بوينس أيريس:شاهد العالم باسره عبر التليفزيون مشاهد ت الاشتباكات التي وقعت في كانون أول/ ديسمبر عام 2001 بين المتظاهرين والشرطة في الأرجنتين والتي حصدت أرواح ما يقرب من أربعين شخصا. شهدت الأزمة تعاقب خمسة رؤساء في غضون شهور قليلة، وتجميد الحسابات المصرفية، ودفعت البلاد في نهاية المطاف إلى أكبر عجز عن سداد الديون في تاريخها. ولكن بعد عشر سنوات يفخر الأرجنتينيون بالتعافي المبهر الذي حققوه مع إلقاء نظرة للماضي بمشاعر مختلطة من الزهو والإثارة من الأحداث الجارية في أوروبا. ولا يزال الأرجنتينيون يتذكرون كانون أول/ ديسمبر من عام 2001 الذي شهد أعمال عنف ونهب مع معاناتهم من ظروف قاسية قبل وبعد الشهر الفاصل .


والان تكافح أوروبا القوية من أجل الوفاء بمتطلبات خدمة الدين وتطبيق برامج تقشف على شعوب اليونان والبرتغال وأيرلندا بل وحتى إسبانيا وإيطاليا. ويتابع الأرجنتينيون ما يحدث ولسان حالهم يقول إن ما 'جرى هناك، حدث هنا'. وهناك قدر كبير من الاختلافات بين الأرجنتين النائية والدول الأكثر مديونية في الاتحاد الأوروبي. ويتفق الكثير من خبراء الاقتصاد على أن تعافي تلك الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية توقف بالأساس على استعادة بوينس أيريس التحكم في الأدوات النقدية التي خسرتها في عام 1991 عندما ربطت البيزو بالدولار، وهو تحديدا مسألة لا تستطيع اليونان الحاصلة على حزمة إنقاذ وإيطاليا المهددة بذلك القيام بها داخل منطقة اليورو.


وبعد عشر سنوات من 20 كانون أول/ ديسمبر عام 2001، لا تزال صورة الرئيس المستقيل فيرناندو دي لا روا الذي فر بمروحية من القصر الرئاسي في بلاده عالقة في أذهان الشعب الأرجنتيني. وبرغم حالة الطوارئ التي سنها، حوصر القصر بآلاف المتظاهرين الذين قذفوه بالقدور والمقالي للتعبير عن سخطهم. كانت البطالة انتشرت بلا هوادة في الاقتصاد غير القادر على المنافسة عالميا حتى مع محاولة بعض المواطنين الإبقاء على معدلات الاستهلاك التي اعتادوا عليها في اقتصاد شبه مدولر. ومع تفاقم الأزمة المالية للحكومة، خفضت حكومة دي لا روا أجور القطاع العام والمعاشات بنسبة 13' وجمدت الودائع من أجل منع حدوث أزمة مصرفية في غمرة هروب شديد لرأس المال.


كان خفض الإنفاق أمرا يتعذر اجتنابه في ظل سعي السلطات إلى إقناع صندوق النقد الدولي للحصول على المزيد من الأموال لسداد خدمة الدين. وقفزت العوائد على سندات الأرجنتين في الوقت الذي لاح في الأفق عجزها عن السداد وهو ما حدث في نهاية المطاف قبل نهاية كانون أول/ ديسمبر من عام 2001 بحجم ديون بلغ أكثر من 80 مليار دولار. وبحلول كانون ثان/ يناير، أنهت الحكومة سعر الصرف الثابت للبيزو مقابل الدولار. كان التعافي بطيئا في البداية مع بذل الأرجنتينيون جهودا مستميتة من أجل إعادة بناء اقتصادهم ومؤسسات دولتهم. كان الشعار الغالب على المتظاهرين هو 'دعهم يرحلون جميعا' في إشارة كبيرة لأي شخص في منصب بالسلطة قد يكون مسؤولا عن أزمة البلاد ما قدم إحساسا بشكل تدريجي بأن الأمور يمكن في النهاية أن تتحسن.


كتب بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد مطلع ذلك العام أن 'الأرجنتين عانت بشكل مروع في الفترة من عامي 1998 حتى 2001 إذ حاولت تطبيق النظرية الاقتصادية بحذافيرها وأن تفعل الشئ السليم. وبعد أن عجزت عن السداد في نهاية عام 2001، اتجهت نحو تباطؤ مؤلم لفترة قصيرة، لكنها بدأت بعد ذلك في انتعاش سريع استمر لفترة طويلة'. وبحلول أيار/ مايو من عام 2003، وفي عهد الرئيس نيستور كيرشنر، بدأ يحدث''تعافي ملحوظ في الأرجنتين. وفي حين ترك كيرشنر الرئاسة في عام 2007 وتوفي العام الماضي، خلفته زوجته كريستينا فيرنانديز دي كيرشنر لتتولى مقاليد الحكم وأعيد انتخابها منذ فترة وجيزة بعد فوزها بنسبة تصويت بلغت 54' بعد مرور فترة طويلة على واقعة الهروب بمروحية. انكمش الاقتصاد الأرجنتيني حتى عام 2002، ومنذ ذلك الحين، نما بمعدلات سنوية ثابتة تتجاوز 8'. وباستثناء عامي 2008 و 2009، عندما عانت الأرجنتين من تداعيات متوسطة للأزمة المالية العالمية الحادة والركود. وصاحب النمو درجة معقولة من إعادة التوزيع. وتستمر البلاد في التعرض لتضخم مزمن وتسبب وجود قيود على دخول أسواق المال في تأجيل بعض استثمارات البلاد في أمس الحاجة إليها.