واشنطن: تسبب معدل البطالة المرتفع في الإطاحة بالعديد من الرؤساء الأميركيين من منصبهم الرفيع. ففي عام 1992 خسر الرئيس جورج بوش الأب الرئاسة لصالح منافسه الديمقراطي بيل كلينتون الذي رفع شعار 'إنه الاقتصاد ياغبي'. يومها اقتنع الناخبون أن الرئيس بوش لم يدرك حقيقة الأزمة الاقتصادية التي كانت أميركا تواجهها في ذلك الوقت.

والآن يمكن أن يتكرر السيناريو في انتخابات تشرين ثاني/نوفمبر 2012. وفي حين يسعي الرئيس الأمريكي باراك أوباما الي الفوز بفترة رئاسة ثانية، فانه يتطلع إلى بصيص أمل من أوروبا التي تعاني أزمة مالية طاحنة تلقي بظلال كثيفة على الاقتصاد الأمريكي.
فبعد 3 سنوات من أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها أمريكا والعالم منذ الحرب العالمية الثانية يتعرض أوباما لانتقادات عنيفة بعد أن أنفق تريليونات الدولارات ووفر ملايين الوظائف الجديدة في الوقت الذي ظل فيه معدل البطالة الأمريكي أكثر من 8' لثلاث سنوات على التوالي. ولم تشهد الولايات المتحدة استمرار معدل البطالة المرتفع لهذه الفترة الطويلة المتصلة منذ سنوات الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين. كما تأتي الأنباء السيئة للاقتصاد الأمريكي من الشاطئ الآخر للمحيط الأطلسي حيث تهدد الأزمة المالية الأوروبية الاقتصاد العالمي ككل، وهو ما يجعل الاقتصاد الأمريكي أبعد ما يكون عن التعافي بحسب المحللين.


فبعد قمة مجموعة الدول العشرين الكبرى في منتجع لوس كابوس المكسيكية في حزيران/يونيو الماضي قال أوباما 'اعتقد أنه من العدل القول إن أيا من كل هذه الموضوعات الاقتصادية سيكون لها تأثير محتمل على الانتخابات الرئاسية الأمريكية. لكنه أضاف أن المشكلة لا تتصل بشكل مباشر بأدائه كرئيس. وقال إن 'أوروبا ككل هي أكبر شريك تجاري لنا وإذا انخفضت مشتريات عدد من الأسر في باريس أو برلين فهذا يعني أننا سنبيع كميات أقل من السلع في بيتسبرغ أو كليفلاند'.


ويقول الباحثون في معهد هامبورغ للاقتصادات الدولية والذين يتابعون ملف سوق العمل في حملة الانتخابات الأمريكية إن ارتفاع معدل البطالة فوق 7' يمثل عقبة كبيرة في طريق الرئيس الأمريكي الراغب في الفوز بفترة رئاسة جديدة. وأضاف المعهد أن معدل البطالة كان أكثر من 7' خلال 118 شهرا من بين 603 أشهر شملتها فترة الدراسة وبخاصة خلال إدارة الرؤساء السابقين جيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش.


وخسر فورد وكارتر وبوش الانتخابات بعد فترة رئاسة واحدة على خلفية ارتفاع معدل البطالة خلال تلك الفترة علي 7'، في حين أفلت ريغان فقط من هذا المصير بعد أن نجح في خفض معدل البطالة خلال الشهور التي سبقت الانتخابات.
لذلك لا عجب في أن يستخدم المرشح الجمهوري ميت رومني ورقة البطالة كمطرقة لتحطيم فرص فوز منافسه الديمقراطي باراك أوباما بفترة رئاسة ثانية. وكتب رومني في مقدمة برنامجه الانتخابي المكون من 160 صفحة 'ما يحدث في أمريكا اليوم يحطم قلبي والبطالة من بين هذه الأشياء' التي تحطم قلبه. في المقابل فإن أوباما جعل إنعاش أكبر اقتصاد في العالم ماليا إلى جانب تحسين مستوى معيشة سكان أمريكا البلاغ عددهم 310 ملايين نسمة في قلب حملته الانتخابية.


ويقول أوباما 'في مختلف أنحاء البلاد أقابل أشخاصا يعانون من أجل سداد فواتيرهم أو عمال مسنين يشعرون بالقلق من التقاعد أو شباب يعانون من البطالة أو تراكم الديون عليهم. أسمع أصواتهم عندما استيقظ كل صباح وهذه الأصوات ترن في رأسي عندما أخلد إلى النوم'.


ويتبنى أوباما، وهو ديمقراطي يسار وسط، فكرة الحكومة القوية المسؤولة التي تضمن العدالة والتحديث وتقف للدفاع عن البيئة في مواجهة مصالح المجموعات الصناعية وتنفق مليارات الدولارات على هذه المجالات رغم الارتفاع الكبير في معدل الدين العام.
ويريد أوباما زيادة الضرائب على الأثرياء الذين يدفعون غالبا نسبة أقل من دخلهم مقارنة بنسبة الضرائب على الطبقة الوسطى، وذلك من أجل تمويل استثمارات إعادة تدريب العاطلين ومشروعات الطاقة النظيفة إلى جانب خلق المزيد من الوظائف. كما يريد إصلاح القطاع المالي لمنع تكرار الكارثة المالية التي ضربت امريكاعامي 2007 و2008 .


ويرفض رومني، وهو جمهوري من يمين الوسط، إصلاحات أوباما المالية على أساس أنها قيود مفرطة تهدد اقتصاد السوق الحرة. وهو يريد إحياء أفكار الرؤساء الجمهوريين السابقين رونالد ريغان وجورج بوش الاب اللذان خفضا الضرائب على الأغنياء وفقا لنظرية 'تساقط الثمار'. كما يؤمن رومني برفع يد الدولة عن الاقتصاد تماما وترك القطاع الخاص يسيطر عليه بأقل قدر من القيود. ويتهم الجمهوريون أوباما بإثارة صراع طبقي في المجتمع الأمريكي.
ويرى المحللون أن كل ذلك مجرد منافسة سياسية.


يقول غاستين وولفرز وبيتسي ستيفنسون الخبيران في معهد بروكينغز الأمريكي لوكالة بلومبرغ للأنباء الاقتصادية إن الجدل الدائر في واشنطن حاليا بشأن السياسة الاقتصادية هو جدل كاذب ومصطنع. وهو جدل سياسي بالكامل'. ويضيف الخبيران أن خبراء الاقتصاد من مختلف أطياف اليمين واليسار متفقون على اغلب قضايا الاقتصاد الكلي. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يتوقعه المواطنون بعد الانتخابات هو استمرار حالة الغموض الاقتصادي. ويقول المحللون إنه لا توجد أي وسيلة واضحة لخفض الدين العام بدون خفض كبير للإنفاق أو زيادة كبيرة في الضرائب. وقالت صحيفة (نيويورك تايمز) 'طوال الوقت فإن كلا المرشحين يمددان الحقيقة ويستخدمان الإحصاءات الاقتصادية خارج سياقها ويبالغان في تصوير قدراتهما والحط من قدرات المنافس'.