بقلم بيلي كولنز
لم أعتبر نفسي قط شاعراً أميركياً بصورة خاصة حتى ذهبت إلى إنجلترا قبل عدة سنوات كي أقدم سلسلة من القراءات. ولقد قمت بترتيب الرحلة بنفسي وبدت هذه الرحلة كما أردتها. وتضمنت مجموعة اللقاءات الغريبة زيارة صف سادس وناد للجاز في برايتون وكلية في جامعة شيفيلد ومركز مجتمع في قرية صغيرة في يوركشاير. وفي هذا الموقع الأخير، بمناسبة هذا الحديث، نهض رجل كبير السن، ذو ملامح ريفية، من بين الحضور في إحدى جلسات الأسئلة والأجوبة، وسألني: quot;يا سيد كولنز، هل كتبت جميع قصائدك نثراً؟quot; ولكن وبغض النظر عن الحضور أو اللقاء، فكل قراءة من قراءاتي تركت لدي نفس الإدراك البسيط المحيّر وهو: إن قصائدي لم تكتب باللغة الإنجليزية ولكن باللغة الأميركية. ففي كل قراءة من القراءات كنت أشعر أن هناك نقاطاً ميتة تحدث عندما ألفظ عبارة مثل eggs over easy أو sweat the final في إحدى قصائدي لا بد وأن تبدو للأذن البريطانية كما لو كانت estate flower. وأخذت اكتشف أن التعابير الاصطلاحية في الإنجليزية الأميركية يصعب ترجمتها، ليس إلى اللغة الفرنسية أو الألمانية فحسب، بل إلى اللغة الإنجليزية كذلك. وبمثل ما يصعب على المرء فهم ما معنى أن تكون أميركياً إلا عندما يغادر المرء البلاد، لم أكن مدركاً لصوتي الأميركي ndash; أو لهجتي الكتابية كما يقال ndash; حتى واجهت عدة نماذج من الحضور من المستمعين البريطانيين.
أصبت بالدهشة بصورة خاصة لاكتشاف إلى أي مدى كان الكثير من قصائدي منغمساً بشكل حاد في المصطلح الأميركي، لأنني ظللت لسنوات طويلة ابتعد عن عمد عن استعمال اللهجات المبتدعة أو الطارئة أو الإشارة إلى الثقافة المعاصرة. فأنا أعترف أن عبارة مثل frequent flyer (بالعربية الشخص الذي يسافر كثيراً بالطائرة)، أو hatch-back (نوع من السيارات) أو Jello shot يمكن لها مع مضي الوقت أن تجعل قصيدة ما تبدو بالية وقد عفا عليها الزمن، وبالتالي تقصر كثيراً من مدة صلاحيتها. وعبارة shelf life ربما هي الأخرى مثال آخر على ما نقول. وقد حاولت تفضيل استخدام مفردات أكثر شيوعاً، ولا أقصد عبارات بسيطة أولية خالصة مثل rock (صخرة) وcloud (سحابة)، وsky (سماء) وtree (شجرة)، ولكن عبارات نزعت إلى ذلك الاتجاه وكانت عازفة عن السماح بدخول الجديد اللغوي. وقد صاغ الشاعر الأميركي عزرا باوند ذلك بعبارة بارعة الإيجاز عندما عرف الشعر على أنه quot;الأخبار التي تظل أخباراً جديدةًquot;. كما أنني أعجبت بنصيحة ماري أوليفر بخصوص مفهوم الجمهور لدى الشاعر: quot;هو يكتب إلى شخص غريب ولد في بلد بعيد قبل الآن بمئات السنين.quot; وأود أن أدخل ذلك الغريب المستقبلي بين أفراد جمهوري، ولكن لا أريده أن يـصـبح من المتوجب عليه الرجوع إلى الملاحظات الهامشية كي يعرف معنى Wonder Bread أو Big Mac.
