: آخر تحديث

حوار مع نجم والي: العراق الآن ليس هو ماكنا نطمح إليه

 

قيل قديما ً للسفر سبع فوائد ، ومن أهم الفوائد هي لقاء الكتاب والمثقفين والحديث معهم ، تلك كانت الصدفة الجميلة بالالتقاء مع الكاتب والروائي العراقي نجم والي وذلك بمناسبه  حضوره للمؤتمر السنوي الرابع لمكافحة التطرف والمقام  لمكتبة الاسكندرية ، بداية اللقاء كان حديثا سريعا ومن ثم التقينا مرة ً أخرى في المقهى الشهير " ريش " والموجود في ميدان طلعت حرب وسط القاهرة ، ذلك المقهى والذي يعتبر ملتقى للمثقفين والكتاب العرب مثل نجيب محفوظ ويوسف ادريس وصلاح جاهين وبدر شاكر السياب ..
نجم والي في حديث صريح جدا ً تحدث فيه عن العراق وعن الهجرة ، تحدث فيه عن التعصب والتطرف .. حدثنا عن العراق الذي يحلم به ، وعن ألمه من وضع المرأة . نجم والي  ولد في مدينة العمارة بالعراق ، يعتبر أحد أكثر الكتاب العرب و العراقيين شهرة عالمية ، و كاتب عمود في الصحافة العربية ( الحياة و المستقبل  والمدى ) و الألمانية ( دي تزايت ، دير شبيغيل ، زوددويتشة تزايتونغ و نويه تزوريشير تزايتونغ ) ، كما يعمل متفرغاً للكتابة منذ عام 2001 ، يعيش في منفاه الألماني ( برلين ) . درس الأدب الألماني في جامعة هامبورغ و الأدب الأسباني بجامعة كومبليتينسه في مدريد غادر العراق أواخر العام 1980 ترجمت أعماله إلى عدة لغات عالمية و صدرت عن دور نشر عالمية مرموقة ، كما كتبت عنها أشهر الصحف العالمية كان له معنا في ايلاف هذا اللقاء العابر ... 
 
 
سبق أن ذكرت أن العراق الذي غادرنا من أجله ليس هو العراق الذي نطمح له الآن ؟
 
العراق ليس  العراق الذي تمنيناه أن يكون ، فالأمنية ليست هي ما انتهت له الآن ، الحلم كان بعد الديكتاتورية أن يكون هناك ديمقراطية وحرية حقيقية ، فالعراق الآن يفقد الحرية  وفيه نوع من الطائفيةلكي لا نتحدث عن الرشوة التي تغرق فيها البلاد ، أما الميلشيات العسكرية فتنتشر في كل مكان فيه من كل الأحزاب الدينية ومن كل الطوائف ، وصل العراق إلى وضع حتى المسيحيين يشكلون جماعات مسلحة للدفاع عن أنفسهم ، فالشعور بالخطر جعل حتى الجماعات المسالمة تتسلح !!
 
