حول معرض المصور عباس علي عباس في ديساو
صالح كاظم من ديساو: تقول الفنانة الألمانية/الفرنسية جيزيل فرويند (1908-2000) quot;العين هي التي تلتقط الصورة وليس الكاميراquot;، وهي تكون بذلك قد وضعت المصور أمام مهمة إبداعية صعبة، لا يمكن أن يعوض عنها من قبل التقنية الحديثة، مهما بلغت هذه التقنية من درجات الرقي. أما المصور الكبير الآخر أندرياس فايننغر (1906-1999) فأنه يؤكد على أهمية إختيار (الموتيف) ndash;الموضوع- من قبل المصور قبل البدء في التصوير. من خلال هذا نرى بأن العملية الفنية تبدء لدى المصور في اللحظة التي يشد موضوع ما بصره اليه، محفزا إياه على اللجوء للكاميرا لتخليد هذا
الموضوع أو تلك اللحظة التي قد تبدو لغيره من البشر عابرة، لا تجذب الإنتباه. هذه اللحظة التي غالبا ماتطلق عليها تسمية quot;اللحظة الفوتوغرافيةquot; هي التي ميزت المعرض الأول الذي أقامه المصور العراقي عباس علي عباس في برلين تحت عنوان quot;بغداد-أحلام متأرجحةquot;، فجاء توثيقا لرحلاته المتعددة الى العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري ولما خلفه هذا النظام من كوارث مازالت تنهش في أعماق الإنسان العراقي لحد يومنا هذا. كان هذا المعرض بمثابة الخطوة الأولى للرحلة التي سيخوضها عباس لاحقا في ثنايا الهم العراقي الذي لم يتوقف منذ عشرات السنين، ومازال يقيم في أرواح أغلب العراقيين الذين
أضطروا لمغادرة بلدهم بسبب الإنقلابات والأنظمة الدكتاتورية الدموية التي رسمت مصير العراق. من هنا فقد توجه المصور عباس علي عباس منذ معرضه الأخير الذي أقيم في ورشة الثقافات العالمية في برلين (10-27 أيلول 2008)الى متابعة الجالية العراقية في ألمانيا من خلال عدسة الكاميرا، وذلك بهدف رصد الآثار التي تركتها الأحداث الأخيرة وما سبقها في التاريخ العراقي على أبناء هذه الجالية التي تضم من غادر العراق قبل عشرات السنوات ومن غادره خلال السنوات الأربع الماضية بسبب الملاحقة الطائفية لأبناء الطوائف المسيحية والصابئية والأيزيدية، هذه الطوائف التي عانت الأمرين على
يد الميليشيات الإسلاموية بعد التحول. وقد تجلت بدايات هذا الإهتمام في إطار هذا المعرض الذي أقيم تحت عنوان quot;التمر المرquot; الذي أحتوى الى جانب الأعمال المتعلقة بالداخل العراقي على بورتريتات لعدد من الشخصيات العراقية المقيمة في ألمانيا من بينها اليهودي العراقي المعارض للسياسة الإسرائيلية البير قوجمان (من الجدير بالذكر أن عرض بورتريت البير قوجمان أثناء المعرض ووجه بهجوم كبير من قبل المتطرفين من القوميين العرب والإسلاميين
في المانيا، وصلت الى درجة الصاق العديد من التهم الغير مبررة بالمصور وبورشة الثقافات العالمية). أما المعرض الحالي المقام في مدينة ديساو التي تعتبر الى جانب فايمار من المراكز الثقافية المهمة في شرق ألمانيا لإرتباطها بمدرسة quot;الباوهاوسquot; المعمارية التي برزت في عشرينات القرن الماضي فأنه يشكل إستمرارية في عمل الفنان، حيث يشمل أعمالا صورها في العراق، إضافة الى مجموعة من البورتريتات وصور لمناسبات مختلفة (موت، زواج، معاناة وبهجة تشوبها الهموم) تجمعت لديه خلال السنوات الأخيرة.
أثناء التجوال في المعرض الذي أقيم في قاعة تابعة لجمعية الثقافات المتعددة ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي العراقي في وسط المانيا يجد المرء نفسه في مواجهة العديد من الأسئلة التي تضعه وسط الجو العراقي الحالي الذي مازال ndash; رغم التحسن النسبي الذي طرأ على الأوضاع الأمنية- يتميز بالعنف والممارسات الطائفية تجاه الأقليات من مسيحيين وصابئة وأيزيديين وغيرهم: نظرات الأطفال البغداديين تلاحق الزائر من زوايا متعددة، وتسحبه الى المحيط المأساوي الذي يحيط بحياتهم اليومية، وجوه لرجال دخلوا مرحلة الشيخوخة دون أن يتمكنوا من العودة الى أحضان البلد الذي أحاط بأحلام طفولتهم، نساء يحاولن تغطية الهم اليومي من خلال الإنخراط في جو طقوسي من خلال الرقص والغناء، وأحيانا تبدو حتى حفلات الزواج التي ألتقطتها عدسة المصور محاطة بجو من الحزن العراقي العميق الراسخ الجذور. وقد جاء إختيار عباس على الأغلب للأسود والأبيض متجانسا مع ما تعبر عنه الصور، وكذلك أقرب الى الجو العام الذي يهيمن على حياة اغلبية العراقيين سواء في الداخل أم في الغربة. الصور المعروضة، سواء كانت قد التقطت أثناء حفلة عرس أو أثناء الفاتحة على روح
عراقي توفي في المهجر، تتجه بشكل مباشر نحو عواطف المشاهد، محفزة خياله على الإنتقال الى عالم على وشك السقوط، لولا نزعة التحدي التي تطل علينا من نظرات الأطفال ووجوه الشيوخ التي تركت عليها الغربة آثارها. وكما نرى فأن البورتريت يحتل موقعا متميزا في عمل المصور، غير انه بدلا من أن يعتمد على الأسلوب التقليدي لفن البورتريت الذي غالبا ما يعتمد العمل داخل الأستوديو، نجده يعتمد في الأغلب على التقاط اللحظة العابرة، مما يجعل الصورة تتحول الى شرفة الى دواخل من يصوره، بحساسية عالية ووعي بحجم المأساة التي تتربص بالعراق ومواطنيه. ورغم الصعوبات المرتبطة بالتصوير الرقمي فيما يتعلق بالتعامل مع الضوء والظل تمكن عباس علي عباس، ربما بسبب خبراته السابقة في مجال التصوير اللا رقمي من التوصل الى تشكيلات فنية تحمل لمسات مصوري البورتيت الكبار في القرن الماضي مثل أوغست ساندر (1876-1964) الذي ترك بصماته على مجمل التصوير الفوتوغرافي الفني.
يستمر المعرض من 11 الى 25 حزيران في:
Multikulturelles Zentrum Dessau
Parkstraszlig;e 7
06846 Dessau










التعليقات