أجرت مجلة quot; بغداد- حاضرة الزمان quot; التي يرأس تحريرها الزميل جرجيس كوليزادة، إستبيانا بمناسبة إنتهاء السنة الميلادية 2008، وهو مناسبة إعتادت عليها جميع الصحف العربية والعالمية لإختيار شخصية العام..
وأظهر الإستبيان الذي إنحصر في توجهين أساسيين لإختيار شخصيات العام على تأثير تلك الشخصيات في الحالة العراقية،والدور السياسي لها في العراق..


ورغم أن الإستبيان شمل عددا من القيادات العراقية المعروفة ومعظمها داخلة في السلطة مع إستثناءات محدودة جدا كالمرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني، ولكني أعتقد بأن الإستبيان أو من شاركوا فيه قد أغمطوا حقوق عددا من القيادات العراقية التي كانت لها دورا لايقل عن الذين رست عليهم نتائج ذلك الإستبيان الذي خلا من أية مفاجأة..


فالإستبيان إنحصر في عدد من القيادات العراقية من الصف الأول وهم رئيس الجمهورية جلال طالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي ونائبي الرئيس طارق الهاشمي وعادل عبدالمهدي ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ورئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني والمرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني والزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر وعبدالعزيز الحكيم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى. وهذه القيادات التي تعتبر أقطاب السلطة الجديدة في العراق من الطبيعي أن يكون دورها السياسي وتأثيرها على الحالة العراقية كما خلصت إليها نتائج الإستبيان، فمن لا يملك السلطة سوف لن يتمتع بطبيعة الحال بتأثير كبير على القرار السياسي، كما أن دوره سيكون هامشيا الى حد ما في الحالة العراقية، مع إستثناءات قليلة جدا منها على سبيل المثال دور زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر..


فأنا أعتقد أن الدور السياسي لهذا الزعيم الشاب فاق كثيرا دور العديد من القيادات العراقية خصوصا قيادات الشيعة في السلطة الحالية مثل عبدالعزيز الحكيم وعادل عبدالمهدي،ولكن لكونه خارج السلطة، وقيادته لتنظيم مرفوض من الجانب الأمريكي قد أدى الى خفوت الدور السياسي المؤثر له في صناعة القرار العراقي.


فعلى سبيل المثال إذا إمتلك هذا الزعيم السلطة، لكان بمقدوره أن يغير وجه العراق بشكل دراماتيكي وتحديدا من خلال رفض المصادقة على الإتفاقية الأمنية بين العراق وأمريكا، فكما نعرف بأن هذه الإتفاقية التي تمسكت بها الولايات المتحدة وبذلت الغالي والنفيس من أجل مصادقتها، كانت الكتلة الصدرية بالمقابل تبذل الغالي والنفيس من أجل رفضها، وهذه ألإتفاقية الإستراتيجية بما حملتها من بنود سياسية وإقتصادية وبحسب قراءتها كان من شأنها أن تغير الواقع العراقي بدرجة كبيرة، كما أن رفضها كان سيقلب الوضع برمته..

أود أن أٌقول بأن الزعيم الصدري لو إمتلك قدرا من السلطة يمكنه من فرض آرائه ومواقفه على صناع القرار السياسي في العراق، لكان بإمكانه أن يكون في مقدمة المؤثرين على السياسة العراقية ويحتل صدر القائمة ويتفوق على رئيس الجمهورية وئيس الوزراء بحس الاستبيان، وأن يؤدي دورا أكبر من القيادات الحالية في الواقع السياسي العراقي.


إذن الدور السياسي بحسب المنظومة الفكرية التي تأسس عليها المجتمع العراقي منذ عقود طويلة من إستفراد طائفة معينة بمقادير الحكم، تحدده السلطة ذاتها، ولذك كان العراق يعاني لسنوات طويلة من الإنقلابات العسكرية والتكالب اللافت على السلطة فيه، ولتأكيد وجهة نظرنا هذه ينبغي أن نشير الى حجم الإلتفاف الشعبي حول حزب البعث الحاكم في العراق خلال العقود الثلاثة الأخيرة، والى ضخامة المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة له، ونجاح ذلك الحزب في عسكرة الدولة وتحشيد كل تلك القوى الجماهيرية حوله بفضل إنفراده بالسلطة على الرغم من مناهجه الفكرية القائمة على الفاشية ودكتاتورية الحزب القائد،ومعاداته المستميتة لكل مظاهر الديمقراطية في الحياة السياسية.


ولعل طموحات رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي بزيادة أعداد الجيش العراقي ودعمه لمجالس الإسناد والصحوات وغيرها من التشكيلات العشائرية والقبلية قد تتناغم مع طموحات حزب البعث السابق في الإستفراد بالقرار السياسي في العراق الجديد، وللمالكي الحق في تدعيم حزبه بالقوة الجماهيرية مادام هو الآن يمسك بالسلطة وينفرد بها في بعض الأحيان، حتى أن عددا من السياسيين قد إتهموه خلال الفترة الأخيرة بتسخير موارد الدولة لتقوية نفوذه ودوره السياسي على حساب القوى الأخرى.

بالعودة الى نتائج الإستبيان ورغم إدعاءات المجلة بـquot; الإختيار الحيادي والمهنيquot; لتحديد الشخصيات المؤثرة في العراق، ولكني أشعر بنوع من المجاملة لتلك الشخصيات، ولا أدري هل أن المجلة مارست تلك المجاملة، أم أن المستطلعين آرائهم قد جاملوها، لكن من المهم أن نعرف بأن الـ(215 ) شخصا من المثقفين والكتاب والصحفيين والمتابعين للشأن السياسي المشاركين في الإستبيان لا يمثلون حقيقة وجهة النظر او الموقف الشعبي تجاه تلك الشخصيات، ففي العراق الديمقراطي الجديد الذي يستطيع فيه المثقف على عكس الأمس أن يدلي برأيه بكل صراحة ودون خوف أو وجل من قمع السلطة في إختيار الشخصية التي يراها مؤثرة، قد يكون هواه مع هذه الشخصية أو تلك بفعل الإنتماء الطائفي أو العرقي، فالتعويل والتمسك بهذا الإنتماء أصبح مشكلة العراق اليوم، وعند الإمتحان والإختيار يفرز المثقف ويقيم هذه الشخصية أو تلك بمعيار الطائفية والعنصرية أكثر من إختياره وفقا لمواقفه الوطنية بحسب إعتقادي.
فعلى سبيل المثال لم يرد إسم الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي حتى في ذيل قائمة الإستبيان مع أن الرجل كان له دورا مشهوداعلى صعيد الملف الإقتصادي، وإصلاح الوضع الإقتصادي في العراق، وما قام به من دور مهم ومؤثر في شطب الجزء الأكبر من ديون العراق،وكذلك مساهماته المتعددة في النهوض بالواقع الإقتصادي للعراق وإعادة إحياء البنية التحتية للعديد من المحافظات العراقية من خلال المؤتمرات المحلية، كل ذلك كان يؤهله ليكون في مقدمة الشخصيات المؤثرة في الحالة العراقية.

وأستغرب وأنا أشير الى وجود مجاملة مقصودة من نوع ما في إختيار تلك الشخصيات، أن يأتي المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني في المرتبة الرابعة بعد كل من نوري المالكي والزعيم الشيعي عبدالعزيز الحكيم، في حين أن السيستاني بإمكانه بإصدار فتوى من قبل مكتبه أو عبر أحد وكلائه أن يطيح بالحكومة التي يرأسها المالكي، وأن يقوض دور المجلس الأعلى بمجرد سحب مباركته له..وقد لا أغالي إذا قلت أن دور المرجع السيستاني يفوق أدوار كل الزعامات العراقية التي وضعها الإستبيان في المراتب المتقدمة عليه رغم أنه أعلن منذ فترة إنعزاله وحياده عن السياسة، والدليل أن أي حكومة عراقية لا يمكن لها أن تستمر من دون مباركة quot; سيستانيةquot;، ولعل إستغلال صوره وفتاواه في الحملات الإنتخابية خير دليل على مدى ضخامة دوره السياسي وتفوقه على بقية الزعامات العراقية ومنها زعامات تاريخية لقوى وأحزاب عراقية ما زالت تحتمي بعباءة السيد.

مع كل هذه الملاحظات على إستبيان مجلة بغداد الذي كان من الممكن أن يتوسع أكثر فأكثر ويشمل قطاعات وفئات أخرى من المجتمع العراقي،ولكن مجرد إعتياد الصحف العراقية على إجراء مثل هذه الإستبيانات وإستطلاعات الرأي تبشر بالخير العميم على العراق، وتخرجه من بوتقة اللون الواحد والحزب الواحد الى فضاء أوسع للديمقراطية، وسيرقى بالحالة الديمقراطية التي ننشدها جميعا كعراقيين، وشيئا فشيئا سيحول هذا الإرتقاء مؤسسات الدولة ومنابرها الإعلامية الى الحالة المؤسساتية المنشودة، ومن المفرح جدا أن تبادر الصحافة العراقية لقيادة هذا التغيير المهم في تاريخ العراق السياسي، وتأكيد دورها الريادي في تغيير المجتمع، من مجتمع منغلق ومعزول، الى مجتمع أكثر رقيا وحضارية وإنفتاحا على الديمقراطية الحقيقية.

شيرزاد شيخاني

[email protected]