سبق أن قلت أنك كافحت كثيرا ً من أجل العراق ، ماهو هذا الكفاح وأنت منذ عام 1980م مهاجرا ً خارج العراق ؟
أي تغيير في الحياة وفي مجتمع يأتي من مجموعة عوامل ، سلسة من المساهمات، فأنا شخصيا من الأشخاص الذين كافحوا ضد الديكتاتور صدام حسين وضد نظام البعث بالمجمل ، أُعتقلت مرات عديدة، المرة الأولى تم اعتقالي وأنا في الثانوية بسبب معارضتي لنظام البعث، والأخيرة في شباط 1980، وأنا أقضي خدمتي العسكرية الإلزامية كخريج كلية الآداب قسم اللغات الأوربية، حيث تعرضت لصنوف التعذيب في أقبية زنازين الاستخبارات العسكرية في بناية وزارة الدفاع في بغداد، خرجت بأعجوبة، صورت ذلك الاعتقال في رواية "صورة يوسف" وفي رواية "ملائكة الجنوب"، بعدها أكملت خدمتي في الجيش التي بدأت في صيف عام 78 حتى عام 80  أي حتى اعلان الحرب العراقية الايرانية ، بعد ست أسابيع من نشوب الحرب ، غادرت العراق مهاجرا ً إلى ألمانيا  لأني ضد الحرب وضد أي حرب تحدث . 
وخارج العراق في المنفى لم أنس العراق ، فأنا أصبحت ضمير العراقيين خارج العراق ، واصلت العمل الصحفي وواصلت الكتابة الصحفية ، من خلال عدد من الصحف العربية، خاصة في جريدة الحياة وعلى مدى 15 عاماً مساهماتي معروفة للجميع بدأت عام 1991 وحتى عام 2006 ثم في جريدة المستقبل. وكان مجمل كتاباتي ضد الدكتاتوريات وضد الإرهاب وجماعات التطرف الديني. وكذلك رواياتي التي كتبتها ، فأنا من العراقيين القليلين الذين كتب باسمه الصريح وليس باسم مستعار ، فروايتي الأولى "الحرب في حي الطرب" وهي أول رواية عراقية تُكتب من وجهة نظر غير وجهة نظر السلطة نشرت عام 1989 تحت إسمي الصريح، في الوقت الذي كتب الآخرون أو نشطوا في المعارضة تحت اسم مستعار، واليوم يتربعون على عرش السلطة، وحتى اليوم لا أجد نفسي إلا في معارضة للسلطة. كاتب ما لابد وأن يكون معارضاً لسلطة حاضرة، لأنه متحالف مع الغائب الأفضل دائماً. وهذا هو قصدي حينما قلت كافحت من أجل العراق .
 
كيف استمرت وصبرت على الغربة خصوصا التواصل صعب في ذلك الوقت ؟
 
ثلاث سنوات لم اتواصل مع أهلي ، وكانت أختي الصغيرة درست التجارة كي تعمل في البريد قسم التلفون كي تتصل علي ، ولا أنسى مكالمة الثالثة فجرا ً  . .  كانت لحظة عظيمة وقتها ومؤلمة ، هنا المآساة التي تنتجها الأنظمة الدكتاتورية القاسية . أنها تشتت الأحبة عن بعضهم، لكنني من ناحية أخرى، وتلك هي مفارقة الديكتاتورية، ساعدتني على تكوين الشخصية التي أنا عليها الآن، لم أبك على الأطلال وأجلس وأبكي، بل أعتبرت المنفى فرصة للكتابة والعيش بحرية، أعطتني مسافة عن الوطن ووطأته علينا عندما نعيش به، كما منحتني فرصة للتعلم كلما كان ممكناً افتقاده في العراق. واصلت دراستي للأدب الألماني في جامعة هامبورغ، وعندما أنهيت الدراسة وحصلت على الماجستير في الأدب، أنتقلت إلى مدريد لدراسة الأدب الاسباني. فأية متعة أن تقرأ هذه الآداب بلغتها الأصلية. وطوال سنوات المنفى كنت مصراً على تحقيق شخصية الكاتب، المتفرغ للكتابة والحر.
 
