محمد الأزرق من طنجة: سأبدأ الحديث بمحض افتراء/افتراض سردي، لتحرير الكلام حول تجربة إبداعية، مافتئت تشق طريقها بالقوة والفعل في المشهد الثقافي المغربي. عندما يمر الزبيربن بوشتى سريعا أمام مقهى سنطرال، بشعره المخوتم، وجرابه الممتد إلى الكوعين، وسترة الجينز المتكررة في صور لوكليزيو الأخيرة، يحث السير خفيفا إلى جهة ما، نشعل نقاشا جادا ومتشعبا حول المشهد الثقافي بطنجة. يقول أولنا:laquo; أنظر الزبير يريد أن يكون خليفة شكري في طنجة..raquo; ويمعن في مطابقة صيرورة الزبير مع صيرورة شكري، فكلاهما في نظره كتب طنجة(مع فرق جوهري هو كون الزبير أقل مقروئية من شكري)، وكلاهما احترف الكتابة واعتاش منها، وكلاهما جالس كتابا كبارا مروا من طنجة أو حضروا منتدى أصيلة، كلاهما ترجمت أعماله إلى لغات أخرى(مع تفصيل بسيط، فبينما سعت الترجمة إلى أعمال شكري، سعى الزبير إليها بالشوق نفسه)، كلاهما لم يكتب في عزلة، وكلاهما تلفظ بعناوين الكتب نفسها، واستمتع بالذائقة السينمائية نفسها، ثم تساءل أولنا باستنكار بالغ:
إذا أيهما الظل وأيهما الحقيقة؟
ينسف ثانينا هذه المطابقة المزعومة ملفتا النظر إلى أن شكري كتب أساسا السيرة الروائية، بينما يجيد الزبير الدراماتورجيا، أي المسرح بقواعده الدرامية ـ أي لايغري الزبير المسرح الأدبي إحدى نزوات شكري ـ ثم يعدد ثانينا مسرحيات بن بوشتى الثمان ويستطرد في شرح جوهرية الإختلاف بين مخيال طنجة المار عبر الرواية ومخيال طنجة المار عبر المسرح.
يقول ثالثنا:حضور الزبير يعني بالضرورة غياب نصوصه، وهذا ماحصل مع شكري، إذ تم تضخيم تفاصيل حياته ولم ينتبه إلا قلة لتلك الأصالة السردية التي تمور عميقا في أتون أعماله. نتشظى في النقاش إلى أن نجد أنفسنا في مواجهة سؤال يقف مرئيا مثل طريق مسدود: من يكتب طنجة الآن بعد رحيل شكري؟
حبات مسبحة طويلة نعدد بها الذين يكتبون طنجة: بهاء الدين الطود، خالد أمين، منير بولعيش، محمد السدحي، عبدالعزيز جدير، أحمد الطريبق، لطفي أقلعي، عبداللطيف الخياطي، عبدالسلام الطويل، مومن السميحي، محمد بروحو، رشيدة المدني...
لكن لاأحد من هؤلاء يضاهي شراسة الزبير في اقتلاع تلك الشجرة التي تخفي الغابة.
إنه حديث عابر لايصلح للتوطئة لكتاب الزبير الجديد، الموسوم ب laquo;مقهى الحافة عزلة في الزحامraquo; الصادر مؤخرا عن منشورات السليكي، كتاب يستريح فيه الزبير من إرهاق مسرحياته الثمان، إذ يكابد دائما الزبير في تشبيك الخطوط الدرامية لمسرحياته، حتى تبدو بدقة متناهية. كما يود في هذا الكتاب الخفيف الظل الإفصاح عن البنى الدلالية العميقة الثاوية في منجزه المسرحي.
رغم أن مضامين الكتاب عبارة عن مقالات متفرقة زمنيا نشرت في جرائد عربية ومغربية، فقد فقد قرأتها بوع مركب، كنت أنذاك واقعا تحت تأثير فاضح لرواية quot;العطرquot; لباتريك زوسكيند، بطل الرواية جان بابتيست غرينوي، المهووس بتقطير الأشياء التي يصادفها، ومزج عصاراتها بحثا عن عطر جديد.
وهكذا وجدتني أمزج تلك الحيوات والمسارات والكتب والكتاب والموسيقى، والأمكنة، وكانت المحصلةlaquo; مخيال طنجة raquo;، ما أن يدركه القارئ حتى يستهيم ويتداعى في طنجة الحمالة أوجه.
