عبد الجبار العتابي من بغداد: واخيرا.. خرج عبد الستار البيضاني من عزلته وانزوائه، خرج من بيته الذي لم يخرج منه الا للضرورة القصوى، اعتكافا من اجل الكتابة فقط، اخرجه منها اتحاد الادباء والكتاب في العراق بالاحتفاء به، قاصا وروائيا مبدعا وصاحب سيرة ادبية جيدة، بحضور عدد كبير من الادباء والاعلاميين وقدمه الناقد علي الفواز، قائلا: الان سنستعيد اشياء كثيرة عن زمن نعتقد انه ينتمي الى نص الثورة او الاحتجاج الثقافي، نستضيف وجها من وجوه هذا الاحتجاج والذي شكل رؤية جديدة للكتابة القصصية العراقية، وان كنا نؤمن ان هناك كتابا روادا فأننا نؤمن ان هناك اجيالا اخرى اسست انماطا للكتابة السردية، قصة ورواية، وعبد الستار البيضاني واحد من هؤلاء الذين غامروا وتصدوا واحتجوا وكتبوا في (التقية القصصية) واعتقد ان تجربته واحدة من التجارب المهمة في الكتابة القصصية والروائية، هذه التجربة لم يسلط النقد عليها الكثير من اجراءاته مثلما لم يسلطها على جيل من الروائيين العراقيين الذين تشكلت تجاربهم اواخر السبعينيات واوائل الثمانينيات والتي كانت ذات منعطفات عديدة سياسية واجتماعية وثقافية كانت قد عصفت بالحياة العراقية التي منها الحرب العراقية الايرانية.
وقبل ان يمنح الفواز الفرصة للمحتفى به للحديث عن تجربته، منحها لزميله ومجايله القاص والروائي حميد المختار ليقرأ شهادة عنه، فقال: انه صوت اخر من اصوات القصة العراقية التي ابتدأت كرنفالها خارج حدود الصمت والخوف، فهو منذ نعومة اظفار قصصه البكر انفلت من اسار التشظي والتبعية والتعبوية التي انساق وراءها الكثير من كتاب القصة العراقية ابتداء من مطلع الثمانينيات وحتى ما بعد التسعينيات، لكن اليبضاني بقي مثابرا يسير في طريق محفوفة بالمخاطر والموت سواء الموت في شوارع بغداد الملغومة برجال الامن والمخابرات ام الموت الاخر على جبهات الحرب في حدودنا الشرقية واقصد بها الحرب العراقية الايرانية، البيضاني.. لم يكتب شيئا عن النظام ولم يحابيه او يجامله لانه لم يخافه واعلن راية عصيانه من خلال رايات نصوصه الغاضبة تلك التي كشفت عن فظاعات الحرب واهوالها عبر حكايات وقصص مأساوية ولدت من رحم الموت على حدود ايران الدموية.
وتحدث المختار عن المجموعة القصصية المشتركة (اصوات عالية) التي صدرت له بمعية البيضاني وشوقي كريم وعلي حميد عودة وحسن متعب الناصر.
بعده تحدث البيضاني الذي شكر اولا اتحاد الادباء والناقد علي الفواز الذي كما قال: اصر على اخراجي من هذه العزلة، ولانه كان من ضمن الاصدقاء الذين كانوا يعاضدوننا في بدايات الثمانينيات حين كان النشر محدودا وانهم كانوا ينظفون الاجواء لنمضي في الطريق.
واضاف: لم يخطر في بالي حتى وانا ادعى لهذه الاصبوحة ان اضع تعريفا للقصة القصيرة او الرواية او الكتابة الصحفية، فذلك برأيي المتواضع ليس من مهمات كاتب النص، فقد يكون من وظائف النقد او مهمات الاكاديمي الذي يتوجب عليه توفير مستلزمات الدرس الذي يتناول هذا الموضوع، غير ان هذا لايعني حظر ذلك على مبدع النص، فقد يأتي من باب تسليط الضوء على التجربة ومحاولة كشف اسرارها.
واستطرد: انا اجد ان كتابة ان كتابة القصة القصيرة بالنسبة لي هي مزيج من الفعاليات البايلوجية والانفعال السايكولوجي التي تنفخ في كل خلية من خلايا جسدي او حتى في عظامي وغظاريفي، وتولد في النفس الشهية عارمة للارتماء على الورقة وربما لهذا السبب انا لا استطيع الكتابة الا ممددا فوق الورقة ولا استطيع الكتابة على المنضدة حتى في عملي الصحفي، والغريب حتى بعد ان تعودت على الكتابة بالحاسوب لا استطيع ذلك الا على (اللاب توب) لانه يتيح لي الكتابة بأوضاع التمدد وفي اوضاع لمن يشاهدها تبدو كاريكاتيرية.