علاقتك بالأدب الألماني بدأت في بغداد، كما نعرف، أنك درست الأدب الألماني في جامعة بغداد، من أين جاء حبك للأدب الألماني؟
علاقتي بالأدب الألماني بدأت مبكراً، حين كان عمري في 14  كانت عندنا مكتبة صغيرة في العمارة ولاتزال موجودة اسمها المكتبة العصرية ، فكانت هذه المكتبة في رأس كل شهر تأتي بكتب وروايات من بغداد، ففي أحد المرات شاهدت كتاب شعر وعجبني الشاعر ، دفعت ما أدخرته من مصروف يومي واشتريت الكتاب، أعبجتني القصائد المكتوبة فيه، في الليل، رحت أقرأ القصائد ، من الأول حتى الأخير ثم من الأخير حتى الأول، إلا أن انتبهت، لحظة، قلت لنفسي، من هو المؤلف، لأنتبه أنه التشيكي الذي يكتب بالألمانية ماريا ريلكة، "مراثي دوينو" كان أسم الديوان، وقلت يجب في يوم أن أقرأها بالنص الأصلي وكان بالفعل . بترجمة السوري اللبناني فؤاد رفقة، بعد أربعة عقود من ذلك ألتقيت برفقة للمرة الأولى في ندوة في برلين، وعندما رويت القصة أمام الجمهور، وكيف أن ترجماته لريلكة والشعراء الألمان أثرت على جيلي وعليّ بشكل خاص، لأنه كما يرى، ها أنا في المانيا، بكى الرجل.
نفس الشيء حدث مع الأدب الأسباني فبسبب قراءة قصائد "عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة واحدة" لبابلو نيرودا التي وقعت في يدي بنصيها الألماني والأسباني، ولأنني كنت في حينه عام 1987 أمر بتجربة حب مريرة فاشلة في هامبورغ، قررت الذهاب إلى مدريد ودراسة الأدب الأسباني، لكي أقرأ القصائد التي دخلت روحي تماماً، في الأصل.
عموما أنا عندي ميل وحب لتعلم اللغات وحتى اليوم، عن طريق تعلم لغات أخرى نتعلم ثقافات أخرى. أقمت للدراسة ستة شهور في أكسفورد ومثلها في فلورنسا ونيويورك.
 
كم لغة يتكلم نجم والي وبكم لغة أصلية يقرأ كتب ؟
في المقام الأول بالألمانية والأسبانية والانكليزية والعربية طبعاً
 
عندما ترى أوربا مليئة بالمهاجرين العرب ... ماشعورك تجاه هذه الكمية من عدد اللاجئين إلى أوربا ؟
 
هذه إشكالية قديمة ، حينما غادرت كان المهاجرين قليل جدا ً ، حينها كان في هامبورغ في ألمانيا مايقارب من عشرين عراقياً، ربما اكثر قليلا ً ، والآن بالمئات ، وعموما ً العراقيين لم يعرفوا بالهجرة في تاريخهم، كانت بلاد وادي الرافدين بلاد تستقبل الهجرات، ولولا الحصار والحرب لم يهاجروا أبدا ً المهاجرون يريدون الهجرة ظناً منهم أن أوروبا الجنة ، والإتحاد الأوربي يحاول نشر هذه الصورة في العالم، أن أوروبا هي جنة الأرض فيها الرفاهية والعدل والديمقراطية غيرها من المزايا  .. لكن الحقيقة أن العيش في  اوربا كفاح ، عليك أن تبدأ من الصفر هنا، فأنا عملت في الميناء ، وعملت سائق تاكسي وفي دور المسنين للعناية بكبار السن ، بالتوازي من ذلك كنت أدرس في جامعة هامبورغ، العمل والدراسة، اليوم معظم من يهاجر لأوربا لايعرف هو إلى أين ذاهب ، المهم أنه يذهب بعيداً عن بلاده بالبحث عن حياة جديدة، فيها كرامة على الأقل، ولا يدري ما ينتظره، مصاعب وإذلال، لكن المهربين هم من ورطهم في الهجرة . وعلى فكرة من يهاجر لأوروبا ليس الطبقة الفقيرة بل الطبقة المتوسطة  ، فمثلا برلين يوجد بها أطباء عرب أكثر من أي عاصمة عربية . 
 