ففي هذا الكتاب المكون من ست نصوص تأملية تجترح جمالية المكان بلغة فارقة تتسلل من الذات الشاعرة وهي: ملائكة يتساقطون من أشجار الحب، الحافة بستان معلق بين زرقتي البحر والسماء، ثرفانطيس تنين المدينة، عزلو في زحام باريس، البحث عن الزمن الأندلسي الضائع، وخمس نصوص أخرى تغلب عليها سمة البورتريه وهي: محمد شكري والأخرون، كائنات محمد شكري الأليفة، بول بولز: نهاية أسطورة، محمد الحمري رحيل آخر أباطرة القطار، جهجوكة: ألف موسيقى وموسيقى، (أشير إلى أن هذا التقسيم لي).
إن الإنتقال من تأمل الذات للمكان، إلى رصد حيوات كتاب كبار في حب متخيل طنجة، يعكس رغبة الزبير في مراوحة النظر إلى طنجة من زوايا متعددة، لايود أن تنطلي عليه تلك المسكوكات التي عمدت طنجة في متخيل وحيد يخفي المتخيلات الأخرى ولامن مفر من الإشارة بأن شكري مارس سطوته على المدينة، لهذا تحاول كثير من الأقلام الطنجية مؤخرا مراجعته هذه السطوة.
استهل الزبير كتابه بنص فادح الشعرية، أطلق فيه العنان لذات تستبطن طنجة، وتلونها بفيضها. كتب الزبير هذا النص بلذة، نزل عليه جملة، أعتبر هذا النص استعادة الزبير لبداياته الجمالية، الموسومة بالإفتتان بالبياض والإستعارات، حين كتب مسرحيات الحقيبة والصقيع1991 والأخطبوط.1996قبل أن يعرج إلى الكتابة للجمهور ومداعبة مخزونه الثقافي وذائقته الجمعية. هذا التوصيف يبدو جليا دون مواربة في مسرحيات: ياموجى غني2000للاجميلة2004 النار الحمراء2006 أقدام بيضاء2008.
ملائكة يتساقطون من أشجار الحب، عبارة عن تخييل ذاتي لجولة رفقة جاكي كرواك صديق وليام بروز بين أدغال غابة الرميلات(غابة شهيرة في طنجة مطلة على البحر) اكتب بكثافة عالية.
القراءة الأولى لهذا النص تمنح القارئ الإحساس بالجهد البالغ الذي قام به الزبير في صيد الإستعارات وترتيبها، إذ قلما يخلو سطر من بلاغة مباشرة من قبيل: laquo; أتأمل يأسي يداعب قصبة الوقت لاصطياد الأمل..raquo;، laquo;تطالعني صرامة صخر يشرئب لمعانقة المدى، لتقبيل غابات العرعار والصفصاف وقد لملمت رياح الشرقي فوضاها..raquo;، laquo;ظننتك قدرا ترجل عن صهوة كبريائه ليمتح من تواضع التراب شيئا من ضيائه،.... لا نفتر كثافة اللغة، بل أحيانا ترتفع نسبة الأدرينالين في دم الكاتب، (هذا النص مكتوب بالدم)، فيتداعى إلى شظايا شعرية خالصة مكتوبة بلغة مخصوصة جدا تخفي القرائن عن القارئ، كما هو الحال في هذا المقطع:
أهدتني ألمي
لم يزهر كلاما
بل عنف دمي
أزهر وردي
حجرا
يوم رتلت دمي
القراءة الثانية تفكك المادة التخييلية للنص وتكشف المؤثرات الثقافية الحاضنة له، ينخرط هذا النص بالجدل الخاص بالهويات الثقافية والحضارية لطنجة باعتبارها مدينة العبور والهجنة والمابينية، أدرج الزبير بوعي علامات حضارية متوسطية بامتياز، مثل دون كيخوطي، طارق ابن زياد، إبن بطوطة، الفردوس المفقود، تعلو في النص أحيانا بنبرة الإلتزام، يرفع الزبير صوته في وجه العسكر المرابط في الشواطيء بين الضفتين، قائلا:
laquo; من شرقنا تستيقظ شمس صباحكم، مبللة بعرق الأباء، والأنبياءraquo;، وأحيانا تزداد نبرة التحريض حدة كما في هذا النداء:
ضيقوا المضيق وسعو القلب
Estrechar el estrecho y ensanchar el corazon
كما لم يفت الزبير أن يندد بفوضى العقار التي تسحق طنجة وتعبث بعلاماتها الحضارية. إنها بعض ملامح كتاب يقع في 116ص من القطع المتوسط.