محمد الحمامصي من القاهرة: يحتل الناقد د.شاكر عبد الحميد مكانة خاصة في مسيرة النقد مصريا وعربيا، ليس بسبب خصوصية رؤيته ومعالجته وزخم وأهمية ما قدمه من كتب رصدت وحللت العديد من الظواهر الأدبية، أو ترجماته التي أيضا أثرت المكتبة العربية بعدد من الكتب الفريدة في تخصصها وموضوعاتها، ولكن بسبب هذا الحضور الإنساني الطاغي الذي تتميز به شخصيته واتساع أفق رؤيته، الأمر الذي مكنه من تحقيق تواصل فريد مع الإبداع والمبدعين، وتطوير أدواته النقدية بعيدا عن آليات النقل والاقتباس عن النظريات النقدية الغربية.
غاب د. شاكر عبد الحميد عن مصر لسنوات متنقلا بين عدة دول عربية منها سلطنة عمان والإمارات والبحرين، لكنه ظل محتفظا بتواصله الإبداعي والإنساني، وفي هذا الحوار معه نتعرف على المزيد من أفكاره ورؤاه وإنجازاته.

** حقيقة هناك يشغلني فيما يتعلق بحضورك النقدي خاصة والثقافي عامة ، فقد كنت واحدا من أبرز النقاد على الساحة المصرية منذ أواخر السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات ثم بدأت الانسحاب مرة تلو الأخرى، ما الذي حدث؟
** لقد ارتبط هذا السفر والغياب ثم العودة ثم السفر بظروف خاصة وظروف عامة، بعضها كان يمكن التعامل معه وتجاوزه، وبعضها لم يكن، ويمكنك أن تعتبرني أحد تلك التجليات الخاصة بهجرة العقول المصرية إلى خارج موطنها بسبب بعض الظروف المادية القاسية أو بسبب بعض أشكال التعنت والجمود البيروقراطي والوظيفي، التي تعطي مواقع اتخاذ القرار حتى في المؤسسات الثقافية ـ وأنا لست ساذجا حتى أفهم الأمور على غير ذلك ـ لمن هم أقل موهبة وإبداعا وإنتاجا، لكنهم بالطبع الأكثر ولاء وانصياعا وتزويقا للأوضاع الردئية، وقد حاولت كثيرا أن أتكيف مع ظروفي الخاصة أو الظروف العامة، وفي حالات كثيرة لم أجد مفرا من الهروب، وأنا لا أعتبر ما قمت به هجرة، ذلك لأنني عشت في بلدان عربية عزيزة مثل سلطنة عمان أو الإمارات أو البحرين، لم أشعر فيها إطلاقا بأي غربة، أو تمييز ضدي، بل أنتجت فيها معظم كتاباتي وأهمها، على الأقل من وجهة نظري.

** لم يكن حضورك مقصورا على المتابعة النقدية وطرح الرؤى والأفكار بل كان حضورا إنسانيا فاعلا حيث كان يلتف حولك الكتاب والنقاد والشعراء ..إلخ، أكرر ما الذي حدث لتخرج وتعود ثم تخرج وهكذا؟
** لم أغب عن مصر إلا جسديا، على الأقل من وجهة نظري أيضا، وسأعود في نهاية هذا العام الدراسي 2010 / 2011 بإذن الله، وقد كنت أساهم بالنشر أو الكتابة في الصحف والمجلات المصرية بقدر الممكن، وحضور الإنسان في رأي ليس بجسده فقط، بل بعقله ووعيه ووجدان، والمثل المصري الذي يقول quot;البعيد عن القلب بعيد عن العينquot; مثل صحيح لكن ليس بدرجة مطلقة.

** قبل أن أنتقل إلى مشروعك النقدي، اسمح لي بسؤالك عن حال النقد في مصر، وهل تؤيدني إذا قلت أن أغلب نقادنا الذين كنا نضع عليهم آمالا كبيرة في إنجاز مشاريع نقدية فارقة قد خذلونا وخذلوا بداياتهم الجادة؟ وبماذا تقيم حال النقد الآن؟
** أعتقد أن حال النقد في مصر وفي غيرها، اليوم، هو انتكاس للأحوال العامة، والأحوال العامة تشير إلى تدهور واضح في الشخصية المصرية، حيث غياب للرؤية والتوجه، وشحوب الاستبصار بالحاضر والمستقبل، فأي حال يكون للنقد هنا، لا يزدهر النقد في رأيي إلا في حضور الديمقراطية، في وعي بالآخر والإيمان بحقه في الاختلاف، في تشجيع الإبداع والمبدعين على نحو حقيقي، وليس من أجل التظاهر والمهرجانات والأخبار الدعائية، يزدهر النقد إلا مع توفر ظروف اقتصادية مناسبة تتيح للناقد شراء الكتب الجديدة التي تناقش موضوعات ومناهج نقدية جديدة، مازال نقادنا يقفون عند أبواب البنيوية التي أغلقت، وما قامت به مجلة فصول وغيرها هي أنها فتحت باب البنيوية على مصراعيه أمام النقاد العرب، فدخلوا إلى بيتها ولكن معظمهم لم يخرجوا منه حتى الآن، ما يزال نقادنا ينتظرون بعض فتات النظريات الغربية ودون أن يرجعوا إليها في مظانها ومصادرها، يأخذون قشورا من هنا وهناك، من جيرار جنييه ورولان بارت وجاك دريداوفوكو وغيرهم، ثم يرصعون بها كتاباتهم دون وعي.
هل خذلنا النقاد؟ لا، بل نحن الذين خذلناهم، نحن الذين لم نهتم بهم أو نشجعهم، نحن الذين لم نفرد لهم مجلات متخصصة مهمة وحرة للنقد، نحن الذين لم نخصص جوائز مهمة للنقاد، نحن الذين لم نلق ضوءا مناسبا على جهود من أبدعوا منهم، نحن الذين تعاملنا معهم على أنهم عيال على الأدباء وعالة عليهم، نحن الذين فتحنا صحفنا لكل من هب ودب يكتب غثاء وهراء يسميه نقدا.
هل النقد اليوم بخير؟ هل أتناقض مع نفسي؟ ماذا أقول إنه بخير ولكني أقول إن هناك دراسات وإضاءات نقدية مهمة قد بدأت تؤتي ثمارها في عديد من الدول العربية، ولن أذكر أسماء المصريين فقط حتى لا أتهم بالجهل أو الشوفينية.

** هل تعتقد أن من دخل من المثقفين والنقاد والكتاب والشعراء وهم كثيرون في حظيرة السلطة واحتضان الأخيرة لهم أحد أسباب تراجع الثقافة المصرية ودورها كما وكيفا؟
** لا أعرف من صاحب التعبير الخاص بالحظيرة، ولا أعتقد أن فاروق حسني وزير الثقافة المصري كان يقصد المعنى الخاص بتدجين المثقفين وإخضاعهم للضوابط، من خلال إلقاء بعض العلف في شكل جوائز وعضوية لجان ومناصب إليهم داخل هذه الحظيرة، خاصة أنه يتحدث دائما عن أهمية التمرد والإبداع والتجريب والتجاوز، وأنا أصدقه في ذلك لدرجة كبيرة، من يرد أن يدخل الحظيرة فليدخلها، وسيدخلها بشروط أصحاب الحظيرة ومالكيها، العقد شريعة المتعاقدين، لن تدخل بشروطك، بل بشروطنا، تمرد على راحتك، ولكن ضمن نسمح لك به، لا ينبغي أن يمنعنا مفهوم الحظيرة من الإشارة إلى بعض ما تم إنجازه في الثقافة المصرية خلال السنوات الماضية، كما تمثل ذلك مثلا في : بناء المتاحف وقاعات العرض وزيارة القيمة المادية لجوائز الدولة والمشروع والمركز القومي للترجمة ومشروع مكتبة الأسرة ومشروع ترجمة الفنون في أكاديمية الفنون وغيرها، على الرغم من وجود ملاحظات على كل منها، لا تنس أيضا أنه منذ عقدين من الزمان أو أكثر كانت هناك حالة اختناق في عملية النشر للكتب والأعمال الإبداعية لكن مشروعات النشر في هيئة قصور الثقافة والتي بدأت أيام حسين مهران وعلى يد علي أبو شادي ومحمد كشيك وأحمد عبد الرازق أبو العلا وغيرهم وأيضا سلاسل الهيئة العامة للكتاب قد أسهمت في فك هذا الاختناق إلى حد كبير.