الطائفية والعنصرية  مازالت تنهش في العالم العربي ..ومازالت مستمرة رغم كل الدراسات والبحوث  والندوات التي أقيمت لمحاربتها؟ 
 
لا تنسى دورنا نحن، المهاجرون العرب يأتون إلى أوروبا والأغلبية منهم تغذي الأحكام المسبقة عنهم والعنصرية، أغلبية المهاجرين يأتون للغرب أيضاً بوجهة نظر مسبقة، لا يملكون وعياً بمستوى التحدي الاقتصادي والثقافي الذي سيواجهونه ومعهم أطفالهم، يفكرون بأمر واحد: الإسلام! الثقافة بالنسبة لهم الدين فقط، لا يفكرون ببناء مدرسة أو تعلم لغة، أو دراسة شروط الحياة في البلد الجديد، يهمهم قبل كل شيء الذهاب للمسجد، من الصعب عليهم التخلص من الإرث الكبير الذي حملوه معهم، بعض من المتطرفين منهم يفكر، أنهم جاء إلى ديار الحرب، في غزوة، وأظن أن السبب هي الأنظمة المرتشية والدكتاتوريات التي عاش في كنفها وهي لم تفعل شيء يساعد الناس على تشكيل وعي جديد ، على العكس دمرت وعي الناس الذي هو مدمر أصلاً، فهي مخدرة لهذة الشعوب التعبانة عن طريق الدين ، فالآن عندما تشاهد كل الأنظمة التي تدعي محاربة الإرهاب تقول أن دينها معتدل ،  بينما الحل الصحيح هو العلمانية، فصل الدين عن الدولة ، لمن يريد القضاء على الإرهاب عليه أن يقر بفصل الدين عن الدولة، الدين مسألة شخصية خاصة بالإنسان لأن كل شخص يملك فهمه الخاص للدين ! 
 
دائما ً ما تتطرق في روايات لوضع المرأة ً ..رأيك بوضع المرأة العربية ؟
 
لو قلت أن وضع المرأة سيء ومقموع  ولم تنل حقوقها فهذا شيء قليل ، فهي مقموعة حتى في اللغة ، فالمحلات النسائية في المدن العربية تسمى حريمي من الحرمة والتحريم !! فظاهرة الحجاب المتفشية تشاهدها في الشوارع العربية كأنها هوية المرأة، كأن المجتمعات كلها قررت قمع الجمال ونفيه، طبعاً جاء ذلك بسبب التفكير الذكوري، الرجل العربي مخصي ومندحر في حياته اليومية، أمام قمع النظام، في المؤسسة  التي يعمل فيها، فلا يجد حرية وترفيه، بغير قمع المرأة، قمع الرجل للمرأة، حسب ظنه، هو تنفيس لقمعه، دون أن يدري أنه بهذا الشكل يقننون  القمع في هرميته من فوق إلى تحت، وفيما يخص الحجاب بالذات، لأن كل شيء يدور عليه عند العرب اليوم، فأنا مقتنع بأن عدد كبير منهن يلبس الحجاب إرضاء للرجل فقط !! 
والجريمة التي تتم باسم الدين تجاه المرأة باعتبار جسد المرأة عورة  هذه جريمة كبرى ، وبرأيي الحجاب مسألة شخصية لكن مع عدم الإجبار عليه في عمل أو دولة ما ، أما فيما يخص النقاب فلابد من محاربته لأنه يخفي ملامح الشخصية كالتنكر بالضبط. 
 
لاتحبذ جوائز الروايات العربية لماذا ؟
الجوائز لها أكثر من جانب  ، فهي ماديا ً مفيدة ، لكن الجانب الآخر خاصة بالنسبة للكاتب  المبتدئ  يظن نفسه كاتب عظيم ويظن نفسه أن رواياته تترجم لك لغات العالم ، وهذا غير صحيح ، كما أنها تكر ظاهرة الكاتب الجائزة، في النهاية عندما تذهب الجائزة يذهب الكاتب. هل تتذكر اسماء الفائزين قبل أعوام؟ 
الكتابة الآن وبنسبتها الكبيرة ذهبت باتجاه الجوائز . حتى القراءة ذهبت بهذا الاتجاه، للأسف.
 
