أن تصل متأخراً، خير من ألا تصل. وحسناً فعلت كل قوانا وتنظيماتنا الفلسطينية، وخصوصاً حماس، حين وافقت على وقف إطلاق النار المتبادَل والمتزامِن ما بيننا وبين إسرائيل. مع أن هذا المصطلح الحربي [ وقف إطلاق النار ] لا ينطبق علينا في واقع الحال. فهو مصطلح ينطبق على جيشيْن متعادليْن أو يكادان، أو قوتين عسكريتين متضادتين، ومتشابهتين في عتادهما وعديدهما. والحال أننا لسنا كذلك، ولم نكن أبداً كذلك، منذ تفجّر الصراع الدموي، وحتى يومنا هذا. لكن إصرار وصبيانية بعض قوانا، في عسكرة كل شيء، وليس فقط عسكرة علاقتنا مع إسرائيل، هي التي أوهمت العالم بأنّ ثمة قوة فلسطينية مقابل قوة إسرائيل. مع أنّ قوتنا البدائية، ما هي إلا [ مواسير ] أطلقنا عليها تهويلاً إسم quot; صواريخ quot;.

الآن، وكما يبدو، وأيضاً كما نأمل، وصلت قوى [ الجهاد والمقاومة ]، بين صفوفنا، إلى لحظة الحقيقة أو بعضها على الأقل. فهل ينجح هذا الوقف؟ وهل يستمر كما نجح واستمر نسبياً في تجارب سابقة؟ نتمنى من كل قلوبنا وعقولنا ذلك. لكن الأمنيات لا مكان لها في عالم السياسة الذي لا يرحم. لذا على أبو مازن، كرئيس للسلطة ورئيس لفتح، وعلى إسماعيل هنية كرئيس للوزراء وكقيادي في حماس، وعلى كل تنظيماتنا المسلحة، كقوى لها الفاعلية والنفوذ والكلمة الأولى في الشارع، أن ينسّقوا جميعاً مع بعضهم البعض، وأن يضعوا آليّات التنفيذ والمُحدّدات الصارمة العملية لإنجاح هذا الوقف، الذي لطالما تمناه وحلم به المواطنون الفلسطينيون العقلانيون الطامحون لإنهاء الصراع في غالبهم الأعمّ.

إن وقف إطلاق النار، هو من مصلحتنا أولاً، قبل أن يكون في مصلحة إسرائيل. لذلك فهو ضروري لنا ضرورة الهواء والماء. فيكفينا ما طالنا من وراء نزعات العسكرة، التي انتشرت بين أمراء الحروب منا، انتشار الوباء. فهدّمت نسيج المجتمع، وأشاعت ظاهرة الفلتان الأمني، وأذكت الصراعات الداخلية بين العوائل، فحوّلتنا من مجتمع مدني أو شبه مدني إلى كتلة إسبارطية، ليست منضبطة وصارمة كإسبرطة القديمة، وإنما العكس : إسبارطة غارقة في الفوضى والتحلل. فهي باستفزازها لإسرائيل، أعطتها المبرر، لتأكلَ هذه الأخضر واليابس، وتشرّد آلاف العوائل عن بيوتهم، بعد تهديمها، وتمنعَ إدارة عجلة الترميم والبناء. أي انعكست العسكرةُ سلباً خالصاً علينا، وفي المقابل، لم تلحق بإسرائيل، سوى مجرد كدمات وجروح بسيطة، في جسد بعض قراها المعزولة النائية.

إن حساب الربح والخسارة، مهم ومهم جداً في السياسة. ونحن، بإطلاقنا المواسير المعبأة بمادة السماد الكيميائي المستخدمة لتسميد الأشجار، خسرنا أضعاف ما ربحنا. بل إننا تقريباً، لم نربح شيئاً يُذكر. فيما إسرائيل ربحت بالمقابل إعلامياً، فصدّق العالمُ من ورائها كل ما تقوله عن صواريخنا الكرتونية، فأحكمَ لا مبالاته، وشدد من حصاره الاقتصادي، ناهيك عن غضّه الطرف عما تفعله آلةُ إسرائيل المفرطة القوة بنا وبمواطنينا الأبرياء العزّل، من مجازر ومصائب. فالعالم، وهذا شأنه منذ الأزل، لن يساعد مَن يرفض مساعدة نفسه.

نعرف من مبادرات سابقة، أنّ حماس إذا قالت ووقّعت التزمتْ بما تقول وتوقّع. لذا لا يساورنا أدنى شك في أنّ جناحها العسكري [ كتائب عز الدين القسام ] سيلتزم بهذه التهدئة. لكننا نخشى في الحق، من دكاكين فتح العسكرية، وما أكثرها وما أكثر مُسمياتها، بألا تلتزم. ذلك أنها بلا مرجعية تنظيمية قادرة على لجمها. والبعض منها تابع لبعض الأسماء التي ليس من مصلحتها التهدئة. كما نخشى من بعض القوى، كالجهاد الإسلامي، التي تلتزم فقط في حال توقيعها على الهدنة. ولا نعرف حتى اللحظة، إن كانت وقّعت أم لا. لذلك على السيد أبو مازن، وقوى الأمن الوطني، جيشاً واستخبارات ومخابرات، أن تتكاتف جميعاً بالتنسيق الميداني مع جميع القوى من الإسلاميين واليسار، لفرض التهدئة وتنفيذ بنودها على الأرض، وصولاً إلى جعلها هدنة لا تهدئة فقط.