ومضى في حديثه: لكنني ولله الحمد وبعد ثلاثة عقود من التجربة تمرست على الزوغان من لحظة تأثير هذا المزيج (البايو-سايكلوجي) حتى تمر لحظة الانفعال والفعالية بسلام، وغالبا ما ابحث عن كل ما يمنحني قدرة الزوغان، وهذا هو السبب الحقيقي الذي يقف وراء قلة نتاجي وعدم حرصي على النشر، لا بل اعترف ولاول مرة انني احيانا امزق او اهمل الكثير من النصوص بعد ان انجزها، كما انني لا انشر اي قصة بعد كتابتها مباشرة فهناك مسافة بين الكتابة والنشر لاتقل عن ستة اشهر، واحيانا تمتد الى سنوات، وفي هذا اجابة ايضا على تأخري في طبع نتاجي بكتاب خاص، فأنا اخر افراد جيلي اصدر كتابا خاصا هو (قلعة النساء) في العام 1990 بتحريض ومبادرة من احد الاصدقاء هو (محسن الذهبي) الذي تولى طبعها على حسابه الخاص وقبلها ايضا مجموعة (اصوات عالية) التي اشتركت بها او اشركني بها الصديقان حميد المختار وشوقي كريم قبل ان يأخذا رأيي بحكم عمق الصداقة التي تربطنا، وعلى الرغم من ترددي كنت منسجما مع الفكرة لسبب واحد هو الوقوف في وجه عسكرة القصة العراقية الذي عملت عليه السلطة انذاك وتوظيفها للتعبئة العسكرية حيث توقفت وزارة الثقافة عن طبع اس نتاج ما لم يكن ضمن ادب المعركة، وكنا نحن الخمسة لم نكن قد نشرنا اي شيء عن الحرب باستثناء واحد نشر في بداية الحرب لكنه توقف لاحقا حتى بتنا نحن وبعض القصاصين الاخرين ومنهم المرحوم حمد صالح وفيصل عبد الجسن قبل ان يدخل دائرة ادب الحرب لاحقا يشيرون الينا بأننا ضد ادب الحرب وكانت الكثير من المحاولات تجري بشكل شخصي لرنا الى المشاركة في مسابقات الحرب، وربما هذا هو السبب الذي جعل الناقد يوسف عبد المسيح ثروت يتحمس لنا كثيرا ويكتب مقدمة تبشر بنا، وهي كانت السبب في عدم اجازة المجموعة من قبل الرقابة قبل ان يتبنى امرها الراحل محمد شمسي ويجيزها بشرط حذف الكثير من مقدمة عبد المسيح ثروت.
وكشف البيضاني ان عنوان المجموعة كان (ابواب الليل.. ابواب النهار) لكن الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي اخبرهم ان لديه قصة بهذا العنوان مما فرض عليهم تغييره فكان (اصوات عالية)، واشار البيضاني: وعلمنا ان احدهم كتب تقريرا للامن اعترض فيه على العبارة التي وردت في بوستر تجاري عن المجموعة حيث تقول (اصوات عالية افق مضيء في القصة العراقية) فقد فسر القول بأن قصة الحرب هي ظلام واصوات عالية اضاءة!!.
وتحدث البيضاني عن اعماله الاخرى وقراءاته وملاحظات الاخرين عما كتبه وصولا الى علاقته بالروائي فؤاد التكرلي التي بدأت مع قصته (نبوءة الدرويش) التي ننشرها نهاد التكرلي في مجلة (كل العرب) بعنوان (الشاهد)، كما تحدث عن عمله (التاريخ الذهبي) الذي اعتمد فيه القص او الحكي بأبسط لغة بحيث جعل النص يقترب كثيرا من الحكاية الشفاهية كما قال، ثم تحدث عن مجموعته (مآتم تنكرية)، التي قال عنها (ما كان لها ان تظهر لولا تشجيع الصديق المترجم خضير اللامي وشجاعة الناقد الدكتور شجاع العاني الذي قال لي سأجيزها حتى لو قطعوا رقبتي وسأكتب تقريرا لابعد انتباه لجنة التأليف والنشر عن مواضيع الخطورة فيها)، واشار البيضاني الى ان هذه المجموعة هي التي قادته الى القاريء الاجنبي عندما فوجيء بترجمتها من قبل البروفيسور الاسباني المعروف (انياكي غوثيريت تيران) رئيس قسم الدراسات الشرقية والاسلامية في جامعة مدريد وصدرت عن دار نشر هيرو ضمن سلسلة تضمنت ترجمات لابرز الكتاب العالميين منهم جاك لندن وماركيز وجورج امادو وكونديرا.
وبعد ان انتهى البيضاني من حديثه جرت مداخلات لبعض النقاد والحضور وتساؤلات اجاب عنها بأنه لم يحتفل بجراحات الدكتاتورية ولم يفتخر بها، وقال: انا لست رجلا سياسيا ولا انتمي الى اي حزب سياسي بل انا اعيش مرحلة، انا لم اسيس او اؤدلج القصة وانا احترم الطريقة التي يفهم بها القاريء القصة.









التعليقات