لكن ماذا عن الجوائز العالمية، أنت نفسك حصلت على عدد من الجوائز العالمية، جائزة برونو كرايسكي العالمية للأدب عن روايتك بغداد مالبورو عام 2014، كما وصلت روايتك "ملائكة الجنوب" في القائمة القصيرة لجائزة يان ميشالسكي السويسرية العالمية للأدب 2015، وقبل ايام حصلت على جائزة فيلا كونكورديا التي يمنحها إقليم بافاريا الألماني، وهي جوائز أيضاً بقيمة مالية، الأخيرة 20000 دولاراً تقريباً.
 
هناك فارق كبير بين جائزة يذهب الكتاب إليها وهم ينشدون في الجوقة. وبين جائزة تأتي ولم ترشح نفسك إليها. الجوائز التي ذكرتها هي جوائز لم أرشح نفسي إليها، الجوائز العربية فيها نوع من الإذلال، ولكي أبين لك الفارق، لنتحدث عن اشهر جائزة، نوبل مثلاً، جائزة نوبل تأتي للكاتب، ولا يذهب إليها الكاتب، كاتب يرشح نفسها إليها مثل من يقوم بعملية انتحارية، سيهملونه، أما الجانب الأخر المهم هو التمويل. هناك فارق بين جوائز بوكر أوروبية تمولها دور النشر نفسها التي ترشح كتبها (كما في جائزة الكتاب الألماني التي كنت أنا أحد أعضاء لجنتها التحكيمية عام 2016) وبين جائزة تمولها دولة ريعية أو مؤسسة ذات طابع وتوجه رسمي! لكي لا نتحدث عن الناشر العربي وفساده كشخص يتغذى من كبد الكاتب، الذي سيفكر ألف مرة، بمضمون الرواية وسلوك الكاتب قبل أن يقدم هذا الكتاب أو ذاك لجائزة ما، لكي لا أبالغ وأقول قبل نشره أي كتاب. بعضهم طالب الكتاب بدفع رشوة لترشيحه لجائزة.
 
هناك من يظن أن فوز رواية بجائزة عربية مهمة، البوكر أو غيرها يعني ترجمتها بلغات أخرى؟
أعرف ذلك، قرأت لأحدهم مرة يقول، أن مجرد وصول رواية في القائمة القصيرة للبوكر يعني ترجمتها لأربعين لغة، هذا وهم وأضغاث أحلام !! دور النشر الكبيرة المحترمة في أوروبا لا تقبل رشوة المشرفين على الجائزة، الذي يمولون الترجمة. لنتحدث عن المانيا كمثال، لأنني أعرف آليات النشر فيها أكثر من اي بلاد أخرى، حتى الآن لم تظهر أية رواية من البوكر في أية دار نشر المانية عريقة أو كبيرة، وإذا ظهرت (وبإستثناء واحد ربما)، فإن الدار لن تنشر كتاباً ثانياً للكاتب نفسه، كما حدث لإحدى الروايات التي حصلت على جائزة البوكر، نشر الكاتب بعدها على الأقل 3 روايات. لم يترجموا له ولا واحدة منها، وحتى تلك الرواية الفائزة هاجمتها الصحافة الألمانية واستغربت من فوزها. هناك تقليد تمارسه دور النشر الألمانية منذ عقود طويلة، تعطي الروايات للخبراء لكي يقيمونها، ولا تعتمد على الجائزة فقط. كل سنة أتسلم من دور نشر المانية معروفة، قائمة من روايات الجوائز لكي أبدي رأي بها! موقف محرج طبعاً بالنسبة لي، لأن الصراحة مدمرة لمن لا يريد سماعها، الأمر الذي يجعلني أرفض غالباً، لكن في العام الذي يليه، تعود دور النشر وترسل لي قائمة جديدة، لماذا؟ لأنهم يقولون، أنك رفضت في العام الماضي دور الخبير، وعندما سلموا الرواية لخبير آخر، ضحك هو الآخر. أتذكر أن إحدى الروايات الفائزة (ولأننا لا نريد ذكر أسماء هنا) حاولت 7 دور نشر المانية نشر روايته، سلموها لخبراء متعددين، وكانت النتيجة واحدة الرفض. قالوا أنها رواية ركيكة وساذجة. نفس الشيء حصل مع روائي آخر فائز بالبوكر، تُرجمت روايته وعملوا عقداً معه، ولم ينشروا روايته بعد أن قرأوا الترجمة واكتشفوا ضحالة الرواية. على فكرة نفس الشي حدث للرواية الأولى مع دار النشر الأسبانية بعد ترجمتها للأسبانية.
 