** شكلت أطروحاتك النقدية مشروعا خاصا تجلى في العديد من كتبك، ودراساتك التي اشتغلت على النقد والشعر والرواية والظواهر المهمة في الفن؟ هل لك أن تلقي الضوء على هذا المشروع وما أنجزته وما تطمح لتحقيقه؟
** كنت ومازلت مهتما بموضوع الإبداع وقد بدأت اهتمامي به منذ أواخر السبعينيات عندما كنت أعد رسالتي للماجستير عن العملية الإبداعية في القصة القصيرة، تحت إشراف د.مصطفى سويف، وخلال عملي في تلك الرسالة تعرفت على معظم أدباء مصر، ومن خلال هذه المعرفة بدأت أمارس النقد، وقد كان نقدا انطباعيا في البداية، ثم بدأ يتخذ شكل الاتجاه النفسي في دراسة الأدب، هكذا تأثرت بكتابات فرويد ويونج وعز الدين إسماعيل وغيرهم، وأصدرت كتابي الأول وكان عنوانه quot;السهم والشهابquot; استلهمت فيه مقولة شهيرة للكاتب الفرنسي جي دي موباسان قال فيها quot;لقد دخلت إلى ميدان الأدب كالسهم وخرجت منه كالشهابquot;، وأنا لم أدخل إلى ميدان الأدب كالسهم ولم أخرج كالشهاب، لكني كنت أكتب مقالا تحت هذا العنوان عن الأديب المصري الراحل يحيي الطاهر عبد الله، وقد كان اشتهر بسرعة في ميدان الأدب المصري لكنه مات فجأة في حادث مأساوي.
بعد ذلك كتبت أكثر من ثمانين دراسة حول القصة والرواية والشعر، بعضها تم جمعه في كتاب quot;الحلم والرمز والأسطورةquot; والكثير منه لم يتم جمعه حتى الآن في شكل كتب ورقية.
ومع الاهتمام بالإبداع الأدبي بدأت أعد دراستي للدكتوراه وكانت تحت إشراف د. مصطفى سويف أيضا ومعه الفنان التشكيلي السكندري د.محمد حامد عويس، وخلال تلك الفترة تعرفت على معظم الفنانين التشكيليين المصريين وبعض الفنانين العرب أيضا، ثم كان أن بدأ مشروعي الفعلي، لو كان لي أن أقول إنني صاحب مشروع، بعد ذلك أي عام 1984 عندما انتتهيت من رسالتي للدكتوراه، بدأت أكتب وأترجم في الفن والأدب وعلم النفس، ونشرت أكثر من خمسة عشر كتابا مؤلفا، وتسعة كتب مترجمة، ومن الكتب المؤلفة أذكر quot;الطفولة والإبداعquot;، وquot;العملية الإبداعية في فن التصويرquot;، وquot;الأدب والجنونquot;، وquot;الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصية القصيرةquot;، وquot;عصر الصورةquot;، quot;التفضيل الجمالي .. دراسة في سيكولوجية التذوق الفنيquot;، وquot;الفكاهة والضحكquot;، وquot;الفن والغربةquot; ومن الكتب المترجمة quot;الدراسة النفسية للأدبquot;، وquot;العبقرية والإبداعquot;، وquot;سيكولوجية فنون الأداءquot;، وquot;معجم السيميوطيقاquot; وquot;quot;قبعة فيرميرquot; تحت الطبع في مشروع كلمة للترجمة بأبوظبي، وثمة كتب أخرى في التخصص الأصلي لم أذكرها هنا، حتى لا نثقل على القارئ أو يتهمنا أحد بالاستعراض.

** اشتغلت على مفردات لها أبعادها الفنية الإبداعية والإنسانية والتاريخية وأنجزت فيها كتبا مهمة مثل كتبك عن الخيال وعن الصورة وعن الطفولة وعن العبقرية، لماذا كان هذا الاتجاه؟ على الرغم من أنك تابعت الإبداع شعرا وقصة ورواية منذ السبعينيات وعايشت كتابه، ومع ذلك كتبك حول هذه الأجناس الأدبية قليلة؟
** اشتغلت على الإبداع والفن بحكم التخصص الأكاديمي، لكني نسيت بعد ذلك تخصصي الأكاديمي، أو بالأحرى كسرت قيوده ووسعت آفاقه، وأصبح الإبداع بالنسبة إليّ هو أسلوب الحياة، أسلوب التفكير، أسلوب المواجهة لمشكلات الحياة، تتقدم الأمم بعقول أبنائها أكثر من تقدمها بثرواتها المادية، واليابان دليل كبير على ذلك، وليست العبرة بزيادة عدد السكان أو قلتهم، والصين أكبر دليل على ذلك، فقد تفوقت على الولايات المتحدة فيما يسمى بالميزان التجاري أو ميزان المدفوعات.
الإبداع هو الحل يا سادة، الإبداع ومعه الديمقراطية، ومعه الإيمان بأن الإنسان قد خلقه الله كريما quot;لقد كرمنا بني آدمquot; وينبغي أن يعيش كريما.
لم أكتب حول الأجناس الأدبية، لأنني مازلت أعتبر نفسي هاويا ولست محترفا، كما أن معظم ما كتبته، كما قلت لك منذ قليل، لم ينشر في كتب ورقية أو حتى إلكترونية.

** دخلت الرواية المصرية في حالة ازدهار على مستوى الكم فهل ترى أن الكيف أيضا مزدهرا؟
** الرواية المصرية مزدهرة كما وليس كيفا، هناك تدفق وفيضان في الروايات التي تنشر، كل من يمسك في يديه قلما يكتب رواية في مصر الآن، لكن الكثير من هذه الأعمال، تجارب أولى، بروفة لما سيليه من كتابات، انطباعات لا علاقة لها بتكنيك الكتابة، لسنا في زمن الرواية كما قال جابر عصفور، بل في زمن تزايد أو ارتفاع عدد المنشور من الروايات وهناك فرق، أين هي الأعمال الفذة التي شقت طريقا جديدا للرواية العربية من بين هذه الروايات!!.
تأخذ بعض الرويات شهرة وتترجم فإذا قرأتها وجدت نفسك تتحسر على غياب القيم وانفلات المعايير، أين هو الروائي الفذ صاحب الخيال الجامح والإبداع المتجاوز للحدود، ذلك الذي يجترح العجائبي ويأتي بالمعجزات الإبداعية، دلني عليه من فضلك، أريد أن أقرأه، أريد أن أتحرر من هذا الملل الذي يكاد يقتلني والسأم الذي يوشك أن يسلمني إلى الجنون، أحب ما يكتبه إبراهيم عبد المجيد وسعيد الكفراوي وحمدي أبو جليل وغيرهم.

** وماذا عن الشعر خاصة وأن وضعه منقسم ما بين رفض متبادل بين شعراء قصيدة النثر وشعراء قصيدة التفعيلة، وأيضا هناك انقسامات داخل كل فريق؟
** كف معظم الشعراء الكبار عن الكتابة، ولكن هناك إبداعات مهمة لشعراء في مصر أمثال محمد سليمان في ديوانه quot;أوراق شخصيةquot;، ومحمد عيد إبراهيم في ديوانه quot;السندباد الكافرquot; ومحمد آدم في ديوانه quot;كل هذا الليلquot;، ومحمود خير الله quot;كل ما صنع الحدادquot;، وquot;أن تكون شبحاquot; لأسامة الحداد، وquot;عشرة طرق للتنكيلquot; لعماد فؤاد، وغيرهم ولكني أعتبر نفسي غير متابع كما ينبغي للكثير مما ينشر في مصر الآن من شعر أو روايات.

** قضيت عدة سنوات تنقلت فيها بين سلطنة عمان والإمارات وأخيرا البحرين ماذا أنجزت خلال تلك السنوات؟
** أنجزت في عام 2007 كتابا بعنوان quot;الفنون البصرية وعبقرية الإدراكquot; وصدر عن دار العين بالقاهرة، وأنجزت كتابا بعنوان quot;الخيال: من الكهف إلى الواقع الافتراضيquot;، وصدر عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت، وأنجزت كتاب quot;الفن والغرابة مقدمة في تجليات الغريب في الفن والحياةquot; عن دار ميريت 2010، وترجمت كتاب quot;قبعة فيرميرquot; للمؤرخ البريطاني المعاصر تيموني بروك وهو عن قراءة لارتباط الفن بالعولمة والتجارة وعصر الاستعمار ومن خلال لوحات الفنان الهولندي يوهان فيرمير.
وأوشك الآن على الانتهاء من كتاب quot;الغربة في الأدبquot; وهو عن ظواهر غريبة في الأدب مثل الازدواج والتفكك والتعدد والقرين والأشباح والجنون وغيرها ومن خلال أعمال كتاب عالميين وعرب أيضا.