ونأمل أن يكون ذلك، بالتزامن والتوازي، مع ملفات أخرى جد ماسة، كملف الجندي المختطف شاليت وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، في ما يمكن أن يُعتبر [ رزمة شاملة ] تبدأ بالهدنة وتنتهي بتشكيل حكومة فك الحصار، ومن ثم الدخول في مفاوضات سلام مع إسرائيل، خاصةً بعد أن سلّمت حماس ملف التفاوض إلى مؤسسة الرئاسة ومؤسسة منظمة التحرير.

الآن بدأ أول أيام التهدئة. ولقد سحبت إسرائيل كل قواتها المنتشرة في شمال القطاع إلى أراضيها داخل حدودها. ولم يبق منها ولا جندي داخل حدودنا. بهذا تكون إسرائيل قد نفّذت بعض شروط التهدئة. فماذا نحن فاعلون بالمقابل؟ هل نلتزم، كما يتوجب علينا أم ننفلت؟ للأسف، لم نلتزم، وأطلقنا صواريخنا مرتين نحو سيدوروت وصحراء النقب. فمن وراء هذا الإطلاق؟ وكيف له ألا يلتزم؟ نعرف أن الناطق باسم الحكومة غازي حمد، وعدَ بالتحقيق بالأمر، ووضع نهاية له. كما نعرف أنّ إسرائيل هي الأخرى، وعدت بأن [ تأتي على نفسها ] ولا تردّ. وطبعاً لن تردّ إلى مدى زمني محدد ومعلوم ، أي فترة زمنية لا تزيد عن أيام. فهل يلحق مسئولونا أنفسهم، ويُسكتوا مسلّحيهم قبل فوات الأوان؟ وقبل أن تعود الأمور إلى سيرتها الأولى، فندخل من جديد في دوّامة لا أول لها ولا آخر؟

فقط أقول لهؤلاء، إنّ هذا الوقف لإطلاق النار، هو حلم مواطنيكم، فحافظوا على هذا الحلم الصغير الكبير. ودعوا قطاع غزة، الذي لم يذق ذرة اطمئنان واحدة، منذ انسحب منه شارون، قبل أكثر من سنة وبضعة شهور، يلتفت إلى شئونه وشجونه الخاصة، وإلى حل بعض مشكلاته المزمنة المتراكمة، فيذوق طعم الأمن والأمان، ويذهب إلى [ جهاده الأكبر ] وهو حلم التعمير والبناء، ومداواة الجروح. هذا حقه فلا تحرموه هذا الحق. حقه الذي لطالما ضحى ودفعَ من أجله كل غالٍ ونفيس.

لقد خرجت إسرائيل من قطاع غزة بالكامل. ومع أنها تحاصره من جميع الجهات، براً وبحراً وسماءً، إلا أنها ليست متواجدة في متنه الآن. بل نحن الموجودون. وعلينا، سلطةً وحكومةً ومواطنين، أن نلتفت إلى مصالحنا كشعب، ولا نجعل مصائرنا في أيدي أمراء الحروب ومحترفي الجهاد إلى الأبد : الجهاد لذاته، والجهاد من أجل الجهاد. وفقاً لعقائدهم وأيدولوجياتهم والدول التي تدعمهم من وراء أو أمام الستار.

التهدئة مع إسرائيل هي مصلحة فلسطينية بالأساس. من هنا ننطلق ومن هنا نعمل. التهدئة ستُخرجنا من الطريق المسدود. سترحمنا من عدميّات بعضنا. وستحرج إسرائيل، فيما لو التزمنا بها نحن لآخر المطاف. كما أنها ستجعل المواطنين يعودون إلى ديارهم التي هُجّروا منها، وإلى مزارعهم المقلوعة، وإلى مصالحهم اليومية. فيبنون ما تهدّمَ، ويزرعون من جديد ما اقتُلِع، لتستمر الحياة.

ولا بد أن تستمر الحياة. فمن غير المعقول أن نرهن مصيرنا برغبات شبان مسلحين إلى ما لا نهاية له. ومن غير المعقول، أن نطلب المساعدة، ونلحّ عليها، من قوى العالم الخارجي، عربياً وإقليمياً ودولياً، فيما نحن لا نساعد أنفسنا ولا نرحمها.
إنّ الكل يعرف، القاصي قبل الداني، أننا بإطلاق هذه المواسير البدائية، على سيدوروت وصحراء النقب وأحياناً على عسقلان، قد أعطينا [ الذريعة ] الكاملة لإسرائيل، كي تنكّل بنا وتبطش حتى بأطفالنا ونسائنا، فضلاً عن الشيوخ والعجائز. ولطالما تدخّلت قوى في الإقليم، لتنصحنا بالكفّ عن إطلاق الصواريخ، لكننا لم ننتصح. فهل عادت عقولنا لتسكن رؤوسنا، وهل عاد حساب الربح والخسارة، وحساب التكتيك والإستراتيجيا، ليملآ الفراغات في هذه العقول الناشفة؟
نأمل. لكننا من كثرة ما أمِلنا وخُيّبَ أملنا، بتنا على حذر.

اليوم الأحد الموافق 26 نوفمبر، يبدأ أول أيام هذه التهدئة. وهو امتحان لنا، ليس فقط أمام أنفسنا وساحتنا الداخلية. بل أمام عيون العالم وكاميرات العالم الخارجي كله. وقد أعطتنا إسرائيل مهلة زمنية محددة، لكي نمنع العمليات العسكرية ضدها. ولن تغفر لنا إذا لم نلتزم. كما لن يغفر لنا العالم أيضاً. فهل نكون على قدر كلامنا وتوقيعنا، أم أننا سنخذل فلسطينيي الداخل، وسياسيي العالم قاطبة؟
نأمل. لكننا من كثرة ما أملنا وخيّب أملنا، بتنا على حذر!