على ذكر النوبل، ألا تقر معي أن هناك كتاباً كبار يشار لهم بالبنان لم يحصلوا على النوبل، أومبيرتو أيكو مثلاً؟
شكراً لهذا السؤال، لأن لابد من توضيح هذا الالتباس عندنا، الجهل، أن هناك جوائز جديدة في العالم وفي مقدمتها جائزة النوبل طبعاً، لا تُمنح للإبداع الأدبي فقط، الذي هو أمر بديهي في حالة الحصول على النوبل، بل يرتبط بها معيار أخر مهم: موقف الكاتب "المثالي" ونشاطه الحياتي: الموقف من الحريات، الدفاع عن المهمشين، الدفاع عن الأقليات ...ألخ من الأمور المهمة، يمكنني ملأ الصفحة هنا بالأسماء، لكن دعونا نأخذ بعض الأمثلة للذين حصلوا على نوبل: الروائي الأميركي مثلاً وليم فوكنر صاحب "الصخب والعنف" أرتبط أدبه بموقفه المضاد للعبودية في الجنوب الأميركي، الفرنسي أليير كامو أرتبط أدبه بالدفاع عن حرية الإنسان، كذلك الحال مع الفرنسي جان بول سارتر (طبعاً موقف سارتر معروف من الجوائز معروف. الرفض)، الروسي بوريس باسترناك بموقفه ضد الديكتاتورية الروسية وستالين، التركي أورهان باموك بموقفه من قضية الأرمن والأكراد ... ألخ، على الجانب الآخر الإيطالي أومبيرتو أيكو مثلاً الذي ذكرته هنا، فهو ورغم أنه أشتهر عالمياً، إلا أنه لم يكن صاحب موقف معروف في هذا الشأن، على مستوى السلوك، وكان أقرب للأكاديمي والمؤرخ، رواياته جميعها بيستسيلر، شعبية، وأقرب للرواية البوليسية، ربما بدا من المبالغة إذا قلت، أن أيكو الذي عشته عن كثب، لأنه في نفس دار نشري الألمانية وكنت ألتقيه حتى وفاته كل عام في معرض فرانكفورت في حفلة دار نشرنا، كان حتى في سلوكه غير ودود، متكبر وغاضب أغلب الأوقات، لم يحبه أحد، على عكس التشيلي بابلو نيرودا والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والبيرواني ماريو بيرغاس يوسا مثلاً، فكانوا كتاباً عاشوا في المنفى، كانوا معروفين بمقاومتهم للأنظمة الاستبدادية، كل ذلك يلعب دوره، وأحب التأكيد هنا انني أتحدث عن الظاهرة، طبعاً هناك استثناءات، إلا أن ما أردت التأكيد عليه أن معايير النوبل أو معايير جوائز البوكر الأوروبية لا علاقة لها بمعايير العرب من اصحاب الجوائز. أنها معايير مختلفة تماماً.
 
هل تفكر بالقارئ الغربي او العربي خاصة وأن كل رواياتك مترجمة ؟
أنا لم أفكر بالقارئ الغربي على الاطلاق ، أفكر بالموضوع فعلا ً ، كنت أسأل نفسي لماذا نعجب بروايات يابانية أو أمريكية أو ألمانية مع أنها كُتبت بلغة تختلف عن لغتنا!! وهذا ما دفعني بالتفكير بالقارئ المحلي ولكنه كوني!! . فالمواضيع الوجودية التي تخص الأدب والأنسان كالحب والموت والخوف والقلق والإختيار، هي مواضيع كونية تخص كل فرد في العالم، لكن لكي تكون مقنعة ولكي يجد كل إنسان، قاريء في كل مكان، نفسه فيها، يجب أن تكون مطعمه بالجانب المحلي ، وبالمناسبة كل رواياتي نسخهها الأصلية هي عربية وليست ألمانية مع أنها لغتي الأم الثانية ، حتى زملائي الألمان يسألوني لماذا مازلت أكتب بالعربية ، فأقولهم أنا منفي  ، وطني وأهلي ذهبوا ولم يبقى سوى لغتي فهي بمثابة الوطن بالنسبة لي . ثم أن اللغة هي ليست نحو وإعراب. أنها فلسفة وطريقة بالتفكير.
 
ماهي مكانة المثقف مابين الشعب والسلطة ؟
المثقف يجب أن يتحالف دائما ً مع المهمشين ،  والمثقف يجب أن يكون خارج السلطة ، خصوصا ً الروائي  ، يجب عليه أن لا يعمل في قطاع حكومي ، فالإرتباط بالحكومة لايجعلك تستطيع تنتقدها . 
فحتى لو الحكومة جيدة يجب أن تكون أجود فهو ضمير الناس  والمجتمع ، الكاتب كما قلت متحالف مع غائب، أفضل، وللأسف مشكلتنا في الأوطان العربية أن المواطن فقد ثقته  بالمثقف ، فالمثقف عندنا على الأفلب متذبذب يفكر بالغنيمة والمنصب  فقط  والنجاح السريع ، ولا يفكر أن الإبداع غير هذا، والنجاح يُطبخ على نار هادئة، كالأكلة اللذيذة، الطبخة التي تعملها أمك على النار هي غير الأكلة التي تأكلها عند مطعم للوجبات السريعة، يعني مثلا ً نجيب محفوظ وبدر شاكر السياب وآخرون من نمطهم لم ينجحوا سريعا ً ، كانوا يكتبون لحاجة داخلية للكتابة وحسب،  والكاتب عندما يكتب لحاجته الداخلية لا يكتب شيء خاطئ .  فأنت تكتب لحاجتك الداخلية وليس للسلطة . 
 
زيارتك للسعودية  قبل سنوات حدثنا عنها ؟
كانت زيارة استثنائية، ففي ربيع 2010 أتتني دعوة من السفارة الألمانية  في الرياض ،  فعملت عدد من الندوات مع الأندية الأدبية في السعودية ، تجولت في المنطقة الشرقية في الظهران والدمام والقطيف، في الرياض، في جدة وفي بريدة والناس كانوا رائعين  وكان احتفاؤهم بي لايصدق 
وأجمل استقبال كان في القصيم حيث رافق وصولي للقصيم نزول المطر فكانوا يرددون أتيت وجلبت معك الخير . وكان القراء لرواياتي كثر خصوصا من النساء ، وناقشوني كثيرا ً في تفاصيل رواياتي  وهذا لاشك أسعدني جدا ً . 
ليس من الغريب أن تأتي روايتي الجديدة "إثم سارة" التي بطلتها فتاة سعودية متمردة، هي من ثمرة هذه الزيارة، فأنا عملت عليها مدة ستة سنوات، ونشرها جاء في الوقت المناسب في هذه الأيام.
 
عن ماذا تتحدث رواية الأخيرة  "إثم سارة"؟
كل ما أقوله أنها تتحدث عن الجيل الجديد، عن الشباب، عليك أن تقرأها بنفسك، أتمنى أن تكون عندكم في معرض الرياض في شهر مارس القادم، على فكرة، الرواية ستصدر في بيروت هذه الأيام بالتوازي مع صدورها بترجمتها الألمانية.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات