عبد الجبار العتابيمنبغداد: على شارع ابي نؤاس وسط بغداد.. وضعت اقدامي، كان بهيجا الى الحد الذي يجعلك تشعر بالغناء يدب في اوصالك، للاخضرار الذي فيه والنظافة والهدوء ايضا، كنت لا اعرف كيف ادخل الشارع بعد انقطاع طويل عنه، وقد اغرتني جماعة (طواسين) بخبر اقامة اصبوحتها الثقافية على قاعة (اكد) للفنون التشكيلية، التي تقف بنايتها، فاتجة ابوابها،على رصيف الشارع لتكون اول قاعة تضيء مساحات الامل والجمال، كانت الاصبوحة تحمل تنوعها الثقافي بين يديها، من حديث عن الثقافة الى عزف بالعود وغناء تراثي الى حوار مفتوح عن الفن التشكيلي، كان الحضور يشكل بهجة غير اعتيادية لتنوعه الثقافي ايضا، ادار الاصبوحة كامل الدلفي، والذي بدأ برسم صورة عن واقع حال القاعة التي فتحت ابوابها للمنجز الثقافي لخدمة الثقافة العراقية كي تستعيد توهجها، مؤكدا ان هذا الحدث الذي تقيمه جماعة طواسين من اجل مواصلة النقاش لترسيخ ديمومة كبيرة للفنان العراقي في زمن الفوضى.
ثم فتح المجال للنائب في البرلمان العراقي ووزير الثقافة السابق مفيد الجزائري للحديث عن الواقع الثقافي، فقال: الثقافة العراقية الان مهملة، وهذا واقع لابد ان نغيره، نحن نريد ان نقيم النشاطات الثقافية على مدار السنة وليس في المواسم فقط، نتطلع الى ان نقيم فعاليات ثقافية لفن التشكيل والموسيقى والمسرح والسينما والغناء، وبسبب الظرف الحالي فنحن نضطر ان نتحرك بالتدريج خطوة.. خطوة، الى اقامة هذه النشاطات التي غايتها في الاساس ان نحول حياتنا كعراقيين الى مظهر من مظاهر الثقافة، اي ان تكون الثقافة جزء من حياتنا اليومية بكل مظاهرها وتنوعها، واسهاما منا في هذا الميدان علينا ان نحقق هذه الغاية، ان نجعل الثقافة جزء لايتجزء من حياتنا اليومية ومن رغباتنا وميولنا، وعندما نشعر ان الحياة غير مستساغة بدون الفعل الثقافي، ان للمبدعين دور كبير في تحويلها الى حياة تحمل ما تحمل من قيم الجمال والمحبة، واضاف الجزائري حينما عرج على النشاط الثقافي في بغداد قائلا: بغداد اصبحت مشغلا للمبدعين، ونأمل ونتطلع اننعيد اليها بهاءها وجمالها، ومن يقول ان النشاط الثقافي لبغداد زال، نقول له: سيعود.
بعد ذلك جاء دور الموسيقى والغناء ليقدم ثلاثي العود: فاضل المياحي وايهاب محمد وعلي حافظ مقطوعات موسيقية كانت الاولى بعنوان (ام سعد) وهي من مؤلفات الموسيقار الراحل منير بشير، ثم قدم الثلاثي اغنية (على شواطي دجلة مر/ يا منيتي وقت الفجر) فكانت الصور تتحرك بأتجاه النهر الخالد الذي هو على بعد خطوات من المكان، تتحرك مع انغام العزف الذي ينثرها العود، فتكاد تسمع سحر الموجات وهي تتناغم على الجرف لاسيما ان (ابو نؤاس) يملأ كأسه بالصبابات، ثم عزفوا بعدها مقطوعة (بنت الجلبية) التي هي احدى مؤلفات الموسيقار الراحل جميل بشير، ثم غنى علي حافط اغنية (ماني صحت يمه احاه / جاوين اهلنه / جا وين.. جاوين اهلنه)، وكانت عذوبة الكلمات والالحان تنسجم مع عذوبة الصوت وتدفع بالذاكرة الى البعيد.. البعيد من الاستذكارات الجميلة التي تشدو مع جماليات الغناء العراقي، وبعد ان انتهى ثلاثي العود التابع لجماعة طواسين من برنامجه، كان المجال متاحا للفن التشكيلي ليكون محورا للحديث لاسيما ان القاعة مازالت زهو بألوان وافكار لوحات (74 املا اخضرا) المعرض الذي اقيم لمناسبة تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، فكانت المنصة جاهزةلاحتضان الناقد التشكيلي جواد الزيدي الذي تحدث في محورين، الاول عن علاقة المركز (بغداد) بالهامش (المحافظات) والثاني عن المعرض التشكيلي، فقال عن الاول: كان المركز مهيمنا بفعل عوامل عدة منها امتلاكه للاعلام والممكنات المادية التي يستطيع بها ان يقيم المعارض الفنية، وبالتالي لم نشاهد اعمالا لفناني المحافظات في معارض العاصمة سابقا، الان وما بعد التاسع من نيسان 2003 امتلكت الهوامش المقومات ذاتها التي يمتلكها المركز، لكنها بقيت سلبية، وما اقامة المعارض داخل المحافظة الا تأكيد سلبية الهامش نفسه بحيث لم يصل الى شرائح واسعة، واضاف الزيدي: كان على المؤسسة الثقافية ان تحتضن هذه النتاجات او تقوم بترحيل نتاجات المركزالى جمهورالهوامش لتصبح تكاملية المنجز والالتقاء في الرؤى والاساليب، اما عن المعرض فقال: المعرض استقدم بعض فناني المحافظات واشركهن ولكن مشاركتهم لم تكن بالمستوى المطلوب، وعلينا جميعا ان نفعل هذه المبادرة في مناسبات مقبلة.
وكان الشعر حاضرا في الاصبوحة حينما قدم الشاعر سبتي الهيتي قصيدتين جاء في الاولى منهما:
منذ عامين كان صوتك عودا
بفؤادي، زرعته ثم خضر
فاستوى برعما وريقا وغصنا
يتهادى بين الغصون ويكبر
فاذا لون ورده قرمزيا
وشفيفا كمهجتي حين ازهر
واذا اشم صوتا ووردا
كل شيء بعطره يتعطر
قد تعودت كل يوم عليه
من عيوني اسقيه ماء فيسكر
وعاد الفن التشكيلي ليأخذ حصة اخرى من الاصبوحة فكان المجال متاحا للناقد قاسم العزاوي الذي تحدث عن الفن وعلاقته بالسياسة قائلا: ان الفن العراقي المعاصر بريادته التحديثية على يد الفنان جواد سليم لم يكن ليطرح منجزه التشكيلي لولا الظرف السياسي المؤاتي لهذه الاعمال، ويعتبر الوضع السياسي حاضنا لها لاسيما بعد عام 1958حيث اتسع المد التقدمي في تلك المدة مما شجع ذائقة العراقي على ان تستسيغ الاعمال الحداثوية، ولكن هذه الفترة الذهبية خفتت بعد عام 1963، وهنا يمكن ان نتساءل: هل من الممكن لجواد سليم ان يقوم بعمل نصب الحرية في ظرف مثل ظرف ما بعد 1963؟ الجواب: لا.. طبعا، واضاف العزاوي: ان الفترة الستينية تسمى فترة القلق والمحنة بالمشهد الثقافي في جميع مفاصله ومنها التشكيل، اما الظرف الحالي فقد تنفس الفنانون واستبشروا خيرا لكنهم صدموا بواقع سياسي يتقاطع مع الثقافة، ومن هكذا منطلق نقول ان اقامة معرض تشكيلي كبير هي قفزة جريئة في المشهد التشكيلي العراقي نتمنى ان تتواصل وتتكرر.
وليس هناك من ختام.. بعد ان تواصل الحوار عبر مداخلات جميلة راحت تتجاذب اطراف الاحاديث وتضع اراءها حول ما ذهب اليه الاخرون من وجهات نظر، واكتمل المشهد بالامل في لقاء قريب تفتتح فيه القاعة اذرعها لنشاط فني يزرع شجرة محبة في شارع ابي نؤاس الذي مازال ينادي بصوته الرخيم على احبائه الذين بدأوا يعودون اليه.