعلق بالتعويضات للأفراد والشركات والضرر الذي أصاب المتلكات والضرر العام الذي أصاب مرافق ومؤسسات الدولة بالأضافة الى تشابكها مع القرارات الأخرى المتعلقة بفرق التفتيش الدولية لأزالة أسلحة الدمار الشامل. فتشابك هذه القرارات وكما يتضح من قراءتها بتمعن والتعرف على نصوص فقراتها، يتبين لنا عدم عدالتها وعدم دقتها وأنحياز منبر مجلس الأمن التام ضد المدعى عليه الحكومة القائمة وقتها وأشراك( الشعب) كشريك في الذنب والعقوبة، وخلط مبدأ التعويض بقرارات التفتيش عن أسلحة والسماح للمفتشين الدوليين بالأضافة الى قرار العقوبات الأقتصادية على العراقيين ككل. مُذكِّراً، بأن مجلس الأمن الدولي بصيغته منذ أنشائه قد يكون في أمكانه تحقيق الأمن ولكنه لم يكن تاريخياً وأجرائياً يهمه تحقيق العدالة. فالأمن لايعني العدالة المطلقة، كما أن دولاً عديدة ( لها نفوذ ووزن ) تجاهلت الكثير من قرارته المُلزمة المعروفة للعالم، وكما قالت غولدا مائير في الستينات من القرن الماضي quot; أن الأمم المتحدة ومنظماتها ليست بندقية موجهة الى صدورنا في أسرائيل، ولاتهمنا قراراتهاquot;.


أعود وأقول أنه في عام 1991، أصدر مجلس الأمن سبعة قرارات تُحمّل العراق الأستجابة والأذعان للأرادة الدولية وهي القرارات المرقمة 660، 661، 662، 664، 665، 666، 667، أتُخذَتْ كلها في ذلك العام وحده1991، وليلحقها قرارات أخرى غرضها الأساسي وضع الأسس المبدئية لأنهاء النظام (1) بمساعدة المستشارين القانونيين الذين لم يبخلوا في أدراج سلسلة لانهاية لها من المطالبات والملاحقات القانونية والمبرارات لحشر أسماء لأشخاص لاتشملهم الصفة القانونية للأدعاء بالأضرار والمطالبة بالتعويض عن الخسائر في وقت وظروف دولية كان فيها فوران الغضب السياسي هو السائد والمسيطر على مناخ مجلس الأمن لمعاقبة الجاني (النظام العراقي) بعقوبات أقتصادية وتعويضات مالية. وبكلمة أخرى، أن الأدانة ( مع أحقيتها ) أتخذت الطابع السياسي الأنتقامي وأبتعدتْ عن فرض الصفة القانونية للمطالبة بالتعويضات للخسائر لتشمل (حزمة قرارات جائرة موجهة ضد ضحايا النظام ). لقد كان يُفترَض أيضاً (بحزمة قرارات عام 1991) أن تكون الأدانة والعقوبة موجهة الى مرتكبيها كما وردت في لائحة الأدعاء القضائي للأدانة الدولية أِلا أن مايعيبها أنها نُفذتْ دون رحمة ضد الضحية العراقية المتضررة، العربية والكردية،وليس ضد المجرم وأثمه، ليصبح المواطن العراقي كبش الفداء وهدف العقوبة لما يمكن تسميته quot; أقتلهُ قتلاً ثم أذبحه الى الوريد quot;. والمخجل في بعض هذه القرارات الدولية التي وصلت حدوداً مرفوضة سياسياً وأخلاقياً أنها أتُخذتْ أساساً:
أ- لحماية عرب الجنوب الذين ثاروا ضد النظام والأضرار التي لحقت بهم. ب ndash; لحماية أكراد الشمال من هجمات قوات صدام والأضرار التي لحقت بهم. فكيف صدرتْ قرارات هي في حقيقة جوهرها أضرار تُضافُ الى الأضرار والخسائر يتحملها القوم المطلوب حمايتهم وحماية حقوقهم من المنظمة الدولية وعدم التفريط بثروتهم القومية؟


وأذا أردنا أدخال الجدل القانوني والأعتراف الدولي الأجماعي بما تبين لاحقاً بعدم وجود أسلحة الدمار الشامل وكذب الأدعاء السابق، فما هي الصورة القانونية التي تجعل من هذه القرارات مُلزمة؟ وماهي المسؤولية الدولية بعد أن بدأت هذ القرارات تتهاوى الواحدة بعد الأخرى من الناحية القانونية والحجة الدولية؟ وأي من القرارات كانت حقاً لمصلحة الضحية؟ أن القراءة القانونية للقرارات المتخذة ضد العراق ولعام واحد فقط كانت قد تجاوزت المنطق السياسي والعقل القانوني. ففي ذلك العام، وأعني عام 1991، أتخذ مجلس الأمن سبعة قرارات أدانة ضد النظام السابق، ولكنها في مجموعها كانت أدانة للمواطن في العراق قبل أن تكون أدانة للنظام وعلى ضوئها مازال المواطن العراقي يدفع الثمن على شكل تعويضات أو ضرائب يتحملها دون مبرر.


أن حزمة القرارات هذه كانت كما بينتُ مسبقاً Overlapping لجريمة أرتكبها فرد واحد وليس أمة بأكملها وكان يمكن أدراجها وأختصارها بقرار موحد وفقرات محددة مقبولة من الوجهة القضائية. أِلا أني أرى أن مفهوم العدالة الانسانية ينتفي في مجلس الأمن حيث لعب المال دوره بتوجيه من جهات عربية وأجنبية لأدانة الضحية قبل أدانة النظام. ويفهم خبراء القانون الدولي أن معظم هذه القرارات كانت متعسفة و مجحفة عندما تقتل الضحية مرتين أو ثلاث مرات و تتداخل فقرات القرارات وتتشابكOverlapping لأعطائها قوة الألزام والأهمية وتُبويبها قضائياً دون رؤية أو ألتفاته لحقوق الجانب الأخر. فمتى يعي مجلس الأمن الدولي على جرائم أنسانية أرتكبها بحق العراق والتفريط بثروته الوطنية وزرع بذور الشك والخلاف بين الدولتين؟


فالشروط المفروضة من مجلس الأمن التابع للامم المتحدة بعد حرب عام 1991، فان على العراق دفع خمسة بالمئة من ايرادات النفط العراقية كتعويض للكويت ودول وشركات وأفراد. كان العراق قد دفع لحد الآن تعويضات بحدود 25 مليار دولار أميركي من رصيده النفطي الى الصندوق الخاص في الامم المتحدة.


وقد أبرز مسؤول عراقي موخراً في تصريح لأيلاف بأن( أكثر من 28 مليار دولار لم تدفع بعد). كما يأمل المسؤول العراقي تحريك الموضوع (للملفات الشائكة والمعقدة مع الكويت وابرزها قضايا الديون والتعويضات والحدود المشتركة) وأيجاد حلول ايجابية عند أنعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية الذي سيعقد في الكويت هذا الشهر.


علماً بأن الكويت لاتحبذ مناقشة أو تغيير برنامج التعويضات المُقرر والمفروض على العراق من قبل مجلس الامن عام 1991 المرقم687. وأن اللجنة الخاصة بصندوق تعويضات الحرب المنبعثة عن الأمم المتحدة
United Nations Compensation Commission (U.N.C.C.


كانت قد أصدرت قراراً يتحتم على العراق بموجبه دفع تعويضات تصل قيمتها الى 53 مليار دولار أمريكي تم تحديدها وتبويبها في خمس حقول للمطالبات. وهي تخص الأفراد والحكومات والشركات المتضررة. تحصل منه حكومة الكويت على 21.5 مليار دولار أمريكي، تذهب معظمها للقطاع النفطي الكويتي المتضرر الذي تملكه الدولة، وتحصل القطاعات الحكومية الكويتية الأخرى على 8.2 مليار دولار أمريكي بالأضافة الى منح تعويض مقداره 3.8 مليار دولار للأضرار البيئية. وبذلك تكون الكويت قد حصلت على 37 مليار دولار من مجموع أضرار الحرب التي نص القرار بدفعها وليتم دفع الديون المتبقية للدعاوى ومطالبات الشركات والأفراد.


أن أي بحث مبسط للقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن بالنسبة لقرار التعويض يجب أن يخضع من جديد لدراسة جدية وبحث أخوي بين الجانبين العراقي والكويتي دون تعنت الكويت وتمسكها بقرار مجحف بحجة كونه قرار دولي لارجعة فيه. فقرار التعويضات المالية كان قد صدر في ظروف تاريخية وأقليمية ودولية مناهضة ومعادية لنظام لفضته الأرادة الدولية كما لفضته الأرادة الوطنية العراقية، وتسبب في ضرر وأرث ثقيل خلّفهُ النظام الجائر ومجلس الأمن كضريبة وأبتزاز يدفعها العراقيون وحدهم، وهو أكثر بكثير من الأضرار والخسائر التي لحقت بالكويت ومواطنيها ويختلف تماماً عن الجدل القانوني المُثار سابقاً في المجتمع الدولي. وقد حان الوقت لتُمثل فيه الأطراف الدولية المتضررة بعدالة. كما أن الصمت العراقي الرسمي والشعبي النيابي لأعادة مناقشة الجدل القانوني الدولي الذي أحاط بالقرارات في حينها يثير التسائل والمرارة للأولويات وأهميتها في وقت نحن في أمس الحاجة لأستخدام الثروة النفطية للطرف المتضرر فعلاً وأطفاء الدين الذي اصبح ضريبة كويتية ضد العراق. والحكومة العراقية الحالية ليستْ مُجبرة لدفع أستحقاقات لجرائم هي نفسها كانت ضحية لها أو قبول اتفاقات لم تبرم بحضور ممثل عنها.


صحيح أن العلاقات العراقية - الكويتية كانت قد مرتْ بتشنجات وأحتقانات وأخفاقات أضرتْ بمصالح الدولتين ولذلك تحتاج الحكومتان الآن الى تقييم جديد لهذه العلاقات وتحليل متوازن للديون المالية التي ترتبت على العراق نتيجة قيام النظام الأجرامي السابق بغزو الكويت.


وأظن أن الكويت يهمها عدم المساهمة بمضاعفة الضرر المادي الذي لحق بالعراق أو ألأِضرار بالعلاقات الأخوية بين البلدين. فالعراق كان الضحية الأولى لمغامرات حكومة الفرد الواحد. وكما أن الشعب العراقي الجريح لم يعطِ أي تخويل لحاكم العراق السابق بغزو الكويت عام 1990، فأن مجلس الأمن لم يخول حكومة الكويت بالسماح لقوات التحالف بأقتحام العراق واستخدامها كقاعدة أنطلاق قوات التحالف في نيسان من عام 2003، والحاق الدمار به. وهوموضوع ذو جوانب قانونية يجب أن تُثِيرهُ اللجان الحكومية الفنية وتؤكد عليه في أي مفاوضات مقبلة او عند أنعقاد مؤتمر القمة الأقتصادية.


لابد من النظر الى هذه الامور بعين الخطورة ولابد من تجاوز الضرر بروح تفاوضية ومسؤولية عالية لأزالة الضغينة ووضع حد لكل الخلافات والحساسيات وروح الأنتقام السارية لدى البعض دون تسميتهم. فبأستطاعة الكويت أن تحذو حذو الدول التي تفهمت مواقف العراق السياسي الجديد وأطفأت الديون المترتبة على العراق كفرنسا والولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان. أن تلك الحكومات تفهمت جيداً أن (حزمة قرارات مجلس الأمن التي أتخذت عام 1991) وبعدها لم تكن عادلة أو منصفة، لتغلب الطابع السياسي عليها وتدخل هيئات وأطراف ومكاتب أستشارية يهودية في صياغة القرارات، حيث كان همها الأول أضعاف نظام صدام المالي وأفلاسه لغرض أسقاطه.


كما تفهمت هذه الدول مباشرة من الوفود الرسمية طلب الحكومة العراقية وحاجاتها الأنية للأستثمار بمشاريعه الأنمائية وتعاملت معها بنية حسنة وفهم عميقين.


فما الذي يعوق الأخ الشقيق من نصرة أخيه؟ ولماذا تتلكأ الحكومة العراقية في طرح موضوع في غاية الأهمية والجدية دون اللجوء الى المغازلة الدبلوماسية والتصريحات الناعمة. فالضرر الذي ألحقته الكويت بالسماح للقوات الحليفة، الدخول الى العراق عام 2003، دون قرار دولي ملزم لها لأسقاط النظام ومارافقه من دمار وخراب لممتلكات ومؤسسات عراقية يفوق ماخلفه صدام من دمار للكويت وهو أيضاً مخالف للقوانين الوضعية والأرادة الدولية.


ولعل تقريب وجهات النظر بين الطرفين سيعتمد على الحجج القانونية والنصوص الأجرائية أكثر من التملق اللفضي السياسي للبعض والتمسك بالأخوة العربية. فنسيان الماضي الأليم ودفن التجربة المريرة التي مرَّ بها وقاسى منها الشعبان العراقي والكويتي هما في غاية الأولويات.

ضياء الحكيم

[email protected]

المصادر :
1.Security Council Resolutions 660، 661، 662، 664، 665، 666، 667، 669، 670،
674، and 677، 688، 949، pursuant to Security Council Resolution 678.