لثغتها العذبة أول نغمة هطلت في أذني عبر سماعة الهاتف بعد دقائق من وصولي منزل أهلي فجر ذاك اليوم الذي استعدت فيه حريتي.. السادس من أيار / مايو 2001.
كانت قرابة الثالثة صباحا، ومع ذلك لم تنم. وكيف أنام؟ قالت واستطردت السؤال: هل يتجرأ النوم على الاقتراب من عينيّ محبوبة وهي تنتظر حبيبها الذي أحبته دون أن تراه، في زمن كان يقود حبه إلى التهلكة؟ وهل تستطيع أمّ أن تنام حين تكون على موعد مع ابنها الذي لم تلده، وستلده الآن بعد أن حملته في أحشائها تسع سنين لا تسعة أشهر!؟
بخلاف كل الأمهات اللواتي يزغردن حين يطلق أبناؤهن من غياهب السجون، كانت سلوى. quot; تبكي وتضحك لاحزنا ولا فرحا... كعاشق خط سطرا في الهوى ومحا quot;. اختلط بكاؤها بضحكها كالمجنونة. وحين سألتها ذات يوم عن ذلك، فلسفت جنونها مثل كل الأمهات اللواتي بفلسفن تصرفاتهن حين يتعلق الأمر بالأبناء : quot; لا تبدأ الأم بالخوف على ابنها إلا بعد أن تخرجه من أحشائها وتعرفه وتوقن أنه صار بين يديها، وملكا لها. قبل ذلك يكون مجرد مضغة وهم، قد يصبح حقيقة، وقد لا يصبح أبدا quot;.
هكذا، ودون مقدمات، أصبحت واحدا منا. تسللت إلى حياتنا اليومية وأصبحت جزءا من الهواء الذي نتنفسه. وبعد سنين لم يعد أحد منا يتذكر كيف حدث ذلك. ثلاثة في فرنسا ورابع في دبي وخامس في اللاذقية. خمسة أولاد ألقوا همومهم على كاهلها الذي هده الزمن. هذا يريد أن يخطب ويتزوج، وذاك له مشكلة مع حبيبته، والآخر مريض، والرابع يريد أن تحل له مشاكله الإدارية في الجامعة، والخامس يريد منها أن تختار اسم طفله القادم بين لحظة وأخرى. وعليها أن تلبي طلباتهم جميعا دون تردد أو تأفف! أوليست أمنا؟
لم نكن نعاني في يوم من الأيام نقصا في حنان الأم. كانت أمنا، ولا تزال، وشكرا للقدر، تفيض علينا بما تفيض به كل الأمهات. لكن سلوى كانت شيئا آخر ؛ شيئا عصيا على الفهم ؛ تحسه ولا تراه ؛ تعيشه ولا تستطيع تفسيره أو شرحه ؛ شيئا مثل الله بالنسبة للمؤمنين. يقال إن المرء يستحيل عليه أن يعيش مشاعر البنوة إلا مع أم واحدة، ويستحيل على الأم أن تعيش مشاعر أمومتها الحقيقية إلا مع أولئك الذين خرجوا من أحشائها. لكننا اكتشفنا كم في ذلك من ادعاء ومن خرافة. ولا زلنا نتساءل : من أين كان لها كل هذا الفيض من الحنان الذي تغدقه علينا!؟
حين سيتعرض وضعي الصحي لانتكاسة ثانية في باريس، سأكتشف نوعا آخر من الجنون القدسي الذي يمكن أن يفعله وله الأمهات بأبنائهن. طيلة شهرين أو يزيد كانت تتصل كل ليلة من دمشق، لا لتسألني عن أخبار علاجي فقط، ولكن لتتأكد من أني أغلقت النوافذ جيدا، ومن أن لحافي لم ينزلق عن السرير وأنا نائم! quot; حبيبي، سكّرت الشبابيك منيح؟ تقبرني، دير بالك على حالك.. يا عمري . البرد بهادا الوقت كتير بيضرك. تغطى منيح ياعمري، ولا تنام قبل ما تتأكد من أنك سكرت الباب والشبابيك منيح.. يا الله، حبيبي تصبح على خير، أنا بكرا بحاكيك متل هدا الوقت quot;!
طقس أمومي كان عليها أن تكرره يوميا. لكأنما غرفة نومي بجانب غرفة نومها في منزلها الدمشقي وعليها أن تقوم كل منتصف ليل، كما تفعل الأمهات مع أطفالهن، لتتأكد من أني أتدثر جيدا، وأني لا أتعرض للبرد!
حين رأتني للمرة الأولى في حياتها، حدث شيء يشبه الخرافة، أو هو الخرافة بعينها. كان ذلك بعد شهر من إطلاق سراحي. قررت أن تقيم احتفالا في فندق الشام، احتفاء بحريتي، ولتقديم ابنها الذي عثرت عليه إلى الناس ؛ فقد كان مستحيلا عليها بسبب مرضها أن تسافر مئات الكليومترات لكي تراني في منزل أهلي بجبال اللاذقية.
كانت بانتظاري على مدخل الفندق مع النائب مأمون الحمصي وأصدقاء لها لا أعرفهم. وكان برفقتي محاميّ خليل معتوق، ومحاميّ الآخر أنور البني الذي يبكيها الآن دون ريب في زنزانته. فجأة، وما إن أصبحنا على المدخل، ولا أعرف كيف حصل ذلك، التقطتني من على عكازتي ورفعتني بين ذراعيها إلى داخل بهو الفندق وسط دهشة وذهول الجميع.. حتى الأقربين! كيف لامرأة تجاوزت الستين من عمرها وحطمت ظهرها آلام العمود الفقري ومرض السكر والأوعية الدموية فجعلتها عاجزة في كثير من الأحيان عن المشي أو الجلوس...أن ترفع شخصا بين ذراعيها تجاوز وزنه الثمانين كيلو بسبب كميات الكورتيزون الكبيرة التي ابتلعها على مدار سنتين؟ لا أحد عنده الجواب! حين سألتها يوما عن ذلك، ومن أين أتت بهذه القوة الخارقة كلها فجأة، قالت : لا أعرف!
بلى، أنا أعرف. وحده حب الأم الذي كثيرا ما يكون ضربا من الجنون يفعل ذلك، وليس أي شيء آخر سواه. نعم ؛ الحب المجنون هو الذي يمنح الناس تلك القوى الخارقة التي لا يتخيلون أنها كامنة فيهم حين يعيشون في عالم العقل! وما كان العقل إلا ذاك القناع الذي يخفي أحاسيسنا ويمنعها من أن تعيش بشريّتها الحقيقية .. في طفولتها الأولى التي لم تمسخها الحياة!

***
لم يكن حافظ الأسد أبدا من ذاك الصنف الذي يحترم المواهب أو يحترم من يحترمون أنفسهم وإنسانيتهم ويدافعون عنها حتى الرمق الآخير. لم يكن يحب أحدا إلا العبيد ومن يرضون لأنفسهم أن يكونوا رقاّ في مزرعته. ومع ذلك كان يرسم حولها في أغلب الأحيان خطا أحمر يمنع على أي مسؤول، مدنيا كان أو عسكريا، أن يتجاوزه. ما يتصل بها وبمهنتها، وحده المسؤول عنه، ولا أحد مخول بالتدخل في شأنه سواه. كان موقفه منها استثناء من تلك الاستثناءات غير المفهومة التي طبعت شخصيته وعلاقته بالعالم والناس، لكنه ليس الاستثناء العصي على التفسير. فقد كانت الصحفية الأثيرة لدى محطتها البريطانية التي عملت لها طيلة حياتها المهنية تقريبا. ولم تكن المحطة، في تلك الأيام التي لم يكن قسمها العربي قد فقد بعد شيئا من مهنيته، لتقبل باستبدال مراسلتها الأثيرة. وكان عليه أن ينشىء، وهو أبو المعادلات المركبة، تلك المعادلة ما بين أن لا تعاديه مؤسسة إخبارية لها ما لها من حضور وتأثير على مواطني بلده، وأن لا يسمح لتلك الصحفية بأن تشط فيما لا يرضيه. أما هي فقد كانت تعرف بحسها المهني العالي وذكائها الوقاد كيف تمشي بين خيوط المطر، والوحل أحيانا، دون أن تتبلل أو تتلوث!
كان ثمة شيء أو أشياء أخرى تدفعها إلى ذلك. كانت مولعة بمهنتها إلى درجة لم تستطع معها أن تتخيل أنها يمكن أن تكون خارج عالمها في يوم من الأيام. وقبل هذا كله، وفي القلب منه، كانت مولعة كأي quot; ابنة بلد quot; بشامها. وكان ثمة هاجس مرعب يسيطر عليها دائما كما أخبرتني : أن تموت خارج دمشقها. فقد كانت تدرك في قرارة نفسها أنها الوردة الجورية الدمشقية التي لا يمكن أن تعيش إلا في البيت الدمشقي.. إلى جانب الياسمين. وإذ هي اضطرت إلى ذلك يوما ما، حين محا حافظ الأسد، لبعض الوقت، دائرته الحمراء من حولها، داهمها المرض الذي لم تبرأ منه حتى آخر ساعة في حياتها. فقد كان ضباب لندن.. قاتلها!
يوم سمح لها حافظ الأسد أن تعود، ردت روحها إليها. لكنها لم تبرأ أبدا من quot; داء الضباب quot; كما كانت تسميه. عادت، ولكن السكاكين كانت خرجت من المطابخ، والسيوف من الأغماد، وبات عنقها هو المطلوب. ومع أبناء نائب الرئيس، الضيف الثقيل القادم أخيرا إلى مضافات المعارضة، بدأت معركتها. وحين نشرت تحقيقها الكبير ذاك عن مافيات الفساد التي يتزعمها الرفاق، كانت محكمة quot; فرع فلسطين quot; وقاضيها القرقوشي مصطفى التاجر بانتظارها : الإعدام المخفض إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة! لكن الأسد، الذي أدرك خطورة ما أقدم عليه ربيبه الجلاد، حال دون تنفيذ الجريمة.. وإن مؤقتا. مؤقتا، نعم. فبعد ذلك كان عليها أن تواجه كواتم الصوت والنار في وضح النهار، حين كانت تغطي تظاهرة فلسطينية في إحدى مخيمات الضواحي. لكن الله، كما قالت، كان هذه المرة هو من يرسم دائرة حمراء حولها، لا حافظ الأسد!
لم ينتظر أبناء الضيف quot; الديمقراطي quot; الثقيل اكتمال دفن quot; شفيعها quot; حتى أشهروا سيوفهم وسكاكينهم مرة أخرى مع شريكهم بهجت سليمان. أصبح لهم، ولهذا الأخير، مهمة قومية واحدة : مطاردة لقمة عيشها من حي إلى آخر. كلما عثرت على وظيفة أرسلوا واحدة من عاهراتهم لـ quot; تشلحها quot; إياها. ويوم قررت أن تكون معي في وداعي الأخير، مع ثلة الأصدقاء، في مطار دمشق، نزل على رأسها الغضب الأكبر! quot; إياك أن تذهبي معه إلى المطار. لو ذهبت، ستعودين إلى حيث كان quot;، قال لها! لكن من يستطيع أن يمنع أمّا من أن تكون مع ابنها في لحظة تعرف بحدسها الأمومي الذي لا يخطىء أنها اللحظة الأخيرة التي تراه فيها!؟ لا أحد. ذهبت إلى المطار. شيعتني بدموعها وحزنها المريمي لكأنما كنت ذاهبا إلى جلجلتي. وحين عادت، كانت جرافته بانتظارها على باب بيتها : معس سيارتها في وضح النهار، قبل أن يسحب بطاقتها ويمنعها من العمل.
بعد أيام على وصولي المشفى الباريسي، أطلت ضاحكة من بين دموعها التي كنت أراها عبر أسلاك الهاتف : quot; أنت مثل اللعنة الفرعونية. كل من كان معك في المطار حلت عليه لعنة الرب. مأمون الحمصي اعتقلوه ؛ وماهر شميطلي، مدير مكتب وكالة الأنباء الفرنسية، أنذر بمغادرة البلاد فورا، وأنا هذا ما حل بي. ولم يبق إلا أنور البني وخليل معتوق.. وهما على الطريق quot;! وبعد حين quot; رحل quot; أنور البني، ولا يزال خليل ينتظر. إلى متى!؟

هل سيدفعك ما جرى لأن تكرهيني؟ سألتها مثلما يسأل أمه طفل أحمق إذا كانت ستكرهه في يوم من الأيام جرّاء العذاب والألم الذي سببه لها وهو يطل على نور العالم من أحشائها. أغلقت السماعة في وجهي. وكنت جديرا بالعقوبة!
تدهورت حالها. لم يبق معها حتى ثمن الدواء الباهظ الذي تحتاجه يوميا كما تحتاج الماء والهواء. أصيب دماغها بالجلطة الأولى. نفذت منها بأعجوبة. قبّلت قدميها راجيا أن تأتي وتقيم معي في باريس. وتعهدت لها أن أقوم بغسيل قدميها وتجفيفهما بشعري، كما يجدر بأي ابن أن يفعل لأمه. رفضت. عرضت عليها أن تقيم مع زوجتي في دبي. رفضت. رفضت أيضا أن تذهب للإقامة مع أهلي في جبال اللاذقية حيث الطقس المناسب لها وهدوء الريف البعيد من ضوضاء المدينة الذي يحطم الأعصاب.
لم يكن عشقها لدمشق وحده سبب رفضها. كان كبرياؤها الذي عز نظيره. كانت ترفض أن تموت إلا وهي واقفة كما سنديانة أو شجيرة كبّاد تنتصب في بيت دمشقي منذ الأزل وإلى الأبد. كانت ترفض حتى أن نقوم نحن أبناءها على خدمتها. وكنت شاهدا على واحدة من مواقف الكبرياء التي توازي حكايات الأساطير في غرابتها. لكنها لم تكن أسطورة إلا بمعايير جيل من حشرات الصحافة وقملها وصئبانها الذي لا يستطيع العيش إلا على أوساخ شعر العانة ؛ جيل تلك الصحفية التي تقفز من عانة مخابراتية إلى أخرى بحثا عن أكذوبة جديدة تلفقها ليس للمعارضين فقط، بل ولزملائها الصحفيين أيضا، وعلى رأسهم سلوى نفسها ؛ الصحفية التي تنتظر شهور حملها الأخيرة كي تذهب إلى واشنطن وتلد هناك من أجل الجنسية!
حين ساءت حالها المادية وقاربت الحضيض، وهذا ما أكشفه للمرة الأولى، اتصلت بها واحدة من أكبر شبكات التلفزة الأميركية، عارضة عليها أن تقوم بتحقيق عن ملاح الجو الإسرائيلي المفقود رون آراد. وضعوا لها في الحال مبلغ مئة ألف دولار كدفعة أولى على الحساب. كان المبلغ عاديا بالنسبة للقائمين الحقيقيين على الشبكة التلفزيونية، إذ كانوا يعرفون أنها الشخص الوحيد، تقريبا، الذي يمكنه القيام بذلك!
نقول تقريبا، لأن الشخص الآخر الذي كان يعرف مثلما تعرف سلوى، والذي لفق له صحفي فرنسي من أسبوعية quot; لوبوان quot; حديثا عن لسانه وتلقفه ببغاوات السلطة، ومعارضتها أيضا، كان جوابه مثل الجواب الذي أطلقته في وجوه ممثل الشبكة. كلمة واحدة.. حازمة وحاسمة : لا، وألف لا!
كانت تعرف إلى أين يمكن أن يقود تحقيق صحفي على غرار هذا التحقيق. ولأنها كانت تعرف، لم يكن مال الأرض كلها يستطيع شراء جهدها في أمر مثل هذا الأمر.. حتى بالمعنى المهني الذي يمكن أن يغري أي صحفي آخر.
في ذروة المأساة التي كانت تغرقها، مرضا وحاجة.. وحقدا من قبل سلطة غاشمة تذأ ّبت وتوحشّت وتضبّعت، حافظت على كبريائها وكانت أكبر من أن يغريها الانتقام والثأر لكرامتها وإنسانيتها. وقد كانت تستيطع ذلك كما لا يمكن لآخرين أن يفعلوا. كانت تقول لي : الوطن لنا، نحن الباقين أبدا،وليس لهذه السلطة الذاهبة غدا. لو انتقمت منهم بهذه الطريقة، لكنت على غرارهم. وأنا لا يمكن أن أكون إلا.. سلوى!
***
يا أمي التي لم تلدني رغم أنها حملتني تسع سنين.. يا سلوى أسطواني..
هل تسمعين عويل بكائي في غياهب زنازين الغربة ووحشة باريس؟
من سينتظرني حين أستعيد حريتي مرة أخرى وأعود إلى حارتك؟
من سينتظرني غدا أو بعد غد في المطار إذا عدت مع أحبتك من الطيور المهاجرة؟
لماذا تخلفين وعدك هذه المرة؟
من سيهتف لي بعد منتصف الليل ليتأكد أني أغلقت شبابيك البيت وأبوابه قبل أن أنام؟
من سيهتف لي بعد اليوم ليتأكد من أن لحافي لم ينزلق عن سريري في غفلة من نومي؟
من سيهتف لي بعد اليوم لينبهني من برد الشتاء؟
عاريا بعدك سأبقى.. وسط الريح!

باريس ـ 3 تموز / يوليو 2006