أميركا بطبيعة الحال هي أكبر من مجموع عباراتها الاصطلاحية، ولكن لو اخترت عدداً قليلاً من الشعراء من بين مجموعة كبيرة من الشعراء من دول العالم المختلفة وسألتهم عن العلاقة بين شعرهم وجنسيتهم، فإن معظمهم سيضعون لغتهم الأم في صميم إجاباتهم. فقد يستشهد تشيلاف ميلوش Czeslaw Milosz بالإمكانيات التعبيرية للغة البولندية، وقد يبحث يانس ريتسوس Yannis Ritsos في ألفة الكتابة باللغة اليونانية الشعبية. ولكن الشعراء الأميركيين لا يمكنهم الزعم بأية خصوصية أو حقوق قومية للغتهم الأم، لأن اللغة التي يكتبون بها لغة يشاركهم فيها بقية العالم الناطق باللغة الإنجليزية، وهو المجتمع اللغوي الأسرع نمواً في العالم.
إذن أين تكمن الروح الأميركية عند الكاتب إن لم تكمن في لغته الأم. لقد افتتح ديفيد هربرت لورنس دراساته الجوهرية في كتابه الأدب الأميركي الكلاسيكي Classic American Literature بأن وضع هذا السؤال على شكل تحد بقوله: quot;أين هذا الطائر الجديد الذي يسمى بالأميركي الحقيقي؟ أرنا هذا الكائن البشري (الهومنكيولس*) الخاص بالعصر الجديد. هيا، أرنا إياه. لأن كل ما هو مرئي للعين الأوروبية المجردة، في أميركا، هو نوع من المسخ الأوروبي.quot; وأجد غريباً أن يسمى لورنس العين الأوروبية بأنها quot;مجردةquot;، لأن العين الأميركية، إذا ما قورنت بنظارات القراءة التي تغطي العين الأوروبية، هي العين المجردة، وأول شاعر نظر إلى أميركا بتلك العين المجردة ndash; وحقيقة حتى تبدو مجردة أمامنا ndash; كان وولت ويتمان. لقد اعترف لورنس أن ويتمان هو رائد الأدب الأميركي الجديد. وأطلق عليه اسم quot;أعظم وأول معلم أميركي بل المعلم الوحيد .. أول أميركي أصلي أبيض اللون رغم أن لورنس وبنفس الروح يهزأ من إشارات ويتمان العالمية ويتهمه بالتعاطف الكاذب. حقيقة، كان ويتمان أول شاعر حاول وضع ذراعيه حول القارة ليحتضن قاطع الأخشاب والسكرتيرة والإسكيمو في حضن محب شامل واحد. ومع أن ويتمان من مواليد ولاية لونغ آيلند وسكان نيويورك، إلا أنه رفض تحديد هوية إقليمية له بمثل ما يفعل بعض الشعراء الأميركيين الآخرين وكما ظل يفعل أكثر منهم كتاب الرواية الأميركيون منذ ذلك الوقت. ولكن النزعة الأصلية عند ويتمان كانت ابتعاده عن التفعيلة المعهودة (أي التفعيلة المكونة من مقطع قصير يليه مقطع طويل) في الشعر الإنجليزي التقليدي، إذ تقترب قصيدته quot;أوراق العشبquot; Leaves of Grass إلى إيقاع الأناجيل، وليس التفعيلة البريطانية ذات المقطعين. لقد كانت هذه القصيدة الطويلة ابتعاداً جذرياً عن الوزن الشعري والشكل الشعري المعهودين إلى حد أنها أطلقت شرارة جدل نقدي حول ما إذا كانت هذه القصيدة شعراً أم لا، وهو نقاش كان من المفترض له أن يكون انتهى عندما أبدى أحد الأساتذة الجامعيين ملاحظة مفادها: quot;إذا لم تكن هذه القصيدة شعراً، فإنها شيء أعظم من الشعر.quot; ومن الغريب أنه مضى وقت طويل قبل أن يقوم أي أحد باقتفاء أثر خطوة ويتمان التحررية هذه. وكما عبر لورنس عن ذلك بقوله quot;لا يوجد هناك أي شيء قد تقدم على ما قام به ويتمان. إذ في مقدمة كل الشعراء، الرواد في برية الحياة غير المكتشفة، هناك نجد ويتمان.quot; وفي خاتمة المطاف، التحق الشعر الأميركي بشعر ويتمان، ولكن ذلك لم يتم إلا بعد انقضاء قرن بأكمله. إذ بحلول أوائل العشرينيات من القرن العشرين عندما كان لورنس يجري تقويماته، أخذ الكثير من الأشعار التي تعتبر الآن أشعارا حديثة معتمدة طريقه للظهور، وأياً كان الشيء الذي يحدد هروب هذا الشعر عن الصيغ التقليدية، فإن تحررهم من قوالب المقاطع المتكاملة وقيود التفعيلة كان هو الدليل الأكثر شيوعاً على محاولاتهم التجريبية.
في هذه الأيام، بطبيعة الحال، لم يعد quot;الشعر الحرquot; الرخصة المثيرة التي كان عليها في يوم من الأيام، وفي كثير من الأحيان، فإن هذا الشعر الحر لا يعدو كونه عذراً لإنتاج قصائد غير مشذبة، مسطحة، وهو عذر لا يقتصر بأي حال من الأحوال على الشعراء الأميركيين. والدرس الأكثر بلاغة وصعوبة ومع ذلك الأكثر التزاماً الذي نتعلمه من ويتمان إنما يكمن في استيائه المثير. فالجرأة التي نراها في أبيات من مثل quot;It is time to explain myself -- let us standquot; (حـان الـوقـت لأشـرح مـا بـنـفسي .. دعونا نقف)، وquot;I sound my barbaric yawp over the rooftops of the worldquot; (أطلق صرختي القاسية البربرية فوق سطوح العالم)، تجعل من الممكن لغينزبيرغ أن يقول quot;American, I am putting my queer shoulder to the wheelquot; (أيها الأميركي، إنني أضع كتفي الغريب على مقبض السيارة)، وتجعل فرانك أوهارا يقول بخجل مضاف، quot;ah lunch! I think I am going crazyquot; (آه، أيها الغداء! أظن أنني في طريقي إلى الجنون). لقد هشم صوت ويتمان غير الخائف وغير المسموع زجاج الرقة الأوروبية وفي خاتمة المطاف إلى اكتساب الأجيال المتأخرة من الشعراء الأميركيين القدرة على التعبير عن أنفسهم بنغمات أكثر جرأة.
إذا كان الشاعر هو حصيلة تأثيراته، فإن قصائدي والحالة هذه هي بصورة حتمية نتاج تعرضي لأصوات وأساليب كل من الشعر البريطاني والشعر الأميركي. بل إني أجد نفسي أتلاعب بهذا الشعر ضد الشعر الآخر، وعادة ما يكون ذلك لإحداث تأثير ساخر تهكمي. وبصورة أكثر تحديداً، فإنني عندما أنظر إلى نفسي quot;كشاعر أميركيquot; وبالتالي أرتكب العمل الخطر المتمثل في ممارسة النقد الأدبي الذاتي، فإنني أجد أن عدداً من قصائدي تبدو مصممة على تأسيس تجذر أميركي مميز عن التأثير الأوروبي. فقصيدتي American Sonnet (النشيدة quot;السونتquot; الأميركية، والنشيدة هي أربعة عشر بيتاً في الأصل)، على سبيل المثال، تعتبر رفضاً لنماذج السونت الإيطالية والإنجليزية، محبذاً بذلك نموذج البوست كارد (البطاقة البريدية) الأميركية، والتي هي، شأنها شأن السونت الشعرية، تحدد التعبير في مساحة محدودة، وبالإضافة إلى ذلك تجمع بين التعبير اللفظي على جانب والصورة على الجانب الآخر. وشأنها شأن سونت الحب التقليدية، فإن البطاقة البريدية، البوست كارد، التي يبعث بها المسافر قد اكتسبت شكلها التقليدي الطقوسي. وتبدأ قصيدتي السونت الأميركية بكلمة ldquo;Werdquo; (نحن) لا خاصية لها، كما لو كنت أخاطب كل الشعراء الأميركيين.
السونت الأميركية
نحن لا نتحدث مثل بترارك أو نلبس قبعة مثل سبنسر
وهي ليست أربعة عشر سطراً
مثل الأثلام في حقل صغير حرث بعناية
ولكن البطاقة البريدية، قصيدة في إجازة،
تجبرنا على غناء أغانينا في غرف صغيرة
أو نصب عواطفنا في فناجين المعيار.
نكتب على ظهر شلال أو بحيرة،
مضيفين للمنظر تعليقا تقليديا في طبيعته
مثل عينين شمسية المركز لامرأة من العهد الاليزابيثي.
ونحن نضع صفة للطقس.
ونعلن أننا نتمتع بوقت جميل.
عبر عن تمنياتنا يا ليتكم كنتم معنا هنا
ونخفي تمنياتنا يا ليتنا كنا حيث أنتم،
كما كنتم راجعين من صندوق البريد، ورؤوسكم مطأطئة
وأنتم تقرأون وتقلبون الرسالة الرقيقة بين أيديكم.
وهي شريحة من هذا المكان البعيد، عرض من شاطئ أبيض،
ميدان عام أو قمم مستدقة منقوشة تعلو كاثدرائية
ستخترق المكان المألوف الذي بقيتم فيه،
وستقومون بتقليب هذا العرض ذي الوجهين على الطاولة،
وهو مجرد بوصات مربعة قليلة للمكان الذي تجولنا فيه
وصورة مضغوطة لما نشعر به.
يفسح التلاعب الأدبي الساخر في الجزء الأول من هذه القصيدة المجال لدراما صغيرة من الفراق والبعد والحنين. وتحاول القصيدة، ولكنها تفشل بطبيعة الحال، مزج السخرية والعواطف بمثل هذه المساواة لدرجة تحقيق نغمة مبهمة تماماً.
تدّعي قصيدة أخرى بعنوان Consolation (عزاء) بأنها تحتفل بمباهج قضاء الصيف على أرض الوطن في الولايات المتحدة بدلاً من التوجه لقضاء الإجازة في أوروبا كما هو التقليد المعهود. وتفتتح القصيدة بقولها How agreeable it is not to be touring Italy (كم هو مقبول ألا تكون الآن تتجول في إيطاليا)، ثم تواصل القصيدة في التعبير عن سهولة البقاء على تربة الوطن تتجول في quot;هذه الشوارع المحلية المألوفة، وتتعمق في فهم معاني كل إشارة طريق أو كل مرساة بحرية / وكل التحيات اليدوية التي يشير بها إلينا مواطنونا.quot; quot;وعوضاً عن التسكع في إحدى المقاهي وأنت تجهل الكلمة التي معناها بالإنجليزية ثلجquot; فإن المتحدث يفضل quot;الكوفي شوب والآنسة (النادلة) المعروفة باسم دوتquot; حيث لا يتوجب عليه أن تؤخذ له صورة مع صاحب المقهى أو يحسب سعر تحويل الدولار عندما تصله فاتورة الحساب. وعنده quot;فإنه يكفي لقضاء إجازة أن تركب سيارتك / كما لو كانت السيارة الكبرى للغة الإنجليزية نفسها وتنطلق/ عبر طريق لن تؤدي قط إلى روما، إلى بولونيا.quot; والقصيدة هي رفض ساخر للنظرية الأدبية ذات النزعة الأوروبية يلقيها متحدث يعكس ذوقه المتواضع النزعة الريفية الحلوة لإحدى شخصيات والاس شون في فيلمه My Dinner with Andre (عشائي مع أندريه).
أما قصيدة Lines Written over Three Thousand Miles From Tintern Abbey (سطور كتبت على بعد ثلاثة آلاف ميل من دير تنترن)، فهي، كما يوحي عنوانها، مثال آخر على هذه quot;الأمركةquot; بمثل ما جرى استيراد قصيدة السيرة الذاتية الغنائية التي كتبها ووردزورث في حياة المتكلم الأميركية، ومرة أخرى الحياة المحلية.
كنت هنا من قبل، منذ زمن بعيد،
والآن ها أنذا هنا ثانية
ملاحظة تحدث في الشعر
مراراً وتكراراً مثل تكرار المطر في الحياة.
وقد يكون الرجل يحملق في مشهد طبيعي إنجليزي،
تلال تغطيها الماشية كالبقع،
وصف من الأشجار العالية يعلو المنخفضات،
أو قد يكون معزولاً بين ظلال
غابة بافارية مظلمة،
وسفين من الجبن ومجلد من قصص الجنيّات
محشوان في حقيبة ظهره.
ولكن الشعور هو الشعور:
كان ذلك أفضل في المرة الأولى.
هذه المرة ليست قريبة من جمال المرة السابقة.
لا أشعر الآن كقاطع أشجار كما شعرت في تلك المرة.
هناك على الدوام شيء مفقود hellip;
الإوزات، اللألأة على سطح بحيرة،
لمسة صغيرة ولكنها أساسية.
أو جودة الأشياء قد تضاءلت.
كانت السماء أكثر عمقاً، أكثر زرقة بعدية،
السحب كانت أشبه ما تكون بالكاثدرائيات،
وتندفع المياه فوق الصخور
بجيشان أكبر.
ومن على مقاعدنا كنا نشاهد
المؤلف الفقير لابساً صدريته
وهو يتذكر جبل الثلج المدوخ في الطفولة
والطواحين في كل مكان في حقل من الأعشاب البرية.
وسمعنا الشعراء الذين ماتوا منذ زمن طويل
يلقون الخطب عن موتهم، من على نتوء على جانب نهر،
بالقرب من كومة قش، داخل أجمة ظليلة.
واستمعنا إلى جزعهم،
من الموضوعات التي تقولها القصائد
بمثل ما تنطلق المياه من فوهات خراطيم الرش،
بطريقة عود الثقاب يلقي دائماً حديثه الصغير على النار.
وعندما نلقي بالكتاب جانباً في نهاية الأمر،
وننحني جانباً في نهاية الأمر، وننحني إلى الخلف، ونغلق عيوننا
التي تؤلمنا من الحملقة في الكلمات المطبوعة،
وننسل في علامات كتاب النوم،
فإننا نكون تعلمنا ما فيه الكفاية
بحيث عندما نستيقظ
في وقت قبيل العشاء
فإن الأشياء لن تكون جميلة ثانية كما كانت.
ثمة شيء مفقود
من هذه الغرفة التي هي أشبه ما تكون بتابوت الموتى،
حيث الجدران والنوافذ الآن
لا تعدو كونها ظلال داكنة،
ونبتة الغاردينيا الضخة تتدلى
من وعائها الأسمر الداكن المشقق.
وعلى أرضية الغرفة، أحذية، جوارب،
ولب تفاحة مسمر.
ولن يكون أي شيء كما كان
قبل ساعات قليلة، عود إلى الماضي المجيد،
قبل أن نأخذ غفوتنا، عود إلى ذلك العصر الذهبي،
الذي اقترب من نهايته بعيد الغذاء.
يبدو تحرر المتحدث المجتهد من الوهم من موضوع الفقدان في الموضوع الرومنطيقي واضحاً في جمعه معاً لكل الشعراء الشاكين في القرن التاسع عشر، الإنجليز منهم والألمان. وتدجين هذا النمط من الفقدان يبدأ بالصور المألوفة لخرطوم مياه الرش وعود الثقاب. ويضغط الزمن من كونه يتسع اتساع السيرة الذاتية إلى مجرد ساعات قليلة بين الغداء والعشاء، والمشهد الطبيعي المتقادم المتمثل في النتوء وكومة القش والأجمة يضغط في مشهد غرفة عادية بما فيها من زهرة متدلية وأحذية وجوارب متناثرة فيها. وتختزل المعاناة الرومنطيقية إلى مجرد إرهاق أصاب القارئ. والعصر الذهبي يقبع خلفنا بلا رجعة في جزء مبكر من فترة ما بعد الظهر.
إن ما يجعل الشعر أميركياً يمكن قياسه بنوعية الخطوات التي يبتعد هذا الشعر من خلالها عن شعر quot;العالم القديمquot; كما اعتادت الكتب المدرسية على قوله. كما يمكن للشعر أن يكون أميركياً من خلال مصطلحاته اللغوية ومشهده الطبيعي وعدم احترامه للماضي الأوروبي، وتبجحه الجريء، وأمثلته التهكمية، وحريته في الإيقاعات الثابتة، ولكن قبل كل شيء، من خلال تنوعه الهائل. وقد عبر عن هذه الخاصية الأخيرة ndash; أي الاتساع الديمقراطي في مداه وشموليته ndash; أصدق ما يكون التعبير لويس سمبسون في إحدى قصائده القصيرة، ولذا فهو الآن يستحق منا أن نترك الكلمة الأخيرة في هذا المقام له في الموضوع الذي نحن بصدده.
الشعر الأميركي
مهما يكن، لا بد أن يكون له
معدة تستطيع هضم
المطاط، والفحم، واليورانيوم، والأقمار، والقصائد.
مثل سمك القرش، داخل جوفه حذاء.
ينبغي أن يسبح لأميال عبر الصحراء
مطلقاً صيحات تكاد تكون إنسانية.
ملاحظة: قصيدتا American Sonnet (السونت الأميركية) وConsolation (عزاء) ظهرتا في مجموعة بيلي كولنز Sailing Alone Around the Room الإبحار وحيداً حول الغرفة (راندوم هاوس، 2001). أما قصيدة American Poetry (الشعر الأميركي) فقد أخذت من At the End of the Open Road (عند نهاية الطريق المفتوح). حقوق الطبع محفوظة، 1963، أعيد طبعها بإذن من لويس سمبسون.
ألف بيلي كولنز ستة كتب من الشعر، بما فيها الإبحار وحيداً حول الغرفة Sailing Alone Around the Room (راندوم هاوس، 2001)؛ نزهة، برق Picnic, Lightning (منشورات جامعة بيتسبرغ، 1998)، وقد حاز على جائزة باترسون؛ فن الغرق The Art of Drowning (منشورات جامعة بيتسبرغ، 1995)؛ التفاحة التي أدهشت باريس The Apple that Astonished Paris (منشورات جامعة آركنسا، 1988)؛ وأسئلة حول الملائكة Questions About Angels (وليام مورو أند كومباني، 1991)، والتي اختارها إدوراد هيرش لمنافسة السلسلة القومية للشعر.
هذا، وقد ظهرت له مؤخرا مجموعة جديدة بعنوان تسعة جياد Nine Horses. وظهرت أشعار كولنز على شكل مجموعات وكتب دراسية وفي مختلف أشكال الدوريات بما فيها: بويتري، ذي أمريكان بويتري ريفيو، هاربرز، ذي أتلنتك منثلي، ذي أمريكان سكولار، ذي باريس ريفيو وذي نيويوركر.
نال كولنز زمالات من مؤسسة نيويورك للفنون New York Foundation for the Arts، ومن الوقفية القومية للفنون The National Endowment for the Arts، ومن مؤسسة جون سيمون غوغنهايم John Simon Guggenheim. كما حاز على جائزة بيس هوكن Bess Hokin Prize، جائزة فردريك بوك Frederick Bock Prize، جائزة أوسكار بلومنثال Oscar Blumenthal، جائزة وود Wood Prize، وجائزة لفنسون Levinson Prize mdash; وكلها منحتها له مجلة شعر Poetry.
حصل بيلي كولنز على البكالوريوس من كلية هولي كروس ودرجة الدكتوراة من جامعة كاليفورنيا، فرع ريفرسايد. وهو quot;أستاذ مميزquot; للغة الإنجليزية في كلية ليمان بجامعة سيتي في نيويورك، كما أنه كاتب زائر في كلية سارا لورنس، وأستاذ إضافي في جامعة كولومبيا. وقد عين أميراً للشعراء Poet Laureate للولايات المتحدة للأعوام 2001 ndash; 2003. وهو يعيش مع زوجته ديان، وهي مهندسة معمارية، في شمال مقاطعة ويستشتر بولاية نيويورك.
quot; كنت هنا من قبل، منذ زمن بعيد،
والآن ها أنذا هنا ثانية
ملاحظة تحدث في الشعر
مراراً وتكراراً مثل تكرار المطر في الحياة.quot;
نقلا عن quot;موقع يحكي قصة أميركاquot;










